عبدالباري طاهر يتساءل: لماذا فشل المشترك في الانتخابات اليمنية؟!

عبدالباري طاهر يتساءل: لماذا فشل المشترك في الانتخابات اليمنية؟!

للمرة الأولى تشهد اليمن تنافسا حادا وجديا على منصب الرجل الأول في اليمن. ففي ال 20 من سبتمبر الماضي تنافس الرئيس صالح مع فيصل بن شملان إضافة إلى ثلاثة منافسين آخرين. وتزامن ذلكم مع انتخابات المجالس المحلية، وهي في اليمن محدودة الصلاحيات، ولا تصل إلى انتخابات المحافظ ومدير الناحية، وتخضع كلية للمركز.
لم تكن المفاجأة في فوز صالح، وإنما في النسبة (77%) التي تتفوق على الأمية في صفوف الرجال وتقترب من نسبة الأمية في صفوف النساء اللاتي انحزن لصالح بسبب موقف الإصلاح، أهم أحزاب المشترك، من قضية المرأة وتلويح صالح بالحرب الأهلية والإرهاب في حال فوز خصمه. لقد تطرقت المعارضة السياسية عبر بياناتها المتكررة، وخطابها السياسي، وتحليلاتها في صحافتها، إلى العديد من أسباب الفشل، وألقت بالتهم -كدأب المعارضات العربية- على الآخر، وهو هنا الرئيس وحزبه (المؤتمر الشعبي العام). والواقع ان الكثير مما قالته المعارضة (أحزاب اللقاء المشترك) صحيح. وهي هنا لفيف من ألوان الطيف المجتمعي والحزبي: مشايخ، وتجار، وعمال، ومزارعون، ومهنيون، ومؤسسات مجتمع، إضافة إلى الأحزاب الرئيسية: الإصلاح، الاشتراكي، الناصري، اتحاد القوى الشعبية، والحق.
بل ربما إنها لم تقل كل تلكم التجاوزات والخروقات، وحتى الاعتداءات والتلويح بالفتنة الأشد من القتل.
لقد نظر المراقبون -خصوصا الأجانب- إلى القتلى السبعة وعشرات الجرحى في المعركة الانتخابية، وكأنهم وسام على صدور الانتخابات في بلد يفاخر حكامه أو يفيدون من أميته المدججة بالسلاح، والتي تلف بجلبابها الأسود ما يفيض عن ثلثي السكان.
أشارت المعارضة حد الإملال لتجاوزات وخروقات حزب الحاكم. ولم تشر ولو مرة واحدة للأخطاء والقصور من جانبها.التجاوزات والخروقات من حزب الحكم تصل حد البداهة ويصعب على حزب الحكم الفوز بدونها. فالسلاح والأمية والمال العام وتحشيد الوظيفة العامة، والتهديد بالحرب، أسلحة أساس في المعركة ولكن السؤال الحارق: وما هي أسباب الفشل الآتية أو الكامنة في أداء المعارضة؟!
معروف ان المشترك ائتلاف عدة أحزاب متعادية ومتنافرة وتمتد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وما بينهما فتجمع الإصلاح أقوى ” أحزاب اللقاء المشترك ” يضم مشيخة حاشد أقوى وأهم القبل اليمنية بزعامة عبد الله بن حسين الأحمر. كما يضم رجال أعمال مهمين محفوظ باشماخ رئيس اتحاد الغرف التجارية. كما أنه يضم التيار السلفي بتلاوينه المتعددة بزعامة الواعظ عبد المجيد الزنداني، وتيار الإخوان المسلمين، وياسين عبد العزيز المقطري، وعضوية جديدة تتسم بالمحافظة ورفض فساد الحكم. كما يضم الحزب الاشتراكي ذو الجذور المزيج من القومية والماركسية والعلمانية بشكل عام، والاتجاه القومي: الناصري، والتيار الزيدي: اتحاد القوى الشعبية الأقرب لللبرالية، وحزب الحق. وإذا كان الإصلاح اقرب للتيار السلفي “السني” فإن حزبيْ الحق والقوى الشعبية اقرب للتيار الشيعي العقلاني والمستنير. بينما يجنح الاشتراكي والناصري للاتجاه العلماني بمعنى من معانيه. ويبد وانه إضافة إلى وثيقة دم الشهيد المفكر والفادي جار الله عمر الذي اختط بدمه وثيقة هذا اللقاء والذي قتل وهو يسطر وثيقة قيامه فإن فساد السلطة واستبدادها هي الأرضية ” الصالحة ” والبيئة الخصبة لتوليد معارضة من كل ألوان الطيف المجتمعي والسياسي.
 وإذا كان فساد السلطة واستبدادها الصانع الأعظم للقاء الإخوة الأعداء، فما نصيب خلافات الماضي بين هؤلاء الفرقاء على الأداء في الانتخابات، وحتى الخلافات والتباينات داخل هذه الأحزاب خصوصا في رؤيتها للانتخابات وموقفها من الرئيس؟ فالشيخ عبد الله الأحمر ليس مجرد شخص عادي حين يقول انه إلى جانب صالح، في حين يقف أولاده أو بعضهم على الأقل ضده. فما أثر ذلكم على الموقف القبلي وعلى تركيبة الإصلاح الداخلية؟ وكذا عندما يلوذ الزنداني بالصمت تاركا للتيار السلفي الاختيار وهو تيار ملتزم بالولاء لولي الأمر، ويعتبر طاعته من طاعة الله ورسوله، ويفسق التمرد عليه وعصيانه. وهذان التياران القبلي والسلفي ركنان ركينان للإصلاح. وعندما ينشط عضو قيادي في الإصلاح في اتحاد الغرف التجارية هو محفوظ باشماخ ويمارس إلى جانب عضو في الاشتراكي على التجار ضغوطا تصل حد الإحراج فإن خللا كهذا لابد وان يدرس وتستخلص منه الدروس للمستقبل.
إما الاشتراكي فإن احتفاظه بتيار “إصلاح مسار الوحدة” الذي افشل أو أعاق محاولات الحزب التحول إلى حزب الدائرة الانتخابية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع منذ ما بعد حرب 94، هو الآخر يتحمل مسؤولية الإخفاق في هذه الانتخابات. فقد نشط التيار في المحافظات الجنوبية والشرقية وخصوصا مدينة عدن لتحريض الناس ضد الانتخابات.
وعمل من هذا النوع لا يخدم قضية المشترك ولا يعزز التوجه الديمقراطي للحزب، ويصب في خانة المؤتمر،
ويقينا فإن انشقاقات في صفوف الناصري القديمة والتي ليست بالبعيدة عن السلطة، ووقوف بعض قيادات من حزب الحق والاشتراكي إلى جانب الرئيس، كلها قد أثرت على النتيجة، والنسب غير المتوقعة.
ثم ماذا يعني ان يقوم المشترك -عبر البيانات والمؤتمرات والتصريحات والصحافة الحزبية- بإقناع الناس بتزييف الانتخابات قبل بدئها، ألا يفُت في عضد الناخبين؟!
ألا يقنعهم بعدم جدوى المشاركة ان لم يكن تحريض غرائزهم للتصويب للمضمون فوزه في ظل أمية أبجدية ومعرفية غالبة؟
 وللمرة الأولى يتنافس الإسلام السياسي (الإصلاح)، مع الحكم ما اثر ذلكم على كوادر تربت وتدربت غير بعيد عن الحكم ان لم يكن تحت عباءته؟!
إلقاء التبعة بالمطلق على الحاكم وحزبه فيه شيطنة للآخر وتبرئة للذات، بما لا يخدم الحقيقة والحق؛ فهذه الأحزاب المعارضة بأمس الاحتياج لدراسة تجربتها، ولقراءة المزاج العام للناس، وتعويد أعضائها على القبول ببعضهم، والتعود على التعاون السياسي المشترك. والاهم، ومنذ البدء المطالبة بإصلاح جداول القيد، والنظر في جدوى الدائرة الفردية، وأهمية حياد اللجنة المشرفة على الانتخابات في كل المستويات. والاهم: القبول بالمرأة ومشاركتها، وبالأخص من قبل التجمع اليمني للإصلاح.
وأخيرا من حق اليمنيين ان يفرحوا ان الانتخابات قد مرت دون حرب، وكان السيناريوجاهزا فعلا. ومن حق المراقبين ان يستغربوا ان القتلى اقل مما توقعت الحكومة والمعارضة.