في الشأن الصومالي – د. علي عبدالكريم*

في الشأن الصومالي – د. علي عبدالكريم*

الصومال الشقيق إلى أين!؟
لم يعد هذا السؤال خاصاً بالصومال وحده، حيث لنا أن نقول: من شابه أخاه فما ظلم. حال الصومال هي من حال العراق وفلسطين ولبنان والسودان، والبقية تأتي. الميزة في الحالة الصومالية أن فعالياتها، بتعدد ارتباطاتها وانتماءاتها، عبَّرت بشكل مكشوف عن واقع مماثل تعيشه كثير من البلاد العربية بشكل مكبوت أو مُغطى إلى حين، إن لم تعِ الأنظمة العربية حقيقة ما آل إليه الوضع في الصومال وحقيقة أسبابه.
والميزة الثانية للشأن الصومالي أن الاشقاء هناك عجلوا بفتح الجراح ولكنهم افتقدوا إلى الجرَّاح.
إعادة إكتشاف الدولة
إن الحالة في الصومال الشقيق تؤكد الدعوة الحقيقية لإعادة اكتشاف الدولة، وهل هي شيء مجرد يُعامل بشكل مستقل عن المجتمع بتقسيماته الطبقية وطبيعة العلاقات الاجتماعية والتوازنات التي تحكم المصالح بعيداً عن تجسيد إرادة الناس ومصالحها عبر دولة يتوافق عليها الجميع؟ وهل الدولة، التي سادت فترة، أو تلك التي نبحث عنها لترتيب أوضاع شعب الصومال، هي تغيير سياسي حقيقي للقوى على الأرض لجملة تحالفات طبقية واجتماعية تحتكم إلى شرعية أخرى غير شرعية طرف أو أطراف، وتنحو باتجاه البحث عن آلية قانونية وتشريعية لصيانة حقوق أبناء الصومال بعيداً عن الانتماءات الضيقة؟ أم هل الدولة التي يتم البحث عنها من خلال كل المؤتمرات التي شهدتها الفعاليات الصومالية المختلفة، بدءاً من مؤتمر عرتا، ومروراً بمؤتمر جيبوتي، ومؤتمر نيروبي الذي استمر لأكثر من عامين بدعم دول «الإيجاد» وتواجد مخز للمجموعة العربية، وتمخض هذا المؤتمر، من خلال المفاوضات الماراثونية، عن التوصل إلى اتفاق المصالحة الوطنية الصومالية، تلك المصالحة التي حرصت على إبراز ثلاثة عناوين كأرضية مستقبلية يجري البناء عليها، وهي:
– الميثاق الانتقالي.
– شكل نظام الحكم.
– تركيبة البرلمان المقبل.
 وقد ثارت خلافات جوهرية بين الاطراف، تمثلت أبرز تلك الخلافات في النقاط التالية:
– مسألة الفصل بين الدين والدولة.
– وضع اللغة العربية كلغة أساسية.
– طريقة انتخابات البرلمان الانتقالي.
– عدم الاعتراف بالوضع الخاص لما يسمى بجمهورية أرض الصومال.
الصومال بين الحاكم والمحاكم
واضح حتى الآن أن المشكلة الصومالية، بعد أقلمتها وتدويلها، قد دخلت في منعرج جديد بالبروز المفاجئ من القوة والامتداد وطبيعة التسلح والمشروع الاسلامي الذي تمارسه المحاكم الاسلامية والتي باشرت عملية إسقاط للمواقع والمدن ومحاصرة قوات تواجد الحاكم «عبدالله يوسف» في منطقة بيداو.
المشروع الذي حمله الحاكم استند إلى دعم إقليمي وشبه دولي وعربي لم يتمثل على الأرض في برنامج ورؤية سياسية شاملة تنهض بأعباء إعادة تكوين الصومال الجديد. ظل عبدالله يوسف، وفق العلاقات المعقدة التي تربط أطراف ائتلافه وتحالفاته الاقليمية، أسيراً للمطامح والمطامع الاقليمية، في وقت تطرح المحاكم نفسها كمبشر منقذ للصومال، بمشروعها الاسلامي الذي آثار حفيظة الراعي الاساسي لصراعات الاطراف الصومالية والاقليمية (الولايات المتحدة) خوفاً من تمدد جديد للقوى الاسلامية بطابعها الطالباني، أو هكذا تم تصوير الامر.
 الحالة بين الحاكم والمحاكم تحمل بارود انفجار للشأن الصومالي إذا أصر كل طرف على تبني رؤيته بالمطلق. ولهذا كان الفشل المؤقت للقاءات الخرطوم ولدخول الجحافل الاقليمية المؤيدة لكل طرف: إثيوبيا، وإرتيريا. والغريب في الحالة الصومالية أن كل الفرقاء الاقليميين بوجهات نظر مختلفة فيما بينهم تنطلق من قراءة رؤية الراعي الأمريكي.
الساحة الصومالية ساخنة تعج بالمشكلات الجسام. أرضية الصراع خصبة، ومشكلات الفقر والتشرذم المناطقي والقبلي توفر خامة طيبة لتمددات مشروع المحاكم، مع وجود دعم خفي إقليمي ودولي؛ ومشروع الحاكم المدني، الغائبة رؤيته ترتكز أكثر ما ترتكز على قوة الدعم الخارجي من «الإيجاد»،. تلك نقطة ضعف. ومن هنا تعزف المحاكم على مقاومة الغزو وقوات الغزو، وتطرح البديل الوطني للدفاع عن وحدة الأرض الصومالية.
ولكن المشكلة أن القراءة أحادية الجانب التي تصر عليها المحاكم ستصل بالبلاد إلى حافة الحرب الأهلية، إذا أعادت تجربة طالبان في إدارة شؤون الصومال الفقير الممزق.
الصومال يعاني أربع مشكلات رئيسة تتطلب عوناً ودعماً صادقاً، كما تتطلب رؤية وطنية صومالية مشتركة لجميع الفرقاء الصوماليين، بتلاوينهم المختلفة، للمساهمة والمشاركة في إنجاز أربع قضايا رئيسة:
1 – إنجاز مشروع الدستور الانتقالي وشكل الحكم.
2 – التوافق على حل ونزع سلاح المليشيات والفصائل المسلحة.
3 – برنامج إعادة الاعمار للصومال المدمَّر.
4 – الاتفاق على العناصر الضامنة والكفيلة بتحقيق وحدة الارض الصومالية، وفقاً لمصالح الشعب العليا، بعيداً عن عناصر القوة والميل العاطفي الغريزي.
تلك آمال على طريق المصالحة وإنجاز المهمة التاريخية، لإخراج الصومال من نفق الاغتراب، الذي ولجه منذ عام 1990.

* الأمين العام المساعد السابق للجامعة العربية