إلهام مانع لـ«النداء»: (1-2) مستقبل الديمقراطية في اليمن يفترض القطيعة مع نهج الإسلام السياسي

إلهام مانع لـ«النداء»: (1-2) مستقبل الديمقراطية في اليمن يفترض القطيعة مع نهج الإسلام السياسي

– حوار: علي سالم
يحلو للبعض تشبيهها بنوال سعداوي يمنية، وهي فعلاً أثارت جدلاً سيما لجهة آرائها حول الحجاب وحقوق المرأة. لكن الباحثة إلهام مانع تبدو أنموذجاً مائزاً للمرأة وبخاصية تخلق تكوينها ذاتياً تشتغل على حقل السياسة والدمقرطة، كما تتعاطى كتابة الرواية.
وربما عيشها في ثمان دول (راجع الإطار) هو ما جعل منها إمرأة كوزموبوليتانية قبل أن تستقر في سويسرا وتحصل على جنسيتها.
في حوارها مع «النداء» تحدثت إلهام مانع بعقل منفتح تحليلي، لكن كذلك بروح المنتمية إلى أمة عربية مثخنة بصنوف المعاناة وشتى النكسات. وهي تنقلت بالحوار على أكثر من بؤرة بدءاً من تقلبات السياسة والمجتمع في اليمن وليس انتهاء بالحالة الاقليمية والدولية وما تواجهه الجاليات العربية في الغرب.
 
* السلطة دعمت السلفيين لضرب الإصلاح، والمشترك تحالف ايجابي أثَّر سلباً على المرأة والجميع تلاعب بها
*  أنا علمانية واحترام الدين يكون بجعله بعيداً عن التسييس
* أجهزة الأمن والمخابرات قائمة على الولاء للرئيس والتحييد والإدماج من لوازم سياسة بقاء السلطة
 
 
* في ضوء انتخابات 20 سبتمبر، كيف تقيمين أوضاع حقوق المرأة في اليمن؟
– لا بد بطبيعة الحال أن نميز بين ما هو موجود نظرياً وما هو موجود في الواقع. إذ على الرغم من أن الدستور والقوانين الموجودة يمكن أن تُقرأ بأكثر من وجه، لكن القراءة المتواجدة حالياً هي قراءة لصالح المرأة، أن ترشح المرأة نفسها للرئاسة. عندما تقرأ النص الدستوري في هذا الصدد، تجده يتحدث عن رجل. رغم ذلك تم التغاضي عن هذه المسألة لصالح المرأة وهذا لحسن الحظ. ولكن كيف يتم تطبيق ذلك على أرض الواقع؟ هنا المفارقة إذ تشعر أنها بالفعل ورقة سياسية يتم اللعب بها من قبل كافة الاطراف المتواجدة على الساحة السياسية. السلطة والمؤتمر الشعبي العام موقفه هلامي، فهو وإن أظهر تأييداً للمرأة لكنه تأييد هلامي إنتهازي، من حيث استخدامه للمرأة كورقة للحصول على الكسب الخارجي.. أداة من أدوات السياسة الخارجية. إلا أن هذا بشكل أو بآخر يصب لصالح المرأة. والسؤال هو: ما الذي نتج عن هذا التسييس لورقة المرأة؟ نجد أن الحزب الاشتراكي لديه موقف مبدئي مؤيد للمرأة ناتج لتاريخه ولفكره.
> كافة الأحزاب متهمة من قبل المرأة.
– عندك حزب الاصلاح موقفه ما زال غامضاً. هو لديه موقف مبدئي يبدو أنه غير مؤيد لمشاركة المرأة. إلى الآن لم يحسم حزب الاصلاح قضية مشاركة المرأة، كما لم يرشح نساء إلى المجالس المحلية، وهذا امر سلبي بشكل كبير. الأحزاب السياسية عندما تعاملت مع موضوع المرأة جنت على حق المرأة. كان من المفترض على احزاب اللقاء المشترك ان تتحمل مسؤوليتها كمعارضة وتقدم مثالاً جيداً، لكنها لم تفعل ذلك. اصبحت المرأة ككرة في ملعب يتلاعبون بها جميعاً والكل يزايد عليها. لهذا لم تفز في الانتخابات المحلية الأخيرة سوى 35 امرأة. قارنها بما كان عليه الامر في السابق ستجد تراجعاً.
ماهو جيد في انتخابات 20 سبتمبر الماضي هو الحراك بالنسبة للمرأة في حد ذاته. حيث بدأت تأخذ مواقف وشرعت بالتحرك. منظمات المجتمع المدني بدأت تسعى إلى أن تكون قوة ضغط.
> لكن الانتخابات الأخيرة بدت أقل ديناميكية لا سيما الانتخابات الرئاسية، إذ يرى البعض أن نجيب قحطان الشعبي عاد في نسخ جديدة من المرشحين.. إلى أي مدى فعلاً تشهد التجربة الديمقراطية في اليمن نضوجاً؟
– إذا تحدثنا عن التجربة الديمقراطية بشكل عام وتغاضينا عن مسألة المرأة، أرى أن ما حدث كان حراكاً حقيقياً، خطوة تحسب إلى الأمام رغم ما شابها من سلبيات ورغم ما يمكن أن يكون قد تم من تلاعب. ذلك أن امكانية التلاعب موجودة، من قبيل التلاعب بالسجلات، حيث اموات كثيرون اقترعوا، هذه امكانية واردة. إلا أنه ورغم ذلك فإن الحراك الحقيقي حدث عندما تحالف الفرقاء وأعني على الأخص الحزب الاشتراكي و التجمع اليمني للإصلاح اللذين قررا مع احزاب اللقاء المشترك أن يتحولوا إلى كتلة معارضة. هذه الخطوة كان لها اهميتها القصوى نتيجة أنها تحولت إلى معارضة فعلية، معارضة يحسب حسابها، حيث لم يكن لأي من هذه الاحزاب متفرداً أي تأثير فعلي، لكن عندما التقت هذه الاحزاب فيما بينها، وتغاضوا عن خلافاتهم وهي كثيرة، صار لديك معارضة.
المشكة في البلدان العربية بصفة عامة هي عدم وجود معارضة فعلية قادرة على منافسة الحزب الحاكم. هنا على الأقل في اليمن، حدثت خطوة إلى الأمام, والسؤال هو: إلى أي مدى سنصل بهذه التجربة إلى غايتها وهي التداول السلمي للسلطة؟ هل هناك فعلاً امكانية لتنازل الرئيس علي عبدالله صالح؟ لو حدث مثلاً، أن بن شملان كسب في الانتخابات، هل كان علي عبدالله صالح سيتنازل عن الحكم؟ هذا هو السؤال. حتى لو أراد (الرئيس صالح) أن يتنازل عن الحكم، وأصبح نبياً، وقرر التخلي عن السلطة، ونحن نعرف أن زمن الانبياء انتهى ولا نعرف رئيساً عربياً تخلى عن السلطة طواعية سوى سوار الذهب في السودان ودفع ثمن ذلك غالياً، حتى لو قرر الرئيس صالح أن يفعل ذلك لديك مجموعة من الرجال الأقوياء في مواقع متنفذة لن يدعوه يتخلى، لأن مصالحهم مرتبطة بوجوده أساساً.
> هل مستقبل الديمقراطية متعلق بأشخاص؟
– لديك معارضة بدأ يحسب حسابها. ماذا ستفعل هذه المعارضة في المستقبل؟ هذا يظل هام جداً، المسألة معقدة بطبيعتها.
> على من -إذن- يعول في مسألة الديمقراطية لا سيما في ظل استمرار ثقل العسكر والقبيلة مقابل ضعف المجتمع المدني؟
– عندما تلقي نظرة على التجارب الديمقراطية في البلدان الأوروبية، هذه البلدان العريقة في الديمقراطية، كم سنوات أخذت حتى ترسخت؟ مئات السنوات.
مشكلتنا أن عملية التنمية والتطور الذي يحدث، يحدث بوتيرة متسارعة إلى حد ربما لا تسمح البنية المتواجدة باستيعابها. هذه مشكلة. وعدم الاستيعاب هذا يؤدي إلى احتمال نكسة. فيصل بن شملان لو كان كسب لقوبل بتدخل مثلما حدث في الجزائر رغم اختلاف الظرف والجوهر في الحدثين، ذلك أن البيئة لم تكن مهيأة لتقبل النتائج التي ستتمخض عنها صناديق الاقتراع.
> ما جرى في الجزائر تم بما يشبه توافقاً خارجياً. طبيعة الحركة التي نجحت في الانتخابات كانت تثير مخاوف الغرب. لكن الحالة اليمنية مختلفة فلم يعد بإمكان المجتمع الدولي في الوقت الراهن أن يوافق على التراجع عما تفرزه صناديق الاقتراع.
– ما حدث في الجزائر مرتبط أساساً بأن هذه القوى الاسلامية توصف بالمتطرفة. وهي كانت متطرفة في كثير من مواقفها. وكان الخوف، على ما أشار تقرير التنمية البشرية العربي لعام 2004م حول الحقوق والحريات، أشار إلى ما يطلق عليه انتخابات لمرة واحدة. هذا نوع من «البُعبُعْ» الذي يستخدمه الكثير من الحكام العرب، أنه إذا تركنا للإسلاميين المجال للدخول في الانتخابات سيفوزون بنسبة كاسحة وستكون انتخابات لمرة واحدة، تمكنهم الاغلبية التي يحصلون عليها -وهذا ما كان يُخشى حدوثه في الجزائر- من تغيير الدستور وتغيير هوية المجتمع بأسره. هكذا كان الخوف. عندك هناك مصالح مرتبطة أساساً وعضوياً بين الجزائر وأوروبا وخاصة فرنسا. كان هناك أكثر من عامل مرتبط بالحدث الجزائري. اليوم في اليمن تقول الولايات المتحدة أنها تدعم الديمقراطية. هذا صحيح؛ الرئيس جورج بوش حدد للسياسة الخارجية الامريكية أسساً ومنها نشر مفاهيم الديمقراطية في العالم العربي باعتبار ان مثل هذا سيؤدي إلى تغيير الدفة لغير صالح الفكر الإسلامي المتطرف، هذا نظرياً، ما حدث مع الوقت، وما حدث في العراق أدى، ربما، إلى إعادة نظر الإدارة الامريكية. تجد ذلك عملياً وليس على صعيد الأقوال. وجهة النظر هذه تقول: من الأفضل التحالف مع القوى السائدة حالياً لأنها أفضل الشرِّين فإذا كان علينا أن نترك الساحة للعمل الديمقراطي في إحداث تغيير يصل بالإسلاميين إلى الحكم فإن ذلك قد يضر بمصالحنا. فيما يتعلق باليمن تحديداً هناك ظرف بالغ الخصوصية يتعلق بمشاركة اليمن الفعالة في الحرب الدولية ضد الإرهاب وهذا مهم جداً ذلك أن الولايات المتحدة لا تفعل شيئاً إلا لمصلحتها وهذا أمر طبيعي. كل الدول تبني سياساتها بما يخدم مصالحها. فيما يتصل باليمن مسألة الحرب ضد الارهاب هامة كما أن مشاركة اليمن فيها هامة ولا أعتقد أن الولايات المتحدة سوف تقف موقفاً معارضاً من وصول المعارضة اليمنية إلى السلطة إلا إذا كان في هذه المعارضة قوى من الممكن أن تقف موقفاً معارضاً لمشاركة اليمن في الحملة الدولية ضد الارهاب.
> معنى ذلك أنه وفي ظل استمرار ما يسمى باللقاء المشترك، المنضوية فيه احزاب دينية متهمة، غربياً على الأقل، بدعم الإرهاب.. هل يعني ذلك أن الادارة الامريكية ستبقى داعمة لحزب المؤتمر الحاكم؟
– لا يمكن لي أن أتحدث بلسان الولايات المتحدة الأمريكية. كان هناك عدة تصريحات للسفير الأمريكي بهذا الشأن، لكنني أعتقد أن ما حدث بالنسبة لتحالف اللقاء المشترك كان حراكاً صحيحاً. وأعتقد أن دخول حزب التجمع اليمني للاصلاح في هذا التحالف هام جداً. وهو هام جداً كذلك بالنسبة لتطور الأحزاب الدينية. لأنه إذا ما أمكن تحول الأحزاب السياسية التي تتخذ من الاسلام السياسي جوهراً وأساساً إلى أحزاب عادية مثل غيرها من الأحزاب: تقبل بالآخر أياً كان وتقبل أن تكون طرفاً من أطراف متعددة على الساحة السياسية، تكون بذلك قد وصلت بالعملية السياسية إلى مداها الطبيعي.
أما إقصاؤها إلى المرحلة التي تدفعها إلى العنف، هنا تبدأ المشكلة. ما يحدث الآن تطور رائع. والسؤال هو: هل هذا التطور يعكس فعلاً رغبة بالقبول بصناديق الاقتراع مهما كانت؟ فعندما يصل الحزب الاشتراكي مثلاً أو أي حزب علماني إلى السلطة، هل سيقبل التجمع اليمني للاصلاح بذلك رغم أن مثل هذا الفكر الاشتراكي أو العلماني لا يتفق مع مبادئه؟
> لكن ما يؤخذ على تحالف اللقاء المشترك هو عكس ما تتحدثين عنه. صحيح أن مثل هذا الأمر يخرج الأحزاب الدينية من تقليديتها، لكن ما حصل هو عكس ذلك. بالفعل هي انفتحت إلى حد ما على الديمقراطية غير أن ذلك ترك أيضاً آثاراً سلبية على بعض احزاب التحالف. فعلى سبيل المثال: يرى مراقبون أن الاشتراكي تراجع عن بعض المبادئ والقضايا، مثل مناصرة المرأة، فهناك نساء اشتراكيات اعتبرن ان الاشتراكي منذ تحالفه مع احزاب دينية راح يقدم تنازلات على حساب قضايا مبدئية من قبيل التضحية بالمرأة..
– (مقاطعة).. احنا دائماً نستعجل النتائج. المسألة مسألة تطور. هناك مسار لا بد أن يأخذ مداه. ما نراه اليوم هو عملية مخاض، ما سوف تتمخض عنه؟ هو السؤال.
أعتبر تحالف اللقاء المشترك خطوة إيجابية، نتائجه على المرأة كانت سيئة. علينا أن نسمي الاشياء باسمائها. مؤكد أن الحزب الاشتراكي تراجع، ربما تجاوباً مع موقف التجمع اليمني للاصلاح من ترشيح المرأة، والتجمع اليمني للاصلاح لم يرشح أي امرأة وهذا يحسب ضده فيما يتعلق بقضية المرأة. لكن رغم ذلك سيكون من الاجدى أن نترك لهذه التجربة مساحة. ربما تتبلور. انظر مثلاً وضعية الاحزاب السياسية في بلدان اخرى: في سويسرا على سبيل المثال هناك احزاب ما زالت تحمل اسم «المسيحي الديمقراطي»، وكانت هناك احزاب أخرى راديكالية، وهذه كانت تأخذ موقفاً متشدداً من الأحزاب المسيحية. الحزب المسيحي الديمقراطي تاريخه يعود إلى 1848، والحزبان الراديكالي والمسيحي كانت مواقفهما متناقضة، الأول ليبرالي والآخر يتخذ من الدين جوهراً. اليوم، ورغم ان الحزب المسيحي ما زال ينظر إلى كثير من القضايا من منظور محافظ وأكثر تقليدية، لكن مسألة الدين عنده محسومة: الدين منفصل عن الدولة. انظر كم أخذ من الزمن. فحتى العام 1970م كان هذا الحزب وغيره يتخذ من بقاء المرأة في البيت مبرراً لعدم إعطائها حق التصويت. هذا في سويسرا حيث لم تعط المرأة حق التصويت إلا في العام 1970. وحتى العام 1980 كان قانون العائلة في سويسرا يعطي للرجل الحق في تحديد المكان الذي تعيش فيه زوجته. الرجل صاحب الأمر.
> طبيعة التكوين الثقافي والاجتماعي لمثل هذه الاحزاب الدينية تفترض ذلك وهي في نهاية المطاف مصيرها ان تنمو وتتطور. لكن ما يثير الانتباه هو أن يكون هناك حزب تقدمي ثم يتراجع عما كان عليه.
– هنا يأتي دور الصحافة، والتقييم الذاتي من داخل الاحزاب نفسها، لمناقشة الاخطاء التي وقع فيها الحزب، وما هي الخطوط الحمر التي لا يمكنه تجاوزها. لكل حزب الحرية في أن يتحالف مع من يشاء. لكن لديك مواقف مبدئية مثل الموقف تجاه المرأة. مثلاً: الحزب الاشتراكي لديه في هذا الجانب موقف معروف. لكن الموقف المبدئي بصفة عامة لا ينبغي تجاوزه أو التنازل عنه من أجل أن نحصل على مكسب مرتبط بالسلطة أو للحصول على مواقع قوة في السلطة. اعتقد ان صوت الصحافة والمراجعة الذاتية هامة حتى يمكن لهذه التجربة ان تتبلور. من كان يصدق أن تجمع الاصلاح والحزب الاشتراكي يجتمعان مع بعض، هل نسيت عملية التكفير التي حدثت من قبل؟
> هناك مصالح سياسية تحكم ذلك، هذا أمر بديهي، فمن الطبيعي أن تلجأ الأحزاب التي في المعارضة إلى مثل هذه التحالفات. لكن ما هو غير مفهوم أن تتخلى أحزاب ذات نزعة علمانية أو يسارية عن بعد أو جانب هو من طبيعة خصيصتها.. ما هو تفسيرك لمثل هكذا تراجعات تشمل الحقوق السياسية للمرأة وعملها سواء في القضاء أم في غيره، بل إن ما أطلقت عليه أنت مسمى «الهلامية» صار يغشى جميع الاحزاب تقريباً ويصل إلى تراجعات مجتمعية على ما هو عليه انتشار الحجاب في محافظات جنوبية لم تكن تعرف ذلك؟
– (تضحك).. كان هناك مد ديني اسلامي سياسي، مثل هذا التوصيف مهم فنحن لا نتحدث عن الدين، هناك اسلام وهناك صور وقراءات متعددة له. إذا ما نظرنا مثلاً إلى ما كانت عليه حال الممارسة الدينية في مصر في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي للحظنا أنها كانت تعكس الوجه الليبرالي الذي كان قائماً آنذاك. الدين يعكس روح المجتمع بوجه أو بآخر. ما حدث منذ سبعينيات القرن الماضي في إطار المنافسة بين مصر والمملكة العربية السعودية، بين مد قومي ناصري ومد سعودي محافظ، أدى إلى بروز ما يسمى بتيار الاسلام السياسي. كل هذا حدث طبعاً ضمن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. هذا المد الديني الاسلامي الذي نشرته المملكة العربية السعودية بقدر كبير من الحماس والتمويل والدعم والتغطية الإعلامية والذي وفرت له الولايات المتحدة غطاء في سياق حربها، آنذاك، ضد الاتحاد السوفييتي، باعتبار ان الدين سيواجه الفكر الشيوعي الاشتراكي الملحد، على حد اعتقادها، كل ذلك ترك بصماته على مجتمعاتنا العربية كافة. لو كنت في المغرب خلال السبعينيات وشاهدتها اليوم ستندهش، وذلك أيضاً في مصر. النقاب، الحجاب، كل هذه الصور اصبحت بارزة للعيان. وكذا اسلوب الخطاب: لم يعد الاسلام ذلك المتعدد والثري بل صار محصوراً بلون واحد سلفي قائم على التكفير.
اليمن لم تكن بطبيعة الحال بعيدة عن كل ذلك، حيث كان اليمن مسرحاً لهذا النفوذ والتغلغل الوهابي سواء بدعم مباشر من قبل المملكة العربية السعودية إما من طريق التعليم والمناهج والمعاهد العلمية، هكذا سموها وهي في الحقيقة معاهد دينية، وإما من حيث من طردوا خلال حرب الخليج والذين يقدرون، على تفاوت الاحصاءات، بنحو المليون. مليون شخص عاد بثقافة وبيئة وفكر ترعرع عليه وتشربه في مجتمع سلفي مختلف ثم جلبه إلى المجتمع اليمني. تجد ذلك اليوم في عدن.
كيف كانت عدن قبيل الوحدة؟ وكيف كانت الألوان في عدن قبيل الوحدة؟ وكيف اصبحت اليوم؟ الأسود أصبح هو الطاغي. هذا الأمر اكتسح الشمال والجنوب على حد سواء. المرأة التي كانت تخرج بالثوب الملون، بات الأسود يحتل كل تفاصيلها بشكل لا يسمح بتبيان أي جزء منها. الفكر، أي فكر، يستهدف أول من يستهدف المرأة، هذا ما نلمس نتائجه اليوم على الشارع وغيره. طفلة لا تتجاوز السنوات الست تجدها مغطاة بالسواد والحجاب. واقع كهذا سحب نفسه على الانتخابات وعلى المستوى السياسي. هناك خطأ قاتل تقع فيه السلطة اليوم. إنها لكي تضرب الاصلاح، تتجه إلى شيوخ السلفية وتدعمهم. اعتقاداً منها أنها بذلك ستضرب الاصلاح لكنها في الحقيقة تضرب مجتمعها في الصميم. مثل هذه السياسة سترتد علىالسلطة ذاتها. هذه المسألة معروفة رأيناها في مصر مع أنور السادات ونراها في أكثر من نموذج. التجربة تفيد بأن من تتحالف معه سيرتد عليك، لأن لديه مصلحة، لديه فكراً ورؤية. معروف على السلطة اليمنية اعتمادها سياسة البقاء. بالنسبة لها سياسة البقاء في السلطة هامة. تفعل ذلك بأسلوب هلامي إنتهازي. إنتهازي بمعنى أنه ما دام هناك مصلحة سأسعى إليها بأي من الطرق والوسائل بصورة ماكيافيلية أو سمها ما تشاء. نتائج ما تفعل نجدها على صورة الشيخ الذي أفتى بعدم جواز التصويت لغير المرشح علي عبدالله صالح. إنه شيخ من شيوخ السلفية.
خطاب شيوخ السلفية يقول إن الديمقراطية كفر وإلحاد. هذه لعبة خطرة ويجب التنبية إليها. إنها لا تضرب الاصلاح بل تضرب المجتمع.
> مثل هكذا تناقض حاصل، يأخذنا إلى ما نسب إلى الشيخ عبدالله الأحمر زعيم تجمع الاصلاح من تصريحات تفيد أن علي عبدالله صالح مرشحه للرئاسة.
– (مقاطعة).. لكن شوف عائلة الشيخ الأحمر لم تفعل ذلك هي أمسكت بالعصا من منتصفها. الشيخ عبدالله الاحمر يقول ان مرشحه علي عبدالله صالح ونجله حميد الاحمر يعمل على دعم وتمويل بن شملان.
> أنا لا أتحدث عن أُسر بل عن زعامات. عبدالله الأحمر هو زعيم حزب تجمع الاصلاح المعارض، كيف يفهم مثل هذا؟
– هي هي لعبة البقاء. لو كان كل هذا يوجه لصالح اليمن لقلت لك ما فيش مشكلة.
> لكن مثل هذا لا يصب في مصلحة اليمن ولا في مصلحة التطور الديمقراطي.
– هنا المشكلة. لكن لا ينبغي دعم القوى السلفية التي تعرف أنها تقف والديمقراطية على النقيض، هي وحقوق الانسان، ولا أقول المرأة ككائن له الحق في التفكير له إرادة.. قوى السلفية تقف وهذه الارادة والحرية وحقوق الانسان على طرفي نقيض. من الخطأ دعم مثل هذه القوى.
خلال زيارتي لليمن ذهلت، حيثما ذهبت إلى مكتبة أو غيرها ألقى منشوراتهم. أنا لا أدعو إلى منع كتب القوى السلفية. لكنني ادعو إلى تشكيل خطاب مواز. حيث لا تترك لهم الساحة هكذا. من يتحدث اليوم يجابه بالتكفير.
> معنى ذلك أن السلطة تحولت من دعم الجماعات الوهابية إلى دعم القوى السلفية.. أي أن لعبة توظيف الدين ما زالت قائمة.
– نعم، لعبة توظيف الدين لعبة دائمة. نحن جنينا على هذا الدين بتسييسه. انظر مثلاً إلى تجربة الحزب الاشتراكي ما قبل الوحدة ستجد انهم عندما لم يتمكنوا من القضاء على الدين بالصورة التي رأتها أدبياتهم، ماذا فعلوا؟ حولوا إلى دين اشتراكي من خلال توظيف الدين باعتباره ديناً اسلامياً يحث على العدالة وتوزيع الثروة.
> حدث هذا على صعيد المنطقة العربية برمتها في ما عرف باليسار الاسلامي.
– أنا درست ذلك في رسالتي لنيل الدكتوراه. حيث تجد أن الخطاب المستخدم انطوى على توظيف سياسي للدين. كافة الانظمة العربية وظفت الدين بصورة او بأخرى بغرض إدامة مصالحها. إلا أنها حين فعلت ذلك جنت على الدين.
الدين هو علاقة بين المرء وربه. ويتوجب إخراجه من السياسة لأنه لا مستقبل لمجتمعاتنا العربية دون ان نفصل بين الدين والسياسة، بدون العلمانية، والعلمانية لا تعني القضاء على الدين، بل احترامه وتركه في حيزه الروحاني. دون الوصول إلى مثل هذا الفصل بين الدين والدولة لا يمكن احراز تقدم. كافة الدول التي عمدت إلى الفصل بين الدين والدولة مثل تركيا حققت تقدماً ملحوظاً نشهده اليوم. في المقابل انظر ما نحن عليه.
> مجتمع تقليدي مثل اليمن برأيك إلى أي مدى يتجه أو يتوفر علىالحد الأدنى من امكانات العلمنة؟
– السؤال مرتبط أساساً بـ«لم لا يتقبلها؟!» لقد تقبلها في جنوب اليمن، ومارسها. وكذا في تونس، وفي تركيا. هذا لا يقضي على الدين إطلاقاً. المسألة متعلقة بالمصطلحات. إذ أن الكلمات المستخدمة تستخدم بمعان مختلفة. حينما اشتغل الاسلام السياسي بشكل حثيث منظم متواصل ومنهجي، اشتغل على المصطلحات. وأول ما بدأ، بدأ بالمصطلحات المتعلقة بالعلمانية والحرية والمرأة.. الخ. وعندما تحدث عن العلمانية تحدث عنها باعتبارها شراً مستطيراً.
انا علمانية، لا أنكر ذلك، بل بالعكس أنا فخورة وسعيدة. عندما أقول مثل ذلك سوف أقابل على ضوء مثل هذا التوجه باعتباري ملحدة. وهذه مشكلة التوظيف للمصطلحات. فاذا ما أردنا ان نخرج هذا المجتمع من الحالة التي هو عليها فيجب ان نبدأ نشتغل بشكل منهجي منظم. نشتغل على المصطلحات ونبدأ أول ما نبدأ بالمناهج التعليمية. ذلك ان المناهج السائدة لا تربي على التفكير. المجتمع اليمني وكل المجتمعات قابلة للتغيير. ليس لدينا مناعة ضد التطور. لنترك لليمن الفرصة وسنشاهد كيف يتطور. الانسان انسان في كل مكان. المسألة هي كيف نخلقه. اعتقد أن مجتمعاتنا قادرة على النهوض.
> لا شك في أن كل الجماعات البشرية لديها هذا الاستعداد لكن ما قصدت إليه هو إلى أي مدى يسهم النظام السياسي الاجتماعي والوعي العام في اليمن في ذلك، العلمانية لا تهبط من السماء بل تحتاج إلى دفع وتحفيز على مختلف البنيات لا سيما وان العلمنة هي المدماك والمرادف للديمقراطية؟
– ما لدينا الآن لا يسمح. لسبب واحد هو غياب الرؤية. إذا لديك قيادة تملك رؤية واضحة فإنها ستقدر على تحقيق التغيير. كل المجتمعات التي تغيرت كان لديها قيادة مؤمنة بالتغيير ولديها رؤية واضحة عملت من اجلها. بامكانيات اليمن المتواجدة يمكن احداث تغيير خلال عشرين عاماً. فقط إشتغل على الأجيال برؤية واضحة وشفافية. مشكلتنا في اليمن مركبة اساسها الفساد. والفساد لا يسمح برؤية واضحة. الفساد معناه غلبة المصالح على الرؤية الواضحة.
الآن هناك قرارات يجب أن تؤخذ. والقرارات الصعبة لا يتخذها إلا من يؤمن بها. حتى الآن نحن لا نحوز على هذا. أنا مؤمنة بقدرتنا على الحلم وأن يترجم هذا الحلم على أرض الواقع. والسؤال هو: أين الرؤية؟
أنا مش شايفة رؤية إلى يومنا هذا. قارن بين ما هي عليه سلطنة عمان اليوم وما نحن عليه.
> يعني ذلك أنه لا توجد إرادة سياسية.
– سلطنة عمان كانت عايشة في القرون الوسطى. انظر أين هي اليوم. شوف البنك الدولي في أي مصاف وضعها.. في الدول المتوسطة وبعدما كانت ضمن أكثر الدول فقراً وتخلفاً. كانت هناك رؤية واضحة ومرحلية. ورغم أن التجربة العمانية يصعب وصفها بالديمقراطية لأن السلطان قابوس ما زال مهيمناً كأب؛ إلا أن هناك مراحل ورؤية توجهان المجتمع العماني نحو وجهة محددة. مثل هذه الرؤية ليست لدينا.
نحن نسير من سيء إلى أسوأ. رغم وجود ما يمكن ملاحظته على البنية التحتية مثل ازدهار المجتمع المدني، وحرية صحافة تحسدنا عليها دول الخليج. عدا ذلك لا يوجد. الفقر ينتشر، 42٪ من السكان في اليمن يعيشون تحت خط الفقر. ما يقارب نصف المجتمع. ثم تريدنا أن نتحدث عن العلمانية.
> لكن وبالنظر إلى أهمية الارادة السياسية تجربة الجنوب على ما ذكرت أنت اجترحت شوطاً صوب العلمانية رغم انتشار الفقر?
– صحيح لكنها تجربة استبدادية.
> أين مكمن الأزمة إذاً؟ هل في طبيعة الجمهورية أم في المجتمع أم في هيمنة العسكر والقبيلة على ما يرى البعض؟
– ليس ذلك فقط.. القبيلة اليوم هي أساس الوحدة الاجتماعية، هي الأساس في ما يتعلق بالمناطق، فمن هو المهيمن هنا: هل القبيلة أم غياب الدولة؟
من الناحية السياسية هناك محور وهناك اطراف المحور، والمركز هو الأساس. في هذا المركز هناك مراكز قوى، الرجال الاقوياء. لم تعد القبيلة -كقبيلة- مهيمنة. أنت لديك رجال اقوياء: الشيخ الأحمر رجل قوي، مركز قوي، صحيح أنه يمثل القبيلة لكنه منسلخ. هو وغيره من مراكز القوى مرتبطون بنواة السلطة. هؤلاء هم من يحكمون. والسائد ضمن مراكز القوى هو سياسة البقاء. ومعناها: أنا سأتخذ كل ما يلزم حتى أبقى في السلطة. هذا يعني أنني اسيطر على الاجهزة الأمنية العسكرية المخابراتية. أطعّمها واجعل رؤوسها موالين لي جميعهم: صاحب القرابة أو المنتمي للقبيلة وصاحب الولاء الحزبي. إذ تجد أن كل المسيطرين على الاجهزة الأمنية و غيرها مرتبطون بالولاء للرئيس. تضيف إلى ذلك تحييد القوى الوطنية. لديك هنا عنصران: السيطرة على الاجهزة الامنية العسكرية المخابراتية، ثم هناك تحييد المعارض بشرائه أو اخفاء صوته، إما من طريق الرشوة أو من طريق تقديم وظيفة كبيرة أو تعيينه في مجلس. سياسة التحييد هذه ظلت منذ الثمانينيات تسير على قدم وساق، لكنها برزت بكثرة بعد تحقيق الوحدة. التحييد والادماج لازمة من لوازم سياسة البقاء. كل هذا يتم من أجل إدامة البقاء في السلطة. والمشكلة أن ذلك يتناقض جوهراً مع مصلحة الوطن. فما دُمت تسخر موارد الدولة للتحييد والولاء فإنك لن تستطيع ان توجهها بالفعل نحو قنواتها الاساسية. وفي ظل استخدام مثل هذه الأساليب يصبح الفساد كينونة الدولة وماهيتها بحيث يتعذر القضاء عليه. مشكلتنا مركبة. رغم ذلك أظل أقول: إذا ما كان لديك رؤية اشتغل عليها. بامتلاك الرؤية والاشتغال عليها يمكن التغلب على هكذا وضع.
> طالما وأن القوى النافذة بهذا الحجم وهذا التأثير، كيف يمكن اذاً تحقيق التغيير؟
– هذا صعب جداً. مادام التحليل بهذه الصورة قل لي انت كيف.
> معنى ذلك ان لا مستقبل للديمقراطية في اليمن؟
– لا.. أنا بطبيعتي متفائلة.
> على أي أساس يقوم تفاؤلك؟
– لأني مؤمنة بالإنسان اليمني. سأظل أؤمن بالانسان وأننا قادرون، إذا أردنا. مشكلتنا أننا عندما نتكلم، نتكلم ورؤيتنا متجهة نحو اللي فوق. لم لا ننظر إلى تحت؟ ليه ما نبصش للي تحت؟
> وما له!! نبص للي تحت.. هل ذلك يعني أن هنالك إمكانيات شعبية للتغيير؟
– الامكانيات الشعبية موجودة. لذلك أقول أن هناك فرصة في اللقاء المشترك أتمنى أن يتم استغلالها. فمتى ما خلقت معارضة ستحصل على تنازلات. والمهم كيف يمكن أن تجيِّر هذه القوى لصالح هذا الوطن بدون تنازل عن المبادئ. جميعنا قوى وطنية بصرف النظر عن الانتماء الفكري. ما يتمناه المرء هو أن يكون الوطن هو هدفنا جميعاً.
* صورة المعارضة لدى كثيرين هي معارضة هشة تعكس ما عليه المجتمع من هشاشة وتشرذم, إلى أي مدى يصح الرهان على المعارضة؟
– أنا لا أراهن على الانسان. نحن في أزمة, هذا صحيح. وصحيح أيضاً أن المسألة معقدة و لا تبعث على الأمل, لكن ما حدث مع تأسيس اللقاء المشترك سأظل اعتبره خطوة ايجابية.
ردة فعل السلطة تظهر بأن ما حدث كان حراكاً, خطوة إلى الأمام لا ينبغي أن ننظر إليها بأنها مظلمة أو سلبية.
 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
* وُلدت في مصر، ودرست الابتدائية والاعدادية والثانوية متنقلة ما بين: مصر، اليمن، الكويت، والمغرب، حيث كان والدها محمد علي مانع سفيراً لليمن.
* حصلت على البكالوريوس في العلوم السياسية بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف من جامعة الكويت.
* عملت لمدة ثلاث سنوات معيدة في قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء، وسكرتيرة للجنة اعضاء بعثة التدريس بمكتب رئيس الجامعة.
* حصلت على منحة فولبرايت الأمريكية. وهناك حصلت على درجة الماجستير بامتياز. كما التقت بالشخص الذي اصبح زوجها، وهو سويسري كان عمل في مكتب البرنامج الانمائي للأمم المتحدة بصنعاء.
* خلال دراستها للدكتوراه في جامعة زيورخ السويسرية، عملت صحفية في القسم العربي بالإذاعة السويسرية (إنفوسويس) وترقت إلى منصب نائب رئيس تحرير.
* بعد انتهائها من دراسة الدكتوراه التحقت بالعمل في جامعة زيورخ، وما زالت تعمل فيها استاذة لمادة السياسة والدمقرطة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
* صدر لها عدد من المؤلفات، ومنها:
– الأحزاب والتنظيمات السياسية في اليمن.
– السياسات الاقليمية في الخليج.
– سياسات البقاء: دراسة تطبيقية على المملكة العربية السعودية.
        كما نشرت لها بحوث في عدة دوريات فرنسية وألمانية.
* تكتب الرواية، وصدر لها «صدى الأنين» وتستعد لإصدار رواية جديدة بعنوان «بلا خطيئة».
* تكتب مقالات في عدد من المواقع الالكترونية، ومنها: «يوميات امرأة عربية» على موقع شفاف الشرق الأوسط.
* عدا الدول العربية الأربع والولايات المتحدة, عاشت في المانيا وإيران, وتستقر الآن في سويسرا التي تحمل جنسيتها.