الروسية آنا بوليتكوفسكايا شهيدة الشيشان – أبوبكر السقاف

الروسية آنا بوليتكوفسكايا شهيدة الشيشان – أبوبكر السقاف

«محطة تشرفليونيا. نقل المعفي عنهم إلى عربات القطار من سيارات عليها حرفا (ام.يو): وزارة العدل. يصور عملية النقل ضابط شاب من الفرق الخاصة في الوزارة وهو من الذين يقو مون بالحراسة.
إذا ما ذكرنا المنظر في هذا الفيديو بشيء فإنه لا يذكر إلا بفيلم من الأفلام التي تصور في معسكرات الاعتقال الفاشية، إذ لا تخطر بالبال أية تداعيات أخرى. ويتصرف على الشاكلة نفسها أولئك الذين ينتشرون على التل القريب من محطة السكة الحديد ببنادقهم الآلية، وتلك أيضاً هيئة الذين يصوبون إليهم بنادقهم. هناك امرأتان بين المقاتلين بملابسهن الكاملة، ولا تبدو عليهن آثار الضرب، خلافاً للرجال، ويجري إبعاد المرأتين حالاً.
أما الباقون فهم من الرجال والمراهقين. كانوا محشورين في سيارات النقل كما في براميل حفظ السردين. كان المفروض أن عددهم 74، وعندما تمت عملية النقل يسمع حديث العسكريين، وذلك خارج إطار الصورة الملتقطة أثناء النقل: ماذا حصل؟ «قالوا إنهم 72 ولدينا هنا 74» في السيارتين.
معظم الرجال خرجوا قفزاً من السيارتين، ولكنهم في حال إرهاق جسدي كبير، وبعضهم ينقله رفاقه. كلهم تقريباً مصابون بجروح، ومنهم من فقد ساقه أو يده. وكانت أذن أحدهم تتدلى فوق كتفه. يعلن العسكريون: «ألا ترى؟! لم تصلم الأذن حتى النهاية!». كثير منهم عرايا وحفاة ملطخون بالدماء. كانت الملابس والأحذية تقذف من السيارتين في عملية مستقلة. يلاحظ الضمور الشديد عليهم.
يوجد بين المقاتلين من لا يدرك ما يجري وماذا يراد منهم، يتحركون كأنهم نيام. بينهم بعض المجانين.
يُضرب الرجال ضرباً غير مبرح. لا يوجد أطباء أو ممرضات. يؤمر المقاتلون بإنزال الذين توفوا أثناء نقلهم، ويضعونهم جانباً. يتكون تل من جثث الموتى بجانب قضبان السكة الحديد.
تنسى تماماً وأنت تشاهد هذه اللقطات أن هؤلاء نالوا العفو، أي أن الحكومة منحتهم الرحمة فساوتهم بالمواطنين الآخرين دون أن تحرمهم من حقوقهم.
تلاحظ حالاً أن العسكريين الفدراليين لا يلمسون الرجال بأيديهم أبداً، بل بأحذيتهم وبماسورات البنادق الآلية. يتقززون. تقلب وجوه الموتى بالأحذية، ويبدو الأمر مجرد فضول؛ إذ لا يفسر أحد المشهد، ولا تجرى عملية تسليم، ولا يتبادل العسكريون أية وثائق، ولا يدور الحديث عن ما يجري، رغم أن التعليقات التي تجري خارج اللقطات تُسمع بوضوح.
يظل تل الجثث المتناثرة بصورة عشوائية ثابتاً في لقطة الخاتمة الطويلة، بالأسلوب المعروف في الافلام التي تصور فظائع الفاشية.
بيد أن هذا زماننا. وكل هذا يحدث لمعاصرينا. لم يخدم لا هؤلاء ولا أولئك عند هتلر، ومعظمهم درسوا في مدارس تعتمد المقررات نفسها.
والآن: لماذا ننشر هذا الكلام؟ حتى نعرف بعضنا بعضا.
كيف أصبح هذا الشريط السري في يد المجتمع؟ من المعروف أن الجميع يعاني بعد الحرب الوحشية: المعذبون والذين عذبوا. كان الضابط الشاب الذي حمل آلة التصوير يشعر أنه في وضع مريح عند محطة تشرفليونا. وعندما عاد إلى منزله (في روسيا) كان مرحاً وهو يعرض فيلماً عن الشيشان، ليشاهده الأقرباء والأصدقاء.
ومر الزمان. صحا وداهمه الرعب، ولا يزال فريسة هذا الكابوس حتى الآن.
إن فكرة نشر هذا الشريط في وسائل الاعلام جاءت منه، فهو يقدر أنه إذا ما تمكن من التخلص من النير الذي يطوق حياته بعد الشيشان «فإنه قد يبقى على قيد الحياة»، من يدري؟ ربما! (الفيديو الروسي: العفو حتى الإبادة الكاملة، صحيفة «الزمان الجديد» العدد 25/955/12-4-14-4/2004. وهناك صور مرعبة من المشاهد التي ورد ذكرها في المقال. توزع الصحيفة من عددي الاسبوع مليون نسخة».
هذه فقرات من مقال نشرته عن مصير المقاتلين الشيشان الذين قالت الحكومة رسمياً إنها قد منحتهم العفو، وذلك بعد معركة كومسومولسك، في منطقة أوروزمارثان في الشيشان، التي جرت في شباط/ آذار، العام 1999/2000، التي هزم فيها الجيش الفيدرالي الروس شر هزيمة. وتذكر الكاتبة أن عائلات المقاتلين لم تعرف شيئاً عنهم حتى نيسان 2004، باستثناء ثلاثة منهم أصبح مصيرهم معروفاً، أي أن مصير 69 مقاتلاً كان لا يزال مجهولاً حتى الحصول على «الفيديو الروسي».
هذا أنموذج من المقالات والمتابعات والدراسات، التي كانت تنشر آنا. كانت تتمتع بشجاعة نادرة وباتساق مدهش في السلوك السياسي، والاخلاص للقيم الانسانية في معترك الأزمات والأحداث الصاخبة. وعندما تطامنت كرامة وكبرياء أقلام العشرات من الصحافيين والكتاب الروس والروسيات في الحرب الثانية في الشيشان (2004) بقيت مع نفر قليل من زملائها وفية لقضية حق تقرير المصير، رافضة وباصرار أبي أن تقع فريسة أعراض مرض الحنين إلى الإمبراطورية، الذي يعاني منه الروس، رجالاً ونساء، إذ يبدو أنه ضرب من التعويض النفسي الذي يدارون به الأزمات التي توالت بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي.
وسأعود إلى الكتابة عنه معتمداً على عمل علمي أصدره الاستاذ ليفادا بعد جهد دام نحو خمس عشرة سنة قام به مع فريق عمل من زملائه وطلابه، عن أعراض المرض، تجنب الحديث عن الحرب في الشيشان.
هذه السيدة صاحبة القلب الذكي والعقل الشجاع وُجدت جثة هامدة عند مدخل العمارة التي تقع فيها شقتها، بالأمس، 7/10/2006. إن اغتيالها جريمة حرب. لقد اجترحت مأثرة خرق صمت العبودية، الذي يفرضه طرفان :الدولة البوليسية، والجماعات الفاشية، التي يقدر عددها بنحو خمسين ألفاً وبعضهم يزين عضده بالصليب المعقوف (رمز النازية المشهور) ومنهم حليقو الرؤوس. وتوصف كل جرائمهم بأنها جنح ولا تحرك الدولة ساكناً عندما يقومون بتنفيذ احكامهم التي أصدروها بحق ضحاياهم ، وهو ما فصلته آنا في مقال كامل يصور قتل فتى شيشاني في 16 من عمره اسمه جمال عادل سلطان (في الأصل جمال عادلسولتانوف). الجهاز الإداري كله بما فيه القضاء شديد التسامح مع هذه الجماعات. ويصر القضاء على أنهم يقتلون دون دوافع ايديولوجية عنصرية، فيما تشهد جرائمهم على عكس ذلك.
أما الدولة الأمنية التي ورث فيها جهاز الأمن الفدرالي لجنة أمن الدولة (ك.ج.ب) المشهورة فإنه قد هدد الكاتبة غير مرة. وقد نشرت مقالاً كاملاً تصف فيه استضافة رامزان قديروف، إبن رئيس جمهورية الشيشان الذي اغتيل في حادث منصة تذكر باغتيال السادات، ليهددها بلغة ملتوية تتسم بقلة الأدب، ويعرض مظاهر جبروته وقوته حتى يرهبها.. وهي التي لا تملك إلا عقلها وقلمها. ومن المعروف أن رامزان إزداد سعاراً بعد اغتيال والده. ولعل اسمه تحريف «رمضان» كما يحدث عادة مع الاسماء غير الروسية، وهذا جزء من «استراتيجيات التسمية» التي تمارسها الإمبراطورية، فمن يسمي الشيء يملكه، واللغة أداة قمع وتدجين وازدراء تضخم ملكوت السيد، فيصبح مجاز «كاد المسمي أن يخلق» حقيقة يتوهمها.
عندما حدثت مجزرة مدرسة الاطفال في بيسلان التي نظمها الراحل شامل باساييف، الذي اشرف على العمليات الارهابية رغم اعتراض الرئيس الراحل اصلان ماسخادوف، قدمت لها المضيفة في الطائرة كوباً من الشاي حال بينها والوصول إلى موقع الحادث. سُممت.
كان الجنود الإنكليز يهربون كلما واجهوا المهاتما غاندي (الروح العظيم). وهؤلاء الجنرالات في أمن الدولة والجيش والسلطة الموالية للكرملين في غروزني يخافون من سيدة نحيفة يوحي مظهرها بالهدوء والرصانة، وبرشاقة تناسب سنها ورصانتها التي تنم عن الاعتداد بالنفس والكرامة التي مدتها بالثبات واليقين علىامتداد نحو عقد ونصف عقد من السنين. لم ينفع الاعتقال ولا التهديد ولا التسميم، فكان الرصاص، الذي حصد أرواح كثيرين من الرجال والنساء في روسيا عند مداخل العمارات، في جرائم تسجل دائماً ضداً على مجهول.
إذا لم يكن أمن الدولة وراء الاغتيال، فإن الاحتمال الثاني وهو الأضعف أنه من «بطولات» الجماعات الفاشية التي كتبت عنها الراحلة في سياق الدفاع عن قضية الشيشانيين العادلة. وقد ذهب ضحية دموية هذه الجماعات مواطنون من أذربيجان وأوزبكستان وطلاب أفارقة وعرب (من ليبيا واليمن) كما اغتالوا أكبر خبير في تاريخ ونشاط الجماعات الفاشية، العالم نيقولاي غيرنكو المقاوم للفاشية، في بطرسبيرغ في حزيران (2004). يقدر التقرير المذكور الذي اصدره ليافادا أن نحو 55٪ من الروس يعلنون عن كره الأجانب، وشعارهم «روسيا للروس» أي طرد ما خلاهم من السكان. ومن هؤلاء 5٪ من الذين يعلنون أنهم مستعدون لممارسة العنف. ويقول التقرير إن مليون جندي شاركوا في الحرب في القوفاز.
وهؤلاء عندما يعودون إلى روسيا يحملون اعراض الحرب الشيشانية، كما كانت حال الأفغان الروس. كما أن الاجهزة التي تمارس القتل العلني والتعذيب الروتيني هناك لا يمكن أن تقلع عنه عندما يعود ممثلوها إلى روسيا.
منحت آنا جائزة أولاف بالمه (رئيس وزارء السويد الاشتراكي الديمقراطي الذي اغتيل وهو خارج من دار السينما مع زوجته) تقديراً لدورها في الدفاع عن الشعب الشيشاني. وأصدر الاتحاد الأوروبي بعد اغتيالها بياناً يستنكر الحادث ويشيد بدورها في الدفاع عن الحرية وحقوق الانسان. وقد ندد اللورد جاد -رئيس وفد الاتحاد الأوروبي إلى الشيشان- غير مرة، بالاختطاف والتعذيب والمعالجة العسكرية المنهجية لقضية الشيشانيين.
بدأ الروس رجالاً ونساءً منذ مساء السابع من هذا الشهر في وضع الشموع وزهور القرنفل عند مدخل العمارة، وسيستمرون أياماً، ويعودون كلما حلت ذكرى ذلك المساء المشؤوم. فرغم كل الحصار النفسي والثقافي والمادي الذي يدمر الروس رجالاً ونساء، وذلك جزء من مثالب الرأسمالية المتوحشة، فإن الشاعر أو الكاتب أو المفكر عندهم لايزال أكبر من شاعر أو كاتب أو مفكر. فهم على منوال شاعرهم القومي، بوشكين، الذي وحد الشاعر والنبي (في قصيدة له مشهورة)، ليضفون عليه سيماء جلال فريد وألقاً خاصاً. ولا بد أن يتحرروا يوما من اعراض مرض الحنين إلى الإمبراطورية، فذلك شرط حريتهم ولن يذهب دم آنا بوليتكوفسكايا هدراً.
8/10/2006