نبيل المحمدي: إبقاء المعسر رهن السجن بعد انقضاء مدة الحبس المحكوم بها جريمة موجبة للعقاب

نبيل المحمدي: إبقاء المعسر رهن السجن بعد انقضاء مدة الحبس المحكوم بها جريمة موجبة للعقاب

ينتظر آلاف المعسرين المسجونين إلتفاتة كريمة من الرئيس علي عبدالله صالح ومن تجار محسنين. بينما القانون يمنحهم الحق في مقاضاة وزارة الداخلية وطلب تعويضات عن السنوات التي قضوها في السجن جراء التعسف في قراءة القوانين أو الجهل بها.
التحقيق الذي أعده الزميل علي الضبيبي ونشرته «النداء» الأسبوع الماضي، أثار ردود فعل واسعة لدى القراء وأسر السجناء، كما فتح منافذ جديدة لتناول معاناة المعسرين الذين تذوي حيواتهم وراء الأسوار جراء أخطاء جسيمة يرتكبها القضاة والمسؤولون عن المنشآت العقابية.
المحامي نبيل المحمدي أفاد «النداء» بأن إبقاء الشخص المحكوم رهن السجن بعد إنقضاء مدة الحبس المحكوم بها عليه، «جريمة موجبة للعزل الوظيفي ومعاقب عليها بالسجن 3 سنوات».
وأوضح بأن من حق السجين الذي انقضت مدة عقوبته ولم يتم الإفراج عنه أن يقاضي مدير المنشأة العقابية (السجن). كما أن القانون يمنحه الحق في تحريك دعوى مدنية بطلب تعويض مالي ضد وزير الداخلية «باعتباره متبوعاً، وبالتالي مسؤولاً مدنياً عن اعمال تابعيه».
وحيال وجود معسرين انقضت مدد عقوباتهم بالسجن، لكن الأحكام القضائية الصادرة بحقهم تشترط عدم الإفراج عنهم إلا بعد وفائهم بالحقوق المدنية المحكومين بها، أكد المحمدي أن من غير الجائز للنيابة العامة أو المسؤولين في المنشأة العقابية الاعتداد بما قرره الحكم القضائي من تعليق الإفراج عن المحكوم عليه على الوفاء بالحقوق المدنية المحكوم بها. وأردف أن في حال وجود حكم قضائي متضمناً هذا الشرط فإن «القاضي يساءل عن خطأ جسيم قادح في أهليته لولاية القضاء (…) ومع ذلك لا يجوز للنيابة الاعتداد بما يقرره الحكم القضائي».
تحقيق «النداء» في عددها السابق كشف عن وجود سجناء معسرين لم يتمكنوا من الوفاء بمبالغ مستحقة لمدعين شخصيين أو مدنيين، وآخرين عجزوا عن الوفاء بمبالغ مستحقة للدولة.
وأورد التقرير نماذج لسجناء مضى على سجنهم ما يربو على ال10 سنوات. وهؤلاء يعلقون خلاصهم من مآسيهم على عفو رئاسي أو على إحسان من تجار موسرين.
ويقدر عدد هؤلاء في السجن المركزي بالعاصمة بنحو 350 سجيناً، حسبما أفادت «النداء» سميرة داود منسقة منتدى 17 يوليو لأسر وأطفال السجناء المعسرين.
لكن إبقاء هؤلاء رهن السجن قصد إكراههم على تسليم المبالغ المقضي بها، سواء كانت رداً أو تعويضاً أو غرامة، «لا يمثل اجراءاً قانونياً بأية حال»، على حد توصيف نبيل المحمدي.
وإذ ميَّز بين الحبس الاحتياطي والحبس العقابي، لافتاً إلى أن قانون العقوبات (مادة 39) قرر أن مدة الحبس العقابي هي 10 سنوات، ما لم يكن هناك نص في القانون يقدر مدة اطول للواقعة المجرمة، فقد أكد أن تقرير عقوبة الحبس تجاه المتهم لا يستوفي شرائط صحته الدستورية والقانونية، «إلا إذا كان بموجب حكم قضائي صادر عن محكمة مختصة (…) وفي عموم الأحوال يجب ان تكون مدة الحبس المقضي بها لا تتجاوز الحد الأقصى (10 سنوات)».
وبالإشارة إلى نص المادة (494) من قانون الاجراءات الجزائية، الذي أوجب ان يتم تنفيذ الحكم المقرر لعقوبة الحبس في المنشأة العقابية بناءً على أمر صادر عن النيابة العامة يتضمن بيان مدة الحبس المقضي بها، وإلى المادة (495) التي توجب الإفراج عن المحكوم عليه في اليوم التالي لليوم الذي تنتهي فيه مدة حبسه، فإن بقاءالمحكوم عليه رهن السجن بعد انقضاء مدة الحبس يخالف «مقتضيات مبدأ الشرعية (…) ولا يمكن البتَّة أن يتوافر على ما يسوِّغه من نصوص القانون» يقطع المحمدي.
وفي تصريحاته لـ«النداء» نبه المحمدي إلى أن بقاء المحكوم عليه رهن السجن بعد انقضاء مدة الحبس المحكوم بها «جريمة موجبة للعقاب».
وإذ أشار إلى نص المادة (197) عقوبات، الذي يقرر عقوبة الحبس مدة لا تزيد على 3 سنوات فضلاً عن العزل من الوظيفة تجاه الموظف الممتنع عن الإفراج عن سجين بعد انقضاء مدة حبسه، فقد أكد: «لا يمنع من استحقاق الموظف للعقوبة المقررة أن يكون الحكم قد قضى بتتمة استحقاقات مالية تجاه المحكوم عليه»، وتابع مفسراً: «ذلك أن استيفاء هذه المستحقات انما يتم وفقاً للآلية التي حددها قانون الاجراءات الجزائية (مادة 479) الذي يقرر بأن استيفاء الحقوق المدنية المقضي بها في الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجزائية، يجب أن يتم وفقاً للآلية المحددة بقانون المرافعات».
ويواصل: «كما أن نص المادة (518) من قانون الاجراءات يقرر بأن تحصيل الأموال العامة المحكوم بها يتم إما وفقاً لأحكام قانون المرافعات أو بموجب احكام قانون تحصيل الأموال العامة».
وفي حال لم تكن أموال المحكوم عليه كافية للمبالغ المقضي بها، يستدعي المحمدي المادة (520) من قانون الاجراءات التي توجب توزيع ما يتحصل منها على المبالغ المستحقة للمدعي الشخصي أو المدني أولاً، ثم على المبالغ المستحقة للدولة.
وبدلالة الاقتضاء لمدلول هذا النص -يخلص المحمدي- يتأكد بأن محل التنفيذ بالنسبة للمبالغ المحكوم بها «إنما هو الذمة المالية للمحكوم عليه لا حريته، وإن التنفيذ لا يكون إلا بمقدار ما تحتويه هذه الذمة من أموال قابلة للتنفيذ عليها».
وإزاء توصيف حالة استمرار المعسرين محبوسين، شدَّد على أن الحبس في هذه الحالة لا يمثل حبساً احتياطياً مقرراً من الجهة المختصة، ولا يعد حبساً عقابياً مأموراً به قضائياً تنفيذاً لنص عقابي، بل هو إجراء مبتدع من قبل القاضي الصادر عنه هذا الحكم».
وبشأن ما يجوِّزه نص المادة (523 -اجراءات) للنيابة العامة من تنفيذ «الإكراه البدني» للمحكوم عليه بمبالغ مستحقة للدولة مقابل اسقاط هذه المبالغ، أفاد المحمدي بأن الحبس المقرر بهذا النص يختلف تماماً عن الحبس الذي يخضع له المحكوم عليه كعقوبة سالبة للحرية، «فالأول حبس تنفيذي بدلي لا حبساً إكراهياً غير قانوني»، موضحاً بأن الحبس الإكراهي لم يرد تقريره بقانون الاجراءات، ولا يسقط شيئاً من المبالغ المحكوم بها، «بينما نجد أن الحبس (التنفيذي البدلي) هو بمثابة استيفاء للمبالغ المحكوم بها للدولة وذلك بواقع 100 ريال عن كل يوم حبس».
وتابع: «علماً بأن هذا الحبس (البدلي) لا ينفذ تجاه المحكوم عليه إلا في حدود مدة لا تزيد عن 6 شهور، وبمقتضى أمر صادر من قبل النيابة العامة حسبما هو وارد بنص المادة (526- اجراءات).
إلى ذلك تلقت «النداء» نسخة من رسالة من السجناء المعسرين تناشد القاضي عصام السماوي رئيس مجلس القضاء الأعلى وأعضاء لجنة تفقد أوضاع السجون والسجناء، «إيقاف مصادرة حقوق مواطنتنا والاستهتار بآدميتنا، والإفراج الفوري عنا وفق نصوص الشرع والقانون».
وجاء في الرسالة: «انتهت فترة العقوبات المحكوم بها (علينا) في الحق العام (لكن) سنوات السجن تضاعفت ووصل بعضها (إلى) عشرات السنين على ذمة الحق الخاص».
واتهمت الرسالة النيابات العامة برفض إحالة ملفات (المحكومين) إلى اجراءات التنفيذ المدني فيما يخص الحق الخاص.
وتطرقت إلى معاناة أسر السجناء المعسرين، ونبهت إلى أن العديد من هذه الأسر تتعرض لشتى الأخطار جراء فقد عائليها، وباتت عرضة للاستغلال في سوق الجريمة. مشيرة إلى أن فداحة مأساة بعض السجناء بلغت حد أن أبناءه لحقوا به إلى السجن جراء حياة الضياع والتشرد.