مأذون بعصا مارشالية يحارب النكاح الأسود

مأذون بعصا مارشالية يحارب النكاح الأسود

– عدن  –  سامي غالب
لدى عبدالله محمد طاهر ما يقلقه من تفشي السوق السوداء في حي البساتين، فالخدمتان اللتان يبيعهما مقابل 700 ريال و500 ريال صارتا مهددتين بسبب ما يصفه بـ«النكاح الأسود».
الشيخ عبدالله هو المأذون الشرعي للاجئين في البساتين (هكذا يُقدِّم نفسه) طبّق توافق الجمعية والقنصلية والعقال والعلماء و(إن شئتم أيضاً) المثقفين.
يضج الشيخ الستيني حيوية، كيف لا، وهو استاذ الاحصاءات الحيوية، والوحيد الذي بدا جاهزاً لتسهيل مهمة صحفي يبحث عن مؤشرات تكثف حال الجماعة الصومالية في عدن.
أبرم هذا العام نحو 2000 حالة طلاق، و200 حالة زواج. وإذا صحت حساباته فإن جماعة برمتها تتحلل جراء البطالة والفاقة والضغوط النفسية والاجتماعية، والنبذ والاستعلاء المرضي.

حسناً، لدى مأذون البساتين ما يعزِّز صدقية إحصاءاته السابقة. العام الماضي حرَّر 3551 مذكرة طلاق مقابل 431 عقد زواج.
لكن صناعته باتت مهددة. «عمري ما سمعت بنكاح أسود إلا في البساتين»، تذمر الشيخ من الدخلاء الذين لا يفقهون شيئاً في الدين ولا في الشريعة، ولا في أبجديات شغل المأذون الشرعي. إنه يضطر إلى معالجة خطايا هؤلاء الدخلاء، وتدارك فضائح وويلات قد يتسببون فيها، غالباً ما يلجأ إلى إبرام عقود جديدة شرعية، أو نقض أخرى لا تستوفي شروط الزواج السليم.
على أن هذا الممسوس بخطر السوق السوداء لديه ما يفاخر به: «كل أولئك الأولاد والبنات الذين شفتهم في المدرسة جاءوا إلى هذه الدنيا بعقود النكاح حقي». كان عليَّ أن أساير شيخنا الضاج الذي يجلس أمامي ويده قابضة على رأس عصاه، كمارشال حقق لتوه اختراقاً كبيراً في جبهة الأعداء. الأطفال الذين لجأوا إلى اليمن قبل 15 سنة -يستطرد المارشال- كبروا وتزوجوا وصاروا آباء وأمهات يرسلون أطفالهم إلى مدرسة البساتين.
بوسع خبير في برنامج السكان التابع للأمم المتحدة أن يتأفف من نشاط «المأذون المتباهي»، فمعدل الخصوبة لدى اللاجئين الصوماليين قد يكون الأعلى في العالم. سوء التغذية منتشر بين الأطفال والامهات، والبطالة متفشية، ومخصصات المفوضية السامية لا تكفي.
طبق مؤشرات الشيخ عبدالله، وليس لديّ أي تحفظ بشأنها إذ أن مشاهداتي ترجح صحتها، فإن ما حققه من إنجازات في السنوات العشر الأولى يكاد يتبخر في ظرف عامين.
لكن ما ذنبه هو الذي كرس وقته وجهده لتيسير وصال أبناء جلدته؟ ماذا بوسعه أن يفعل هو «التعبان من السهر إلى بعد نص الليل» في مكتبه لعمل كل ما ينبغي للتوفيق بين أزواج متخاصمين، أو تفريقهم بإحسان؟ ما الذي اقترفه هو الذي تأتيه يومياً نساء هجرهن أزواجهن يطلبن وثائق طلاق، تكون برهاناً على أنهن وحيدات إذا قُدِّر لهن يوماً أن يلتقين بعثة أجنبية أو دولية تنظر في طلبات هجرة من اليمن؟
ألا يكفيه الأذى الذي يلحقه مأذونو السوق السوداء، وهم نحو «ستة نفر» يقبلون لإبرام عقود نصف المبلغ الذي يطلبه.
ثم إن لديه ما يؤكد سلامة نواياه وإخلاص دوافعه، فأغلب الزيجات التي أبرمها هي لشباب وشابات في الفئة العمرية (20 – 30 سنة)، وأن البنات دون 18 سنة اللواتي زوجهن لا تتجاوز نسبتهن 20٪. وأن كثيرات ممن زوجهن هن من الأرامل والمطلقات.
وبالنسبة لمأذون يقاسم أهل البساتين عذاباتهم ومحنهم وأحلامهم الصغيرة فإن الإنجاز الأعظم الذي تبرق عيناه كلما استدعاه هو أن 3٪ من الزيجات التي عقدها في ال11 شهراً المنصرمة من العام الجاري أطرافها رجال ونساء وحيدون في عقدهم السادس أو السابع.
الطلاق هو الوجه الآخر للجوع وسوء التغذية في المسماة: البساتين. من الملاحظة الشخصية ومن خلال عشرات الجلسات واللقاءات في خرز والبساتين ومستشفى الصداقة وأدرا والمنظمة السويدية ومكتب العاقل محمد ديريه رئيس لجنة اللاجئين في المخيم، وعبدالله فدعق عاقل البلوك 7، وآخرين من الضحايا والمنكوبين الذين قابلتهم، تبين لي الوجه المرعب للكارثة الصومالية، حيث المرأة تتحمل الأهوال لإطعام أطفال غاب آباؤهم في الزحام أو هجروا البلاد أو قضوا في حادث طريق أو غرقاً، أو قتلوا في معارك في الصومال.
تتحمل المرأة ضريبة فادحة، حتى أن الجماعة الصومالية في عدن تكاد تأخذ نمط المجتمع الأمومي، حيث ما تبقى من سلطة تمارس داخل الأُسر محتكر من قبل الأم، ويندر أن تجد آباء في البساتين. تدفع المرأة ضريبة عدة زيجات فاشلة، وليس أمراً استثنائياً أن تصادف امرأة ترعى خمسة أو ستة أبناء من زوجين أو ثلاثة متعاقبين، قاموا بعملية التخصيب ثم تواروا خلف الإحباطات والخيبات المتوالدة من انتظارات مستدامة.
غير أن مئات من حالات الطلاق نجمت عن صراعات زوجية عنيفة. «أنا مرهق بسبب السهر، النساء يأتين إلى مكتبي ليشكين الأزواج لعدم النفقة، والأزواج يضيقون من شكاوى زوجاتهم»، قال الشيخ عبدالله محمد طاهر متأسياً على حال أبناء جلدته، مؤكداً أن مكتبه يظل مفتوحاً حتى ساعة متأخرة من كل ليلة، مخنوقاً بالأزواج المتخاصمين، والنساء المهجورات الباحثات عن وثائق طلاق من رجال منسيين. قبل أن يكشف بعداً جديداً في علاقته المتأزمة بالمنظمة الدولية أخطر من الخلاف الثقافي بشأن الزواج المبكر ومعدلات الخصوبة.
«الأمم المتحدة لم تساعدني مطلقاً»، شكا الشيخ المتحسر على حقبة ربيعه في البساتين، وقت كان يحظى بدعم القنصلية وثقة العلماء واعتراف الأهالي به كممثل شرعي وحيد لشؤونهم الزوجية. أمَّا الآن -يشخِّص عبدالله الحال- فقد اتسعت السوق السوداء، وانتشر الفساد في البساتين. أمضينا سنواتنا الخمس الأولى هنا -يواصل الشيخ مستعيراً لغة باحث اجتماعي- دون أن يظهر سارق واحد، وبعد ذلك بدأت المظاهر السلبية كالسرقة والتسول والفحش.
التردي القيمي في الجماعة المنفية استزاد من استعلاء المحيط، خصوصاً وأن المنطقة مطوقة بحزام عسكري، وعابربن من شتيت مناطق لا يتوانون في ارتكاب المحرمات واستغلال النساء الوحيدات الواهنات المذعورات. «فساد قوي جداً»، غصَّ الشيخ عبدالله طاهر، ملخصاً المشهد البساتيني من الداخل.
عبَرَ عبدالله، ابن قبيلة داروت اسماعيل، البحر إلى عدن ضمن الأفواج الأولى في أبريل 1991، قادماً من بوصاصو شرق الصومال. وبعد سنوات أنيطت به وظيفة المأذون الشرعي، لكن علاقته ببعض الأطراف المؤثرة توترت قليلاً في السنوات الأخيرة. فهو حبس 10 مرات على الأقل في السنوات الخمس الأخيرة بسبب ابرامه عقوداً بين يمنيين وصوماليات، كما أبلغني المقدم شوقي محمد علي، مسؤول التحريات في قسم شرطة البساتين، مخالفاً بذلك القوانين اليمنية، وقد أحيل مرات إلى المحكمة، وصدرت بحقه أحكام مخففة.
وتحت ضغط المنافسين الدخلاء ورواج السوق السوداء يُرجح أن الشيخ عبدالله تخفَّف بعض الشيء من قواعد عمله الصارمة، واتخذ منفرداً اجراءات ميسرة لطالبي الزواج، ما أفقده ثقة القنصلية الصومالية في عدن. وقد سمعت انتقادات لأدائه من القنصل أحمد آدم، الذي لم يُخف خيبة أمله من المأذون الشرعبي الذي وضعت القنصلية ثقتها به لكنه تورط في بعض التجاوزات،.
على أية حال ما يزال الشخص الذي يمكن طرق مكتبه (الذي لا يعدو أن يكون غرفة في منزله تضم كرسياً واحداً ولافتة على جدار تعلن للقادمين أنهم الآن في مكتبه، لا منزله!)، وقد سمعت من القنصل تشخيصاً عن الأوضاع الاجتماعية في البساتين يكاد يتطابق وتشخيص المأذون الذي خيب توقعاته. وطبقاً لآدم فإن البساتين تشهد حالة فوضى في العلاقات الأسرية، وفي تنظيم الزواج والطلاق، عازياً ذلك إلى نمط اللاجئين الذين وفدوا على اليمن في السنوات الست الأخيرة. هؤلاء في الغالب أميون ومن فئات اجتماعية دنيا قدموا من جنوب الصومال لأسباب تتصل بالفقر والتحلل الاجتماعي جراء سنوات الحرب، خلاف اللاجئين الأوائل الذين فروا من العاصمة مقديشو ومن الشرق لأسباب سياسية، وخوفاً من الانتقام السياسي والثارات القبلية.
الفوضى لا تصدق في تنظيم العلاقات بين الجنسين، وقد سمعت قصصاً مأساوية من مختلف الجهات المتصلة بحياة اللاجئين، منها قصص أزواج اختفوا في مهب عواصف الحرب في بلادهم، والفاقة في موطن لجوئهم، ثم عادوا إلى زوجات سئمن الانتظار فقررن الارتباط بغيرهم. وفي البساتين يلجأ الأهالي إلى الزواج التقليدي لأسباب قبلية (إذ أن نسبة كبيرة منهم ينتظمون طبق معايير قبلية فيسكنون معاً، ويتجاورون ويتزاوجون)، وهم في الشتات، وخارج الدولتين الصومالية واليمنية، لا يجدون مانعاً من تنظيم علاقاتهم الأسرية ذاتياً. استطراداً، فإنهم إذ يتفادون خدمات الشيخ عبدالله يوفرون نصف قيمة الأتعاب التي يطلبها. وعلاوة على ذلك فإن اعتبارات اجتماعية تدفع إلى سلق زيجات ستراً لشبانهم من لذعات ألسنة الجيران.
في أوقات سابقة كانت القنصلية المطمئنة إلى عمل المأذون الشرعي تصادق فوراً على عقود الزواج التي يبرمها، أما الآن حيث الشك والهواجس المتزايدة تطمر العيون والأفئدة، فلم تعد تملك إلا التسليم بالعجز حيال حالة الفلتان الراهنة.
«قدمنا مقترحات إلى المفوضية بشأن تنظيم عقود الزواج، والخروج من هذه الفوضى، لكنها لم تتجاوب» قال مغصوصاً أحمد آدم القنصل الذي التقاني في مقر الجالية الصومالية في المعلا، لأنه لا يجد في مكتبه الملحق بمنزله موضعاً لاستقبال صحفي، إذ أن المنزل والمكتب يغص بلاجئين بلا موائل.
إلى توصيف الظواهر الاجتماعية الطارئة في البساتين، يتفق المأذون الذي يصف نفسه بالشرعي، والقنصل المستاء منه، في تقييم تفاعل المفوضية السامية للاجئين، لكن المأذون إذ ينقد المفوضية التابعة للأمم المتحدة لا يذكرها بإسمها ولكن باسم المنظمة المتبوعة.
يُحمِّل الشيخ عبدالله طاهر، وقد تخلى الآن عن تباهيه، الأمم المتحدة مسؤولية الفوضى في البساتين، وبالتالي المتاعب التي يتعرض لها من الجهات الأمنية والقضائية في عدن.
«دخلت السجن 7 مرات لأنني لا أحمل وثيقة (عمل كمأذون) من الأمم المتحدة»، تبَّرمَ عبدالله. «الحكومة اليمنية تشترط حصولي على هذه الوثيقة لكي تمنحني صفة مأذون شرعي»، أوضح قبل أن ينفخ: «هذه مسألة متعبة كثيراً». وعلى الأرجح فإنه استدعى جميع أزماته مع المجتمع الدولي الذي يحاصره، لكأنه أحد أضلاع محور الشر. كان يشحذ ذاكرته لاستحضار اسم منظمة أخرى تساعد اللاجئين، لكنه هو الغارق في وجوه الصوماليين وأسمائهم، فشل.
«ورية!»، نادى أحدالمنتظرين في غرفة مجاورة ليسأله عن إسم المنظمة السويدية.
«رادا بارنن ما يساعدوني، ما يعطوني أي حاجة»، ختم أقواله الشيخ عبدالله محمد طاهر الجالس على كرسي أمامي واضعاً يده اليمنى على مقبض عصا المارشالية، بعبارة سمعتها عشرات المرات في خرز والبساتين، فخمنت أنه أراد تذكيري بعد جولتي الطويلة معه بأنه مجرد لاجئ من شرق الصومال يحيا مع طفلين، يحتاجان إلى رعاية المنظمة السويدية لرعاية الاطفال، أسوة بكل أولئك الأطفال الذين جاءوا إلى عالم البساتين بفضل عقود «النكاح الأبيض» التي أبرمها.
 
* تفاصيل: ملف خاص اللاجئين