في حضرة صحافة أنيقة.. – جمال جبران*

في حضرة صحافة أنيقة.. – جمال جبران*

(1)
نقطة أُخرى وثانية يكسبها الصحفي جلال الشرعبي. نقطة إضافية في الرصيد، رصيده الشخصي ورصيد الصحافة في البلد.
كانت نقطة من الصومال والآن ها هي ثانية أخرى لبنانية، نقطة جديدة يحرزها في سباقه الذي يخوضه وحيداً إذ ولا غيره فيه. عليه ينافس الشرعبي نفسه، يتقدم عليها ويتفوق. يتضاعف الامر هنا ويزداد مشقة إذ لا شيء يقيس عليه غير خطواته الذاهبة بقوة نحو أمامها.
لا أحد سواه على هذه الرقعة الاعلامية الممتدة جغرافية وزمناً استطاع ان يختط في سياقه المهني اشتغالاً بداخل هذه النوعية من الاعمال الصحفية التي تتخذ من الميدان فضاء لها ومساحة تحرك.
وعندما نتحدث عن الشغل الصحفي الذي قام به الزميل جلال الشرعبي عبر ملفيه المتتالين عن الصومال ولبنان وبفارق زمني بسيط، حينها لا نكون متحدثين عن مجرد صحفي تم تكليفه بمهمة خارجية ليعود منها محملاً بحوار مع السفير اليمني المقيم هناك وإذا ما أحب أو ود زيادة في الاجتهاد أجرى استطلاعاً بين أوساط الجالية اليمنية متحدثين عن الوطن الساكن في القلب وهموم الغربة.
جلال الشرعبي وعبر ما عمله في ملفي الصومال ولبنان بداخل صحيفة «26سبتمبر» أنجز اشتغالاً مغايراً عن المألوف والعادي الحاصل هنا كماً ونوعاً. انفراده بملحق ضام لاربع وعشرين صفحة تحتوي تنويعاً على أشكال العمل الصحفي ولكل ما له وعليه من موجبات ومتطلبات.
 
(2)
عندما واجهنا جلال الشرعبي قبل فترة قليلة فائتة بملفه عن الصومال والمشغول بحرفيه مُعمرٍ في الاشتغال الصحفي وبروح شاب أيامه البيضاء ما تزال مفروشة قدامه، عندما واجهنا بذلك وهو البعيد عن العمل الصحفي اليومي، النائي بنفسه عن حراك المهنة المحلي النكهة الضاج والمراوح مكانه، اكتشفنا فجأة كم أن الشرعبي بداخل المهنة تماماً، كم أنه مشغول حتى آخره بتطوير أدواته وآلياته ممرناً إياها على الحراك في مساحات أوسع والصعود إلى مرتفع معين له على النظر في البعيد.
في ذاك العمل المتقدم والبارز أظهر جلال الشرعبي ليس مهارات الصحفي المحترف بكل ما تذهب إليه هذه المفردة في مداها وحسب، بل أظهر دراية وإلماماً بتفاصيل ذلك الحاصل والدائر على جغرافية القرن الافريقي والصومال تحديداً. كان الـ«وريا» جلال الشرعبي، حد تعبير الزميل نبيل الاسيدي، صومالي الهوى والمعرفة، المهتم والمهموم بما يعتمل في البلد هناك، ظهر كمن يحمل جنسية أخرى، وهوية أخرى وانتماء في أبعد حدوده وصوره. قدم لنا الصومال مختصراً بين دفتي ملف، حاضره والظروف التي أدت إلى وصول عربة السياسة فيه إلى نقطتها الآن. بان لنا جلال الشرعبي كشبكة علاقات تمسك بمختلف أطراف اللعبة الصومالية بين تشابكاتها. أكثر من مجرد صحفي، ظهر الشرعبي منتمياً لطبقة السلك الديبلوماسي وممتلكاً مهارات أصحابها الأصليين.
وعبر ملف الصومال الذي قدمه لنا طرح الزميل جلال الشرعبي ان الرغبة في انجاز عمل غير مسبوق على الصعيد الصحفي لا يمكن ان تتعثر تحت مبرر العامل المادي الداعم ما دامت الامكانية البشرية متوفرة ويثق صاحبها فيما يمتلكه منها. لم يتوقف عند حدود المؤسسات الاعلامية المدنية لكنه تقدم مقترحاً مشروعه على مؤسسة عسكرية تهتم بالتوجيه المعنوي والتي استطاعت استيعاب مشروعه والمساعدة على بلورته ليصبح واقعاً ملموساً وهو ما كان.
لكن وكما جرت العادة لابد، ومع كل عمل مماثل لما فعله الشرعبي أن تظهر العين المبدية لكل نقص والكالة عن رؤية المساحات البيضاء الشاسعة فيه. مثال فقط هنا، قيل: «هي الصومال» لم يفعل جلال الشرعبي معجزة ولا عملاً متقدماً يستحق من أجله الثناء والاشادة»..ويأتي انتقاص العمل هنا موازياً ومتوافقاً مع انتقاص البلد ذاتها، الصومال. هي عادة جُبلنا عليها وتسايرنا كرفقة فصل دراسي وطريق.
 
(3)
لكن ولا حقاً، قرر جلال الشرعبي الاتجاه صوب الضفة الاخرى من الجغرافيا. التقدم عالياً نحو لبنان، نقطة الحرب المشتعلة حينها، لبنان بكل ما فيه وما عليه، البلد المتحرك دائماً وفي كل وقت ، المتجدد فوق ذلك المرصود بألف ألف عين مراقبة ومحللة وناقلة في صراع شرس مع عامل الوقت والزمن.
وعندما وصل جلال إلى هناك كانت لبنان وقتها وبحسب تعبيره وكأنها محتلة من قبل صحفيين ووكالات ابناء وقنوات عالمية.
وكأنني أسمع أحدهم يقول وقتها حال وصول الشرعبي إلى هناك: «وماالذي أتي بهذه اليمني إلى هنا؟!». إذ يبدو تمام المهمة مستحيلاً والطريق غير معبد كما ومشغولاً ومزدحماً، ليس فيه موطئ قدم لصحفي يمني شاب يود إنجاز ما عليه وبامكانيات تكاد لا تذكر مقارنة بذلك الموجود في المحيط.
إلا أنه عاد لنا بالكثير وفوقه ما يفيض. ليس لهفة المحتاج هو قولي هنا، استكانته والاقتناع بالقليل الموجود. عاد جلال الشرعبي بعد أن أنجز ملفاً إذا ما تفهمنا وطأة عامل الزمن وثقله وتأثيره على المادة الصحفية لوجدنا أنفسنا في مواجهة عمل صحفي ألم أو كاد باطراف الحاصل في لبنان وأوليات مسبباته، لم يتوقف عند عنوان الملف الذي أنجزه والمعنون بـ«لبنان.. حرب ال33يوماً» بل زاد عليه قصصاً ورؤية للمكان وأهله، ما كان ممهداً للحاصل الآن وتبعاته، كلام الشارع موازياً لكلام في لقاءات مع أهل السياسة.
مع ملاحظة تخصيص مساحة محددة فقط بداخل صفحة مع السفير اليمني في لبنان، لأنه خارج إطار المهمة وليس داخلها، لا يقع ضمن اهتمام قارئ يمني الآن فالمطلوب عين محلية يمنية خالصة ترى لبنان وما يحدث فيه.
 
(4)
بالطبع هناك العديد من الملاحظات والنقاط التي يمكن أخذها على العمل، الأول الصومالي، والأخير اللبناني، وهذا طبيعي، بل على العكس، ربما لا يحتاج جلال الشرعبي لكل الكلام الذي جاء عاليه ومثله في أماكن أخرى بقدر حاجته، وهو يعلم هذا جيداً، لمكامن القصور فيما أنجزه وسعى لاظهاره وحسب طاقته في أجمل صورة وهيئة. لكن هنا وفي هذه الكتابة المقتضبة عن جلال الشرعبي وعن ما قام بانجازه نكتفي بالتحية ورفع القبعات وماعداه سيكون لاحقاً ومكتوباً بروية واستفاضة. هي تحية هنا فقط لعمل يستحق التحية وأكثر منها، لعمل منجز عبر ذهنية وأدوات شابة يمتلكها جلال وسواه، لو تركت لها فقط إمكانية التحرك والشغل في هذا البلد لا شك أنها ستفعل وتنجز الكثير والكثير.
نقطة لاحقة
اهتم الزميل جلال الشرعبي أثناء تنفيذ ملفيه السابق ذكرهما بإبراز اسم المخرج الفني طارق السامعي على غلاف الملفين وبالموزاة مع اسم الشرعبي ذاته.
كسب جلال هنا بمهنية عالية نقطة أخرى وهو يقول أن العمل الصحفي لا يكون مكتملاً إلا إذا توافق فيه أطراف العمل. كان جلال الشرعبي هنا مدركاً أن ما أنجزه من شغل صحفي أنيق على الأرض ما كان له أن يأخذ ظهوره اللافت إلا عبر أنامل مخرج فنان وأنيق مثله.
 
* كاتب من أسرة «النداء»