الإفلات من اللغة الاسمنتية – مصطفى راجح

الإفلات من اللغة الاسمنتية – مصطفى راجح

«مثل هكذا حس ينبغي أن لا يحبس في صنعاء». قفزت هذه الجملة من بين سطور ملف «النداء» الاسبوع الفائت، عن اللاجئين الصومال في عدن. كتابة سامي غالب تتجاوز الإنشاء والتوصيف المباشر، والعمل الصحفي الروتيني، إلى إبتكار كتابه وصحافة بأفق جديد.
كتابة ممتعة، بالأحرى لغة حية، تخلق لديك شعوراً بالغبطة. تحس أنها تحررك، وتأخذك لتحلق في السماء، مع أن الموضوع عادي جداً.
عادي هنا لا تنزع أهميته، بقدر ما تحيل إلى أنه لا يحتمل إبداعاً وإجادة، وفق اللغة الاسمنتية السائدة، ويحتاج إلى حس استثنائي، وقلم قادر على نسج لغة حية خارج إطار اللغة الميتة. وسامي غالب، يصدر عن هذا المدار، وهو ما يميزه، مع الكتاب الشباب، واهمهم نبيل سبيع ونايف حسان. لغة حية، تتجاوز الخواء الأجوف وتتأسس على رؤية معرفية، هي رافعتها من الوقوع في اسر اللحظة والسائد.
في عدن، لم يكتف سامي بإضاءة منطقة مظلمة في الهامش، بل تجاوز ذلك إلى رسم صورة قلمية تهزرك من اهتماماتك وسرحانك، ولا مبالاتك لتحدق في مأساة انسانية تدور احداثها على أجساد من لحم ودم.
تجاوز التوصيف المتبذل، وهذا بدوره يمكن أن يملأك بالقرف بينما يتوهم خابزه أنه يستعطفك كقارئ للنظر في قضية أو حدث. هنا لا مجال للإستعطاف بل لإثارة مشاعر التضامن الإنساني في أرقى تمثلاتها.. وبأناقة.
تفرك عينيك، وكأنك اكملت قراءة رواية، لا ثلاثة مواضيع صحفية صغيرة. تتمازج لغة أنيقة، مع حس ثاقب ليشعرانك كأن الطفل شارماركي، وشيخ الزيجات خارجان من أتون رواية لا مجرد «عابرين في تحقيق عابر».
الكتابة بلغة حية، وحدها قادرة على تفعيل لوامس القارئ الذهنية ومجساته، لا فقط ليتضامن، بل ليستعيد إحساسه الانساني، إزاء، حدث، قضية، وضع، علاقة، موقف.
لغتك، بإمكانها أن تجعلك جزءاً من الوضع القائم، حتى وإن صدرت من موقع مناهض له صورياً.
إذا لم تتجاوز اللغة الميتة التي ينتجها هذا الوضع، لن تذهب بعيداً… لن تفلت من شباكه.
اللغة السياسية والصحفية السائدة تقع في نطاق نظام ميت.
إبتكار لغة جديدة، إنفلات من هذه الشباك. لغة لا تحمل على كاهلها مهمة التبرير ، ولا تكسر سياقات الموت المعمم حباً في التمرينات الذهنية.
هي لغة واقعية، إنما بأفق اكتشاف إمكانيات الواقع لا قرطسته باعتباره الممكن الوحيد. تجاوزه لا تشطيره في الذهن كخط مستقيم. الصدور عن ذات مستقلة، واعية بإمكانياتها، وفرادتها، لا تعليبها باسم «القضية» و«النضال» ودواعي اصطفاف وطني لمواجهة السلطة.
وهو «إصطفاف» تتناسل مقتضياته الملحة دونما نهاية.. ودونما نتيجة ايضاً. لا معنى لأي «قضية عامة» على ضفتي الحكام ومعارضيهم مالم تنبني مشروعيتها على تقديس الفرد واستقلاليته، وحقه في الحياة، والاختيار، والحرية.
اللغة الجديدة الحية، هي إنفلاتنا الممكن الآن. عتبة تحررنا من شروط الواقع وكوابحه. هي الخطوط الأولى. من نافذتها تنفلت من شباك التبليد والقرطسة. وليس بواسطة حياة سياسية ما زالت تتخبط في شباك الموت.
خُلب اللغة الاسمنتية لا تقول شيئاً. كلام ساكت. هي بالأحرى تعلن موت المشروع المنتج لها، فرداً أو كياناً عاماً. عكسياً يمكن الاستدلال على اهتراء العقلية ومشروعيتها، من خلال تشوه اللغة الصادرة عنها.
لا تكتفي اللغة الاسمنتية بالصدور عن وضع لزج، بل وتأخذ على عاتقها مهمة نقل لزوجته إلى خلاياك الذهنية.