شرماركي

شرماركي

– عدن  –  سامي غالب
أمضى شرماركي* قرابة الشهر في غرفة بالدور الثاني لمسكن بائس في حي البساتين، مربوطاً من عنقه إلى جسم صلب، بواسطة سلسلة حديدية، قبل أن تقرر والدته تسليمه إلى قسم الشرطة للتخلص من الصداع الذي يلازمها جراء فرط حيويته وتمرده على الأماكن المغلقة وكل ما له علاقة بالجدران.
دون سابق موعد اقتحمت «أيان» مكتب عبدالله فدعق (عاقل البلوك 7 في البساتين) حاملة أمامها على الطريقة الصومالية «نجمة» في قماط، وفي يدها سلسلة حديدية تنتهي بطوق يلتف حول عنق «كاره الجدران» المسحوب وراءها.

كان المشهد لا يُحتمل، وكانت نوبة الغضب ما تزال تسيطر على آيان (31 سنة). وتخفيفاً لحرج الحضور من الصوماليين والغريب الذي لم تتوقع وجوده، قبلت على مضض إخراج مفتاح من صدرها لفتح القفل الذي تنعقد به السلسلة الحديدية حول عنق شرماركي.
تناول المفتاح من والدته، وفتح القفل بمهارة خبير. انفرط الطوق الجهنمي من حول عنقه قبل ان يجمعه بين يديه في سلاسة تكشف عن حميمية علاقته بأداة التنكيل به، هو إبن العاشرة الذي كتب له ان ينتحب (حياة الصومالي في البساتين نحيب داخلي متصل) وحيداً في غرفة ملحقة بسطح بيت، إنتظاراً لعودة أمه من جولة يومية بحثاً عن خبز.
جلس شرماركي ساهماً على متكأ خلف كرسي فدعق، أي على بعد متر ونصف من الكرسي الذي أجلس عليه، سانداً ظهره إلى جدار آخر في انتظار نتائج مداولات يجريها الحضور مع والدة تتضور جوعاً، وليست على استعداد لتلقي موعظة في أصول التربية، وهمُّها الآن إرضاع «نجمة» الوافدة الجديدة إلى عالم البساتين الغارق في الفوضى.
إلى شرماركي ونجمة يظهر أبو بكر في وثائق وزارة الداخلية اليمنية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بوصفه الشقيق الأكبر. هذه جزئية هامشية جداً، لكن «النداء» ملزمة بالخوض فيها، إذ لا متن أصلاً في عالم جماعة بلا قطب يشدها، تناثرت عشوائياً، لا وجهة لها، ولا واجهة تنتظم خلفها.
تحمل أسرة شرماركي الحالة رقم 18945/4 بحسب وثائق مصلحة الجوازات والمفوضية، الصادرة في 29 مارس 2006. تحت هذا الرقم صدرت ثلاث بطاقات: الأولى للأم المولودة عام 1975 ودخلت اليمن عام 2000، والثانية للذي يحمل وثاقه بيديه، المولود في «جال كعيو» عام 1996، والثالثة للشقيق الأكبر أبوبكر، المولود في عدن عام 1993، فسبق أمه إلى عدن، وسبق شرماركي إلى الحياة، بحسب بيانات الداخلية والأمم المتحدة.
لم تحظ «نجمة» ببطاقة لنعرف عمرها الإسمي، لكن الأم التي انصرفت تماماً لإرضاعها معطية ظهرها لشرماركي، أبلغتنا بأنها أنجبتها قبل 15 يوماً.
بالنسبة لي كان شرماركي الزاهد الوحيد عن البوح بين اللاجئين الذين قابلتهم على مدى عشرة أيام، أمَّا الكلمة الوحيدة التي نطقها فهي إسمه: محمد، وقيل لي أن «محمد» اسم تدليعه، وتساءلت: متى كانت المرة الأخيرة التي سمع أحداً يناديه بهذا الاسم؟
عاد إلى عالمه مجدداً، ساهماً، زاهداً، سانداً ظهره إلى جدار، قابضاً بيده اليمنى سلسلة حديدية، ساكناً من فرط إذلاله.
على عكسه بدا أبوبكر، المولود في عدن قبل لجوء أمه إليها بسبع سنوات، الذي تظهر بطاقته المذيلة بتوقيع المسؤول الحكومي على اليمين، وتوقيع مسؤول المفوضية على اليسار، أن فئة دمه A+.
صاحب الدم الخفيف كان صاخباً أكثر مما يطيق حضورٌ مصعوقون. قوبل بالصد، الذي يريد لفت الانظار في مرحه وحركته الدؤوبة وأسئلته الفضولية التي كانت ستثير الإعجاب في مناسبة اجتماعية أخرى. كان لحظتها يعيش خارج عالم شرماركي، غير واع بالمصير الذي تنحدر إليه الحالة رقم 18942/4. ولم يكن أحد ليلومه فالشقيق الأكبر في الوثائق الوطنية والاممية المفتقرة إلى «قوة الاداء»، ليس سوى الإبن الثاني لـ«آيان» المولود قبل 4 سنوات فقط (أي بعد 9 سنوات من ولادته الرسمية) في موضع ما من بساتين ملآى بأفخاخ نصبت لعصافير ذوات أعشاش حديدية.
التزم شرماركي الحياد، سانداً ما يزال ظهره إلى جدار. كانت الفتحة اليمنى لأنفه دامية وما يشبه اللمعان يصدر من بقع شتى في جلد بلون القهوة، كانت تلك جروحه من علقة عنيفة تلقاها قبل دقائق.
قالت «ايان» إنها تضطر إلى ضربه إرضاء لأصحاب المكان الذين آووها، لأنهم يضيقون ذرعاً بمشاغبات ابنها.
«ليش يخرج عند الناس؟»، كان هذا سببها الثاني، فهي تخشى عليه من الاعتداء أو الاستغلال الجنسي. تدخَّل بعض المترددين على مكتب فدعق، مؤكدين أن «كاره الجدران» يذهب بعيداً إذ يغادر الغرفة، وغالباً ما يدخل في مشاجرات، ويتعرض للضرب المبرح من أطفال يكبرونه.
وإذ سُئلت إلى أين كانت تعتزم سوقه، أفادت: « إلى قسم الشرطة ليتحملوا مسؤوليته، أمَّا أنا فلا أضمن تصرفاتي معه». بجمل قصيرة كانت تجيب لكأنها قاصة محترفة، لكنما هي الحاجة التي تفرض عليها الاقتضاب طياً لصفحة التوضيحات، والتفرغ للمهمة التي تتصدر قائمة أولوياتها: البحث عن خبز.
شرماركي الساهم الوسيم، بمسحة الكبرياء على جبينه والتماع النبل في عينيه المرهقتين، كان يفقد السيطرة على نحيبه للمرة الأولى، فقد ارتسم خطان مرئيان من الدمع على خديه، وكان عليَّ أن ألوذ بعبد العزيز محمد، الشخص الذي نزل مظلياً في المكان لينتشلني من بئر الهوان الذي كنت فيه. وقال لي إنه هرع إلى المكتب بعدما بلغه ما جرى. أوضح بأنه يعمل لصالح المفوضية ومنظمة «أدرا».
مستعيراً نبرة شخص ذي سطوة ونفوذ، يخفف من روع صحفي غريب غر إرتاد بمحض إرادته البساتين، أكد أنه سينقل الحالة رقم 18942/4 إلى المعنيين في مكتب المفوضية و«أدرا» في خور مكسر. وزاد: «سنعمل على ضمان إدخاله المدرسة ومساعدة والدته على التفرغ لكسب رزقها».
كان إيقاع حركة أبو بكر قد انخفض قليلاً، كما أن فضوله انحسر بعدما التقط له زميلي عدة صور، بعضها رفقة شرماركي الكان ما يزال قابضاً على وثاقه الحديدي، واقفاً على قدميه، وظهره لا يستند إلى جدار، للمرة الأولى منذ دخوله.
* شرماركي هو الرئيس الثاني للصومال بعد الإستقلال، حكم الصومال للفترة 1965 – 1967، واغتيل على يد أحد حراسه في الإقليم الأوسط، ليسيطر الانقلابيون العسكريون بقيادة محمد سياد بري على حكم البلاد قرابة ربع قرن.
تمتع عبدالرشيد شرماركي بشعبية جارفة، وكرس خلال حكمه تقاليد ليبرالية. وما يزال كثيرون في الصومال يستبد بهم الحنين إلى عهده، ومنهم أسرة شرماركي الذي ولد بعد 30 عاماً من استشهاد الرئيس الأسبق.
 
* تفاصيل: ملف خاص عن اللاجئين