محمد الغباري يكتب عن مناهج الجهل

محمد الغباري يكتب عن مناهج الجهل

ثمانية إلى عشرة كتب ونحو عشرين دفتراً يتوجب على كل طالب في مرحلة التعليم الأساسي (من الأول حتى السادس) أن يحملها يومياً إلى مدرسته، كما أن عليه أن يحفظ، وعلى استاذه أن يلقنه، عشرات الدروس والمواضيع في مواد التربية الاسلامية والقرآن الكريم والحديث واللغة العربية والمواد الاجتماعية بتفرعاتها قبل أن يصل إلى بقية المواد.
الطالب مجبر على أن يفتح عينيه، لا عقله، في وجه معلم ملزم بإنجاز خطة دراسية مرسلة من وزارة التربية، لكن لا أحد سيسأل الأول، هل فهم شيئاً؟ ولا يعني الثاني إن هو أوصل المعلومة إلى طلبته أم لا!
من أعدوا الكتب الدراسية لا يبدو أنهم استندوا على نظرية معرفية في إعداد المناهج وإلا لما أقدموا على وضع جزئين للغة العربية، وفصل مادة الدين إلى مادتين، إحداها قرآن والأخرى تربية إسلامة، وفي كل كتاب ما يحتاج إلى ثلاثة اشهر لفهمه واستيعابه لوحده قبل الدخول في عوالم بقية المواد.
هذا الاسبوع نائب وزير التربية والتعليم قال إن عدداً كبيراً ممن ينتقدون المناهج الدراسية ينتقدونها عن جهل وعدم معرفة. واذا ماسلمنا بهذا الحكم القاطع فإننا نسأل: لماذا ينتج التعليم في البلدان الأخرى أجيالاً مدركة قادرة ومستوعبة؟ ولماذا تردى مستوى التحصيل العلمي لدينا إلى هذا الحد؟ لماذا يمتلئ العالم بالمخترعين والمبتكرين في حين تمتلئ شوارعنا ومقاهينا بحملة شهادات عليا لا حاجة لتخصصاتهم؟ هل المشكلة في المنهج أم في المعلم أم في الإدارة التعليمية؟!
من حقنا ان نعرف: هل المختصون لدينا أكثر معرفة ودراية من علماء التربية في الدول المتقدمة، الذين يبنون قواعد التعليم على أساس الفهم والادراك، لا الحفظ والتلقين؟ وهل تتحقق اهداف العملية التعليمية بالكم الهائل من الدروس والمواضيع والآيات والأحاديث والنصوص؟
باستثناء الدوام اليومي في مكاتبهم لا يفعل وزير التربية أو كلاؤه، ولا مدراء عموم مكاتب الوزارة في المحافظات ما يدل على ان التحصيل العلمي هو اختصاص اصيل لهذه الوزارة. والتوقيع على الأوراق والمعاملات وتتبع الولاء السياسي لهذا المعلم أو ذاك الوكيل أو الموظف هي أهم انجازات القيادات في وزارة التربية!
لم يعد أحد منا يسمع ان وزير التربية قد فاجأ مدرسة بزيارة صباحية ليشهد طابور الصباح، أو أن نائبه قام بزيارة مسائية ليطلع على أحوال طلاب الفترة المسائية وكذلك الحال مع الوكلاء والوكلاء المساعدين ومدراء العموم ومساعديهم.
هل يعرف وزير التربية أن الاذاعات المدرسية أُلغيت من طابور الصباح واستعيض عنها ببث من اذاعة صنعاء، وأن النشيد الوطني لم يعد يُردد الا في النادر، وأن حصة الموسيقى والرياضة غير مضمنة في جداول الحصص، وأن الانتماء للحزب الحاكم أصبح ضمانة كافية لعدم تقييم أداء الإدارات المدرسية؟!
وايضاً: هل يعلم وزير التربية، والطابور الطويل من مرؤوسيه، أن من مسؤولياتهم متابعة أداء مدارس التعليم الأهلي: مؤهلات المعلمين فيها، تخصصاتهم، انضباطهم والتحصيل العلمي في تلك المدارس، التي اصبحت كنتونات لا يعرف احد ما يقدم فيها أو الجهة المسؤولة عن ضبطها، وما حقيقة النجاح والمعدلات التي تمنح للطلاب، على قاعدة أنه زبون جيد لا طالب مجد؟!
في آخر الاحصائيات اشيرَ إلى أن ما يقارب نصف من هم في سن الالتحاق بالتعليم لا يستطيعون فعل ذلك، وان نسبة التسرب من مراحل التعليم المختلفة قد تجاوزت نصف الملتحقين في الصف الأول، اما نسبة التحصيل العلمي فلا يستطيع احد أن يفيدنا فيها وكذلك قدرة المعلمين.
فاجعة نتائج امتحانات الشهادة الثانوية العامة، للعام الماضي، وما في مستواها جسدت الواقع السيئ للتعليم حيث كانت نسبة النجاح، قبل اعلان النتيجة بصورة نهائية، قد تجاوزت التسعين في المائة وفق ما ذكر لي أحد المسؤولين. وكما شكا كثيرون فإن اتساع نطاق الغش في مراكز الاختبارات قد جعل المهملين والمدعومين في طليعة الحاصلين على أعلى الدرجات، في حين أن من عُرف عنهم الجد والمثابرة قد حلّوا في مراتب متأخرة!
[email protected]