من اقتصاد المستنصريّة إلى حقوق تعز.. تيه شاب يمني متفوق، في انتظار وزير التعليم العالي – مروان الغفوري

من اقتصاد المستنصريّة إلى حقوق تعز.. تيه شاب يمني متفوق، في انتظار وزير التعليم العالي – مروان الغفوري

في منتصف التسعينات، بالتحديد في العام 1995م، كان عبدالحافظ علي عبدالغفور، الشاب القروي واسع الملكة العقلية، يفاخِرُ زملاءه العراقيين والعرب في جامعة المستنصريّة بيمنيّته.. بينما يقتربون منه لقراءة الطالع اليمني عن كثب، للتعرّف على هذه البلاد الحاضرة الغائبة في ذاكرة التاريخ.. كانت اللحظة مناسبة لهم للملمة شعث السؤال واستجلاب المعرفة عن الجنوب العربي عبر عينيْ هذا الشاب العبقري الذي تجاوز كافة زملائه في الدراسات الاقتصادية -قسم تنمية وتخطيط- لعامين متتالين. لم تمض فترة طويلة على إعلان نتائج السنة الثانية في الجامعة وتسمية حافظ، كما يلقبه أصدقاؤه،الأوّل على طلبة القسم.. حتى عاد، بشكل نهائي، إلى قريته المنهكة في وادي الضباب..الريف المجروح في سماء تعز، قبل أن ينجز مهمّته الحضارية التي انتدب لها نفسه، وحيداً بمعزل عن أي داعم أو محرض خارجي. لم يكُن عبد الحافظ من الذين يدرسون على نفقة الدولة، فقد كانت جدّته المناضلة(رحمها الله) هي التي تقفُ وراء نفقته.. تستخدم قلبها في تحصيل مبلغ مالي زهيد من حصّالات أبنائها وبناتها، لعل حافظاً يجد فرصةً شبه ملائمة للتحصيل العلمي. ماتت جدّته، أوانتقلت إلى مكان آخر مليء بالمحتاجين( كما يروي أهل الفاقة). المهم في الأمر أنّها اختفت تماماً، تاركةً أمر(حافظ) للفراغ الطلق. مرّت قرابة أربعة أعوام، عقب رحيل الجدّة، انتهت خلالها صلاحية شهادة الثانويّة العامة واحتفظت روحُ حافظ بتوهّجها.. برغم كل شيء، غصباً عن كل الفاقة، وقصص الجيران الهادمة والعدوانيّة.. احتفظ بكائنه السماوي ضدّاً لخصومة وشيكة مع الأشياء. وكعادة المجتمعات البدائيّة فقد التفّ عليه أقرباؤه في حفلة صاخبة شبيهة بمشاهد صيد الغزلان عند قبائل جنوب الصحراء الأفريقيّة.. شربوا تاريخه الأبيض منذ الإبتدائية الأولى، ودهنوه برائحة الفشل.. مشرّعين لأنفسهم طقوس الهدم.. وهكذا، فلم يكن حافظ هو القربان الألف لمولوخ، آلهة الدم والفناء، في هذا البلد العظيم.. المنهك كأعمدة الضوء!
قرر أن يعود إلى الثانوية مرّة ثانية، بعد ست سنوات من مغادرتها. لم ينتظم في دراسته، لطول المسافة بين موقع المدرسة و بيته القروي المتهالِك.. وفي ساعة إعلان النتيجة كان يتفوّق على الجميع كعادته. فالذين يعرفونه جيّداً يدركون تماماً سر زواجه الكاثوليكي بالمعرفة وقدرته على مناورتها. بحث عنه أصدقاؤه بعد الثانوية الثانية فلم يجدوه.. واكتشفناه، معاً، يتخرّج من كلية الحقوق، جامعة تعِز، حاصداً الترتيب الأوّل بامتياز مع مرتبة الشرف.. من أصدقائه من رآه لأول مرّة بعد غياب دامٍ لأربع سنوات.. لقد رأوه على منصة التكريم وهو يتسلّم شهادة تقدير من وزير التعليم العالي، السابق، د. راوح. وعند بوّابة الجامعة، نظر إلى السماء وابتسم، بينما كنت أدسّ جبل صبر في قلبه ليزداد إيماناً بالوطن والقادم. عاد إلى مدرجات الجامعة، منتظراً قرار التعيين. وكعادته مع المنطق، يقفُ دائماً في الجانب الصحيح بينما يتّسخ المنطق بالخطيئة.. قفز آخرون إلى مكانه المستحق في الجامعة بقدرة قادرين غير وطنيين( للأسف) في حين تلاشى حافظ في تفاصيل عهدٍ جديد من رواية الغياب الكبير لعدالة أبناء الأرض.
قرأ عن المعهد العالي للقضاء، فتقدّم للمنافسة.. كنا واثقين، جميعاً الذين نعرفه، من أنه سيفوز بالنتيجة وسيخسر المحصّلة. وهكذا فقد كانت النتيجة تصرّح بحصول حافظ، كعادته،على الترتيب الأوّل، في الاختبارات الشفوية والتحريريّة، من بين 135 طالباً تقدّموا للدراسات العليا في المعهد. وفي ساعة الحسم تم استثناء حافظ من قائمة المقبولين اعتماداً على تقرير طبّي مليء بالتخلف العلمي. كان التقرير يوصي باستثناء حافظ من القبول بوصفه: غير لائق صحّياً. وكتوضيح لهذه الجملة العنيفة يقول التقرير: وجدنا HBeAg في نتائج فحص الدم. ولأني طبيب فسأترك أمر التعليق على هذه الفضيحة للمهتمين بالطب. فوجود مثل هذا الأنتجين في دم المريض يعكس (كما هو مفترض علميّاً)نشاطاً فيروسيّاً عاليّاً في الكبد، وهو ما لم تثبته كل فحوصات وظائف الكبد المخبرية والإكلينيكيّة.. ولا الموجات! كما أن النتائج نفسها تنسف قيمتها من خلال التأكيد على نظافة الدم من أي معاملات فيروسية أخرى، في حين تشير حقائق الطب إلى إمكانية أن تكون هذه النتيجة بسببCross Reactions أي وجود مشابهات للجزيء الفيروسي في الدم تعطي صورة قريبة منه في الفحص المخبري.. لقد شرح الأمر لهم عبر توصيات طبيّة محايدة.. فاكتفى الجميع بالحوقلة وتعزيز الأمنيات بمستقبل أفضل خارج معهد القضاء، بمن فيهم رئيس مجلس القضاء الأعلى، المطلع على المشكلة بشكل حقيقي وقريب. خرج حافظ من معسكر الاستعداد (ستة أشهر) لدخول معهد القضاء.. نسف أحلامه المؤقتة، وعاد إلى حلمه الأخير بيمن كبير يرى فيه النور من كل جانب.. سمِع عن وزير التعليم العالي د. باصرّة.. قرأ مقابلاته، تابع أفكاره وسياساته، فامتلأ بالشجن الوطني من جديد.. تقدّم بطلب الموافقة لنيل درجة الماجستير في القانون الدستوري، في جامعة عين شمس.. وما زال حتى الساعة يرابط في مكان تحت الشمس، في انتظار هذه الفرصة التي يأمل أن تكون متصالحة مع منطق الأشياء والحق.. وها هو، عينه مثّبتةٌ في المستقبل برغم كل شيء، في زاوية مهملة في جبل صبر يرتّب إنسانه المتهدّم كقاع بُحيرة.. يعُد وقع أقدام الراكضين في مبنى التعليم العالي، يتأمل صورة المثقف د. باصرة.. و يحاول أن يبتسم للغد، فقلبُه لم يمُت.
[email protected]