إمرأة ذبابة! – إلهام مانع

إمرأة ذبابة! – إلهام مانع

الأسود، لون الحياة. لون امرأة بلا حياة. لون مفروض. مفروض عليها، كالأجل.
دعوني أقص عليكم حكاية، حكاية جرت وقائعها في اليمن قبل نحو شهر ونصف. أقصها عليكم لدلالتها. علنا نشعر. علنا نتحرك.
حدث ذلك في مساء رمضاني. عدت إلى صنعاء من زيارة بحثية إلى عدن. كنت وحدي، واختصارا للوقت أستقليت طائرة، وبعد الوصول بحثت في المطار عمداً عن تاكسي “راحة”. خدمته راحة فعلية، خاصة إذا كنت امرأة تحتاج إلى التنقل العمل في أمان و دون إزعاج. وجدت سيارة تابعة للشركة، فأعطيت السائق العنوان. شاب لا يزيد عمره عن 19 عاماً. شاب يمني اضطر إلى ترك مسقط رأسه، السعودية، لأنه لم يتحمل إهانة رجل شرطة له، رد عليه، وحمل رده على ظهره مع قرار ترحيله. أوصلني إلى باب بيت أبي. وهناك سألته أن يقدم لي إيصالاً بالمبلغ الذي دفعته. كان هذا ضرورياً بالنسبة لي. ربما لأننا تحدثنا طوال الطريق، ربما لأنه شعر أني أفهم أحاسيس غربته، بعيداً عن وطن أحبه، وغريباً في وطن يحبه. أو ربما لأنه ببساطة إنسان مخلص في عمله، وجدته يفتح باب السيارة وهو يقول: لا يوجد لدي إيصال هنا، لكن انتظريني سأجلب لك إيصالاً من سيارة أخرى. وقفز من السيارة، ترك الباب مفتوحاً، والسيارة بمفاتيحها، وجرى إلى الشارع الرئيسي، شارع الزبيري.
شارعنا مسدود بحجرين إسمنتيين ضخمين، وأهل حارتنا طيبون، لذا لم يكن هناك داع للقلق، لكني لم أرغب في ترك سيارته مفتوحة هكذا والدخول إلى بيتنا. كان خيِّراً، والخيرون يضربون بالُصرم هذه الأيام. قررت لذلك أن أفعل شيئاً غريباً على عاداتنا اليمنية، وأظنها أيضاً عادات شبه الجزيرة العربية. قررت أن أقف أمام الباب. أقف أمامه أنتظر. وقفت أمام الباب.
وقفت كما أنا. شعري ملفوف إلى الخلف، قميصي طويل الأكمام، وجونلتي طويلة. لكن وجهي سافر، وشعري حاسر. وقميصي أزرق سماوي فاتح، مبتهج كالسماء.
وقفت أنتظر، غير خجلة. لا أواري جسدي، لا أداري وجهي. أقف وأنا واثقة من نفسي. هذه أنا. أنتظر شاباً يريد أن يسدي لي معروفاً. ثم اصطدمت عيناي فجأة بشيخٍ، ليس شيخاً جليلاً، تنحني له ولعمره تقديراً وإحتراماً. بل شيخ عابس. عابس. عابس. يحدق فيَّ وهو غاضب. شيخ عابس، ينظر إليَّ وهو غاضب، ومعه إمرأتان مشرشفتان، ترتديان الأسود من أعلى رأسيهما إلى أخمص قدميهما، لا يتبدى منهما سوى العينين. تلحقان به وهما تهرولان. يمشي أمامهما وهما تسابقان الأسود وراءه. وسمعته يغمغم بألفاظ لا أفقهها، لكني عرفت معناها. كان يرفع يديه مشيراً إليَّ، وحروف تتساقط على الأرض من شفتيه، لتجتمع في كلمات متقطعة “هذه المرة (المرأة)… وقحة.. شوفين (إنظر) كيف تقف…”. يقول ذلك وهو يزمجر وينهر المرأتين، يهشهما كما يهش المرء الذباب، ثم يشير لهما بيده بقوة أن أمشيا بسرعة، يقول ذلك وهو يحدق فيهما، عيناه تنفثان ناراً، كأنهما تسببتا في وقوفي أمام الباب، كأنهما نزعتا عن شعري الحجاب، وأزاحا عن صفحة وجهي النقاب، وزرعتا في نفسي الثقة، أن لا أوراي جسدي، ولا أداري وجهي، وأقف كما أنا واثقة من نفسي. ملعونتان لأنهما تنتميان إلى الصنف النسوي،مثلي،امرأة. لكني امرأة لا تخجل من جسدها. هل كان أباهما؟ جدهما؟ أم زوج إحداهما؟ فالقانون في اليمن يتيح لإبن الستين الزواج ببنت التاسعة، هل تعرفون هذا المصاب؟ لكن هذه قصة سأعود إليها بالتفصيل لاحقاً في المقال القادم. كما أن القانون يتيح لهذا الرجل أن يهش ابنته أو زوجته كما يهش المرء الذباب. امرأة ذبابة! بلا إرادة! يقول لها: إمشي، فتمشي. يقول لها تحركي، فتتحرك. ثم يقول لها قفي، فتقف. هو لسانها، هو عقلها، هو إرادتها. شاءت أم أبت. امرأة ذبابة! متشحة بالسواد. يهشها رجلها كما تهش الدابة الذباب. يهشها رجلها هكذا أمام الملأ، بلا احترام، بلا تقدير، ذبابة، بالنسبة له، هي ذبابة، لا قيمة لها، وهي تسمع وتطيع، تصغي وتطأطئ، تجري وتلهث،فهل لها من مغيث؟ لم أعبأ له. تجاهلته، فقد أعتدت على العداوة من غيره، فما الجديد معه إذن؟ لكني حدقت فيهما، في المرأتين. بحثت عن عينيهما. إحداهما نفرت مني. أما الأخرى فلا. فوجئت بها تنظر إلي هي الأخرى. تركتها تتفحصني. تحدق في كياني الواقف أمامها. ونظرت إليها بعينين مبتسمتين،ثم سمعت نفسي وهي تمر وصاحبتها معها بجانبي، سمعت نفسي أحييهما بتحية اليمن “السلام عليكما”.خرجت الكلمتان من فمي. هكذا. دون أن أدري. والغريب أني قلت العبارة وأنا متوجلة.. خائفة. أدركت وأنا أوطن نفسي على تقبل تجاهلها للتحية، أنها إن فعلت ستؤلمني.. كثيراً. أن يلعنني هو، فهذا مفهوم، أما هي فلا. أشحت بوجهي، وأنا أقول لنفسي “لا عليكِ”. لولا أنها ردت. ردت. سمعتها ترد علي، هامسة، مستحية، كأنها متوجسة، وهي تقول “وعليكِ السلام”. أدرت وجهي إليها، نظرت إليها، ووجدت عينيها مبتسمتين. واتسعت ابتسامتي وأنا أتابع شبحها وهو يختفي وراء شيخها العابس الغاضب.. الدابة.
كانت سرنا. تحية سلام، تواطأنا بها على السلام، بيننا. تمتمت وأنا أنتبه لسائق السيارة المخلص يعود جاريا وفي يده الإيصال “وعليك يا أخت السلام، أفضل السلام”. كانت امرأة. متشحة بالسواد. لكنها ليست ذبابة.
[email protected]