عن كاسيت «شابعين» لفهد القرني.. موهبة كسولة..

عن كاسيت «شابعين» لفهد القرني.. موهبة كسولة..

– المحرر الثقافي

(1)
خرجت الانشودة الاسلامية في اليمن من رحم المعاهد الدينية قبل أن تصبح الأخيرة عرضة لزحف قوانين وتشريعات عملت على دمجها بالنظام التعليمي العام. مثلت الانشودة حينها صوت تلك المعاهد وإعلامها الناطق باسمها وبهويتها. كما جاءت انطلاقاً من تسميتها، موازية لغيرها، انشودة اسلامية على الضد من غيرها، أي المغناة برفقة موسيقى.
في المدرسة التي درست فيها بعض الابتدائية وكل الاعدادية، والتي كانت تحت سيطرة دينية غير رسمية كانت الاناشيد تميزها عن سواها من المدارس الحكومية آن المنافسات الطلابية. وبحكم الظرف السياسي وقتها، ما بين 1982 و1988، لم يكن بوسع إدارة المدرسة الذهاب كثيراً في تلبيس نشاطها الطلابي صبغة دينية تامة. كانت الاناشيد مستثناة من أمر تطبيق الشرط الاسلامي بتمامه عليها. دخلت الموسيقى عليها كنوع من التمويه.
في وقت لاحق خرجت الانشودة من إطارها التعليمي لتصبح سلطة تجارية معروضة في محال بيع اشرطة مسجلة. بقيت ذات الصفة على ما تحمله من مواد ظاهرة تحت مسمى «إسلامي». مع التغيرات السياسية التي حدثت عقب 1990 مايو، خرجت تلك الانشودة من مضامينها الارشادية والتوعوية في اطار كل ما هو ديني محملة بمضامين وموضوعات لامست الاجتماعي والهم العام وتعدته واصلة حدود السياسي وإشكالياته.

(2)
عند الحديث بشكل عام عن ظاهرة اكتساح اشرطة (المنشدين) محمد الاضرعي وفهد القرني لن يكون الأمر منطقياً إذا ما عمدنا فصلهما عن حزب التجمع اليمني للإصلاح ذي التوجه الاسلامي. الشكل الذي يظهران عليه والمساحة التي ينشطان فيها وكذلك الاسلوب الانشادي غير الموسيقي، الذي يعملان عبره، كل هذا مضافاً للوسائل الاعلامية التي تروج لهما.
كل هذا يذهب في لا منطقية أمر فصلنا ذاك. وعليه فالأضرعي والقرني هما منشدان خرجا من عباءة الوعظ والارشاد الديني واصلين ارضية السياسي والهم الاجتماعي على عموميته. هي مساحة تبدو ملائمة لرغبة حزبهما في كسب ارضيات اضافية لصالحه.
فئات أخرى لا تتعدى الحدود التي يسيطر عليها من قبل. تكتيك يعرف مدى أهمية الوسيلة الدعائية في العمل السياسي.
عند الحديث عن انتاج محمد الاضرعي وفهد القرني أميل نحو الثاني لسببين: الاول إغراق الاضرعي في غناء يغلبه الصراخ والتهريجي، فيما الثاني وببساطة يرجع لأمر وصول عمل فهد القرني الاخير «شابعين» للصحيفة وتمكني من الاستماع اليه مما سهل لي أمر فعل سماعات متكررة له عملت على تكوين أفكار انطبايعة أولية نتجت عنها أوردها في التالي.

(3)
عند الحديث عن العمل «شابعين» لفهد القرني لا يمكننا القفز على أمر قيام السلطات الرسمية بمصادرته حال نزوله لنقاط البيع المنتشرة في البلد.
حججهم عديدة لكن هشاشتها لا تقنع بقدر ما تدل على أن مضمون ذلك الشريط، «السياسي» بلغت حداً لابد من إعاقة تطوره.
نقطة تذهب لصالح الجبهة الاعلامية لحزب الاصلاح في مواجهة الاعلام الرسمي. يقترب مضمون «شابعين» من المنشور السياسي، يبدو ظاهراً بوضوح أمر تكفله بمهمة تحريضية ضد الحاكم.
نتذكر هنا فشل الاخير في عملية انتاج اعمال مماثلة هدفت تمجيدانجازات المؤتمر ورئيسه، كان ذهابها في النسيان سريعاً. من ينظر إلى عمق الهم التي تذهب فيه اناشيد القرني يدرك سر ذاك الفشل.
عند الحديث عن انتشار هذا النوع من الاعمال نضع ايدينا على مسألة نزولها إلى الشعبي إلى المواطن البسيط، منشدة بلسانه.
صحيفة «الصحوة» مثلاً أو «العاصمة» وغيرهما محكومة في مساحة انتشارية محددة، في مقابل نسبة أمية واسعة تجعل أمر وصول المكتوب عسيراً. كاسيت القرني يمكنه الوصول بطريقة اكثر سهولة لطبيعته السماعية اولاً، وثانياً للانتشار الجماعي الذي يفعله، من المنازل إلى وسائل النقل العامة والخاصة. حدث ان استمعت لعمل الاضرعي الاخير كاملاً ذات تحرك من صنعاء إلى ذمار.
عند التطرق تحديداً لعمل «شابعين» لفهد القرني يمكننا بسهولة إدراك أمر تكفله بمسألة تمهيد لانتخابات سبتمبر 2006 على وجه الخصوص.
نتكئ هنا على نقطة تركيزه على شخص الرئيس والذهاب نقداً لتصرفات شاعت عنه. في انشودة «على إيدك تعلمنا» تبرز سخرية علم القائد بالفساد الحاصل وأنه «داري بكل واحد» ومع ذلك لا يواجهه بأي تصرف عملي. وفي مساحات اخرى من العمل نلاحظ جيداً امر التنديد بقيام النظام الحاكم واصراره على تمجيد ذاته «وانجازاته» والرد على كل ذلك بمفرده «شابعين» ويتطاول الامر ويمتد واصلاً حدود مجمل اعمال الشريط.

(4)
لكن وإجمالاً تبرز نقطتان: الأولى محتواه تساؤل حول هوية الشخصية التي قامت بكتابة مفردات الاناشيد. لا يمكن لعبارة «إعداد: فهد القرني» المكتوبة على غلاف الشريط أن تقنعنا تماماً أن القرني قد قام بكل ذلك بمفرده. لابد ان في الأمر قلماً متخفاً وراء ذلك.
نقطة ثانية تتركز حول اعتماد العمل بشكل كلي على ألحان لا نصفها بالمقتبسة بل بالمسروقة من اعمال غنائية شهيرة. وهذه سمة جامعة لكل أعمال القرني والاضرعي.
امر احترام الملكية الفكرية يغيب كلية هنا، يتجاوزه لأمر تشويه الاعمال الاصلية المسروقة عنها. في حين تجد السلطات الرسمية هذا الامر سبباً للمصادرة والمنع، نجده نحن رؤية خاصة لدى جهات الانتاج «الاسلامية» تقول بجواز الاخذ من أية اطراف أخرى «تراها كافرة» على اعتبار أن كل ما تملكه مشاعاً وغنائم. إضافة لهذا يقف أمر اعتقادهم جواز استخدام أية وسائل بنية ايصال دعوتهم. تبرز هنا نقطة تعمد اغفال امتداد انتاجهم الذي كان سابقاً بهدف ارشادي وتوعوي ديني قد صار الآن مكرساً لمكسب سياسي بحت.
ومع هذا لا يمكن إغفال الموهبة الصوتية العالية التي يتمتع بها فهد القرني، قدراته الواضحة في ناحة تحكمه بصوته وإذهابه في طبقات متفاوتة وبخفة ملحوظة.
وهنا يبقى واجباً عليه القيام مستقبلاً بانتاجه اللحني الخاص، اعتماده على أية مواهب قد تكون إلى جواره في تشكيل صبغته الخاصة بعيداً عن سرقة حق الاخرين وانتاجهم. صار عليه، ولكل ذلك، التفكير جدياً في مسألة عدم ارتكابه لاية جناية شرعية في حالة إذا ما اقترف التلحين ما دام نائماً على الجانب المضاد لكل ما هو موسيقي.