لم تنتهِ رحلتهم بعد

لم تنتهِ رحلتهم بعد

قبل ساعات فقط إبتلع سمك القرش على خليج عدن، (58) صومالياً كانوا في طريقهم
إلى اليمن.. هل تكون النتيجة إبتسامة عريضة للمفوضية السامية؟

– جلال الشرعبي
قصة اللاجئين الصوماليين بدأت قبل اكثر من عقدين والبقية تأتي.
إذ ليست البداية إنهيار نظام محمد سياد بري في ال26 من يناير العام 1991.. إذ سبق هذا التاريخ حرب داخلية كان من نتائجها أفواج من اللاجئين الذين فروا من النظام العسكري «لبري» كان معظمهم يحملون مؤهلات علمية ومواقع قيادية في نظامه، وقد استخدم هؤلاء اليمن كمحطة ترانزيت نحو الخليج وكندا واستراليا وأوروبا عموماً.
كانت نهاية سبعينيات القرن على موعد مع حروب بري ضد أثيوبيا، حيث لم تفلح حروبه الثلاث سوى في ازدياد معاناة الصوماليين عبر البحر بحثاً عن الحياة.
وفي الثمانينيات أعلن محمد سياد بري الحرب ضد شمال الصومال وقد جمع عتاده العسكري لتدمير مدينة (هرجيسا) ليقتل الآلاف من الصوماليين ويشرد آخرين هرعوا مذعورين طمعاً في النجاة.
بعد إنهيار نظام محمد سياد بري تحولت مواسم هجرة الصوماليين بعشرات الآلاف دفعة واحدة، في طريق بحري غير آمن خسر المئات منهم روحه ولقي البعض الآخر حتفه على يد قراصنة أحسوا لحظة نشوة أن جسده يبدو ثقيلاً على قارب خشبي مهترىء.
وكان من نتائج انهيار الدولة الصومالية ظهور خارطة جغرافية جديدة وقادة عسكريين جدد أيضاً.
في الشمال لم تكد «صومالي لاند» تضمد جراحها من نيران «بري» حتى أعلنت الإنفصال عن الجنوب وحتى الآن (16) عاماً دون اعتراف. لكن آثار الحرب ما زالت باقية، واللاجئين الذين نزحوا من هناك ما زال العديد منهم دون قدرة على إرادة العودة نحو «بربرة» التي خرجوا منها مذعورين.
وفي الوسط كانت الفيدرالية خياراً لإقليم بونت لاند، لكن ميناء «بصاصو» الذي كان الشريان الاقتصادي لهذا الإقليم تحول إلى بوابة عبور للاجئين بالآلاف هرباً من الحرب الأهلية وتقسيمات الجغرافيا الجديدة على الأرض.
أما العاصمة مقديشو فقد كانت مكاناً لاسترخاء امراء الحرب طوال عقد ونصف من الزمن يتقاسمون أرباح مطاراتها وموانيها وينصبون نقاط التفتيش عند كل كيلومتر. وكانت النتيجة أن أكثر من أربعة ملايين صومالي يغادرون بلادهم هرباً من الحرب الأهلية.
كانت منافذ خروج اللاجئين من الصومال متعددة. غير أن أبرز هذه المنافذ كان ميناء «بصاصو» ثم ميناء «بربرة». آخرون قدموا إلى اليمن أثناء إشتداد الحرب الأهلية في الداخل عبر ميناء «كسمايو»، حيث كانت رحلتهم تستغرق ما يزيد على سبعة عشر يوماً، وقد لقي العديد منهم حتفه.
لم تكن القبيلة التي تُعد دين الصوماليين غائبة، كسبب دافع للجوء إذ أن ثارات كثيرة خلفها امراء الحرب كان من نتائجها تدافع المئات من ابناء القبائل خارج الصومال.
على أن الصومال الذي تتركز اركانه الاجتماعية على أربعة أعمدة قبلية: «الدارود»، «الدر»، «رحنوين»، الهوية وأقليات أخرى تشكل 12٪.. لا يمكن احتواء المصالح فيه أو تقاسمها بالتراضي كما يبدو بطريقة يسيرة إذ يخرج من بطون أعمدتها الأربعة أسياخ حديد متمترسة عند كل باب ونافذة.
وقد كان اللجوء قد بدأ من قبيلة «الدارود» التي خرج من رحمها الجنرال محمد سياد بري والرئيس الحالي عبدالله يوسف وهو الآن مستمر من نفس القبيلة. وما بين إنهيار الدولة حتى الآن كان نصيب القبائل الأخرى خصوصاً «الهوية» كبيراً أيضاً إذ خرج الكثير من أبنائها بسبب ظلم نظام سياد بريه ثم بسبب سيطرة أمراء الحرب وهي الآن تعد القبيلة التي ينتمي إليها «إتحاد المحاكم الإسلامية»..
كذلك فإن القبيلتين الاخريتين (رحنوين) و(الدر) لم تكونا بعيدتين كثيراً عن هذا المشهد وكانتا تتقاسمان نفس المصير.
ويتفق المسؤولون في الصومال على أن إيقاف عمليات التدفق للاجئين أمر غير ممكن. وقد كان تصريح الوزير علي عبدي اواري وزير الإدارة المحلية وتنمية المحافظات للصحيفة، في عدد سابق، دال على ذلك: «ليس لدينا لا الامكانات ولا المعدات اللازمة لإيقاف هذا الأمر، إن الحرب لم تعد تقدم من خيار آخر لهذا الشعب».
ومنذ إنهيار النظام أعلنت اليمن إستعدادها لإستقبال اللاجئين الصوماليين إلتزاماً بالإتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية جنيف. غير أن هذا الاستعداد ظهر ناقصاً ولم يبارح مكان سواحل مفتوحة وبعض مخيمات متواضعة.
وتزايدت في الأيام الماضية موجة النزوح للاجئين الصوماليين. وما بين يوم وآخر تتسابق الأخبار عن غرق العشرات والمئات من اللاجئين الصوماليين لدى موقع المفوضية السامية التي ترى في هذا مكسباً للحصول على مزيد من الدعم الدولي.
وقد اسفرت الفيضانات في مدينة «بلدوين» شمال غرب مقديشو قبل أيام في نزوح أكثر من مائة ألف صومالي. كذلك فإن نزوح الصوماليين مستمر من العاصمة، حيث يسيطر اتحاد المحاكم الاسلامية الذين يقومون بتقديم المساعدات لمؤيديهم.
ويضطر الكثير من الصوماليين في الداخل قبل العزم على رحلة اللجوء نحو اليمن إلى ارتكاب جريمة أو سرقة حتى يتمكن من الحصول على (40) دولاراً امريكياً مقابل نقله في قارب قديم الكثير منهم ينقلب في البحر ويكون لقمة سائغة لأسماك القرش. لتصبح تجارة نقل الصوماليين مربحة لقراصنة عديدين لم يجدوا تعباً وقت الحاجة إذا ما أضطروا للتخلص من أحدهم وسط البحر.
وفي قارب لا يتسع لأكثر من (50) شخصاً يكون اكثر من (120) لاجئاً صومالياً يشقون عباب البحر في توجس وخيفة ويجلسون دون حركة وتتراكم مخلفاتهم على ثيابهم وأجسادهم. فيما يكون المهربون يمسكون بسيخ حديدي مدبب الرأس جاهزين للإستغناء عمن في المركب وقت الحاجة. بل إن بعضهم يتعرض للضرب المبرح حتى يفقد وعيه ثم بعدها يلقى في البحر غير مأسوف عليه.
ويواجه اللاجئون الصوماليون العديد من المشاكل لعل أبرزها أنه غير مسموح لهم الإلتحاق بالتعليم الفني والمهني كما لا يوجد تعليم جامعي للاجئين ولا برامج لمحو الأمية للكبار. كذلك فإنهم لا يستطيعون التنقل بحرية بين المدن مما يجعلهم يلجؤن للتهريب.
وفي الجانب الصحي يعيشون ظروفاً صحية مزرية وهناك العديد من الحالات التي يتطلب نقلها للعلاج في الخارج وما زالت في اليمن تنتظر الموت كما حدث لكثيرين.
وفي مجال العمل لا تتوفر فرص عمل للاجئين سوى ممارسة بعض الأعمال مثل غسيل السيارات وخياطة الأحذية كما يعمل الكثير من النساء كخادمات في المنازل وأخريات متسولات مما يعرضهن للتحرشات الجنسية والإغتصاب أحياناً.
علاوة على ذلك فإن الحكومة اليمنية لم تحدد حتى الآن أي معايير ليتم تحديد حالات اللاجئين وفقاً لها وذلك لعدم صدور قانون خاص باللاجئين.
ويواجه العديد من اللاجئين عقوبات واحتجازات في السجون لشهور وبعضهم لسنوات في قضايا بعضها عادية ولا يتم تنصيب محامين لمتابعة قضاياهم.
كذلك فإن وزارة حقوق الإنسان لم تنشئ حتى الآن ضمن هيكلها إدارة للاجئين، الأمر الذي اعتبره الكثيرون انتهاكاً لحقوق الانسان.
وتبقى المشكلة الكبرى أمام اللاجئين الصوماليين وقوعهم بين إضطهاد المفوضية السامية التي ظل مسؤولوها يجلسون على مكاتب فارهة ويتطلعون من النافذة العليا على لاجئين يقفون تحت حرارة الشمس، عند عتبات المفوضية لسنوات طوال دون أن يحصلوا حتى على أدنى حقوقهم.. لتبقى المساعدات الدولية المخصصة بنوداً في جداول نقاشات لمشاكل اللاجئين في فنادق خمسة نجوم في بعض الأحيان وسبباً لفساد أبطاله المسؤولون في المفوضية أحايين أخرى..
كذلك فإن الحكومة اليمنية التي تتلقى هي أيضاً الدعم والمساعدة لإستضافة هؤلاء اللاجئين غابت عن المشهد الميداني واكتفت بأخذ المساعدات دون تقديم الخدمات.
 وما بين مفوضية قابضة على خمسة ملايين ومائتي ألف دولار هنا وحكومة تفتح خزانتها لمساعدات دولية تبقى أحوال اللاجئين الصوماليين في تدهور مستمر.
 
* تفاصيل: ملف خاص عن اللاجئين