في صنعاء – سامر أبو هواش*

في صنعاء – سامر أبو هواش*

 

 

– (إلى نبيل سبيع وأحمد سلامي وعلي المقري)

كيف أفهمهم هذه المعادلة البسيطة: أنا شخص غير مولع بالسياحة. هناك البشر الذين يحبون الجبال والوديان والحارات والأبنية التاريخية، وهناك من لا تثير فيهم هذه الأشياء أي شعور. ربما كان موقفاً “أيديولوجياً” من قبلي، أنا الذي أتشبث بحبي للمدينة الحديثة، بتشابكاتها وعلاقاتها وإيحاءاتها وجمالياتها، ولا يعنيني كثيراً مشهد بيت أو أثر عمره آلاف السنين. أحب الزجاج والمعدن والبلاستيك والأسفلت والسيارات الحديثة وما إلى ذلك من مواد وأدوات يتشكل منها المشهد المديني المعاصر. في العاصمة اليمنية التاريخية صنعاء، يشبه ذلك أن تكون مدخناً بين حفنة من اللا مدخنين أو العكس، بحيث تشعر حين تقول إنك لا تتحمس كثيراً للذهاب في رحلة من ثماني ساعات، ذهاباً وإياباً، فقط لترى قمة جبلية ما، وودياناً زرعت بالبيوت القديمة، بذلك الاستهجان العميق، وكأنك استعملت كلمة “زنجي” في أميركا ما بعد التمييز العنصري. عليك أن تكون باطنياً في مشاعرك تجاه الأشياء القديمة، لأن الأمور قد تحمل على غير محملها، فيفسّر نفورك من هذا “التاريخي” نفوراً من المدينة نفسها، وعدم رغبتك في الرحلة الملحمية، تجنباً لمرافقة الجماعة، لذا تروح تنتقي العبارات، وتخترع الحجج. لكن، إذا كان الأمر كذلك حقاً، فما الذي جئت تفعله، في مدينة كل ما فيها ينطق بالتاريخ؟ ببساطة، جئت لكي تشارك في مهرجان شعري، “ملتقى صنعاء الثاني للشعر الجديد”؟ ينبغي، من حيث المبدأ، أن يكون هذا سبباً كافياً.
ينبغي أن أشير إلى أنني ولدت ونشأت في مدينة أثرية. تلك القلعة التي تدهش السائحين، ويروحون يلتقطون الصور فيها وأمامها، كانت حرفياً ملعب طفولتي، وتلك الأزقة التاريخية ببيوتها القديمة، ليست “شاهدة” على حيوات مضت، بقدر ما لها استعمالات عملية، سوى التأمل والنظر، كان تكون البيوت للسكن، والشوارع للانتقال، وما إلى ذلك. ذلك السقف الخشبي في بيتنا في صيدا القديمة، الذي يمكن أن يثير دهشة سائح أوروبي، هو نفسه الذي يرشح ماء في الشتاء، وتلك الأدراج الحجرية المتآكلة، هي نفسها التي تسببت بوقوعي وأذيتي مرات عدة. يختلف الأمر إذاً بين السائح والمقيم. حاملاً كاميرتي الحديثة في حارات وأزقة “باب اليمن”، السوق القديمة في صنعاء، كنت أشعر غالباً بالخجل. رأيت نفسي في ساكني المكان، الفقراء بغالبيتهم، طفلاً. ورأيت في نفسي الآن واحداً من أولئك الأجانب اللطفاء المبتسمين أمام مشهد بؤسي وفقري، وهم يلتقطون صوري فخورين بأنهم حصلوا على ما يكمّل روح المكان، ذخيرة كافية يعودون بها إلى أصدقائهم وأهلهم في مدنهم الحديثة، ما يثبت أنهم كانوا هناك، في حضرة التاريخ وأهله الغرباء. شعرت بتلك القرابة مع أطفال باب اليمن الفقراء. وحين كان يشير إلي فتى جالس يخزّن القات مثلاً، بحركة واحدة، أنه غير راغب بألا تلتقط صورته، كنت أفهم ما يعنيه، وأكاد أعتذر منه على تطفلي غير المقصود هذا، وأمضي وفي رأسي تتردّد العبارة نفسها التي تتردّد في رأس الشاب: “يا له من سائح أخرق”. فتيان آخرون، وعجائز في بعض الأحيان، احترفوا لعبة السياحة، فهي تشكّل مورد رزقهم. أسأل فتاة صغيرة ما إذا كانت تقبل بأن أصورها، فتوافق على الفور، وبعد أن أنتهي تسألني، بجدية اعتيادية، عن الأجرة، وكأنها هي من التقط لي صورة، لا العكس. تحويل البؤس إلى مادة سياحية، يجعل الوجوه والأجساد اليمنية بأزيائها الرثة، مادة للبيع، تماماً ككل شيء قديم يحمل أثر الأزمنة الماضية. البؤس هو جزء من تشكيل المكان الصنعاني، حتى تشعر أن ثمة سياسة منهجية ما تحرص على الإبقاء عليه، كنوع من الاحتفاء بالمكان أو إضفاء القيمة الخاصة عليه. تماماً كما في الأساطير، المكان برمته، إله جبار خفي لا يشبع من الأضاحي. فقراء صنعاء، هم أضاحيها الحية، وفي كثير من الأحيان لا يحتاجون إلى من يضحّي بهم، فهم بتمثّلهم المكان يضحون بأنفسهم طوعاً.
 
 البحث عن اللوحة
 هناك شاعرة بكت وهي تكتب شيئاً ما يتضمن هذا التاريخ، ولم أفهم ذلك. لا أفهم أولاً كيف يكتب شخص شيئاً وهو في قلب المشهد، ولا أفهم ثانية كيف يمكن أن يبكي. البكاء، كالضحك، يغني أساساً عن الكتابة التي هي، بالنسبة إلي، فعل تمثيل الأشياء، لا عيشها، أو بكلام آخر، اجتراح حياة موازية لها، انطلاقاً من أنه حتى الصورة، متحركة أم ثابتة، تصبح، ما إن تتحقق، حكاية أخرى تختلف عن الأصل، بمقاييس هائلة أحياناً. في باب اليمن، أنا وأصدقائي الشعراء، عزيز أزغاي وعبد الله السفر ومحمد الحرز وجهاد هديب، الذين أمضيت معهم الكثير من تجربتي اليمنية، كنا نبحث عن اللوحة. شيطان الكاميرا استحوذ علينا وقاد حركتنا في المكان ونظرتنا إليه. مسكة الباب القديم. رجلا البائع الممتدتان خارج الباب. وجه الطفل. هيئة الصعلوك. النافذة. الباب. الضوء. اللون. كلها كانت عناصر لوحتنا المرجوة. ثم جاء مطر خفيف، حمل معه إلى قلبي، حياة أخرى للمكان، قادتني إلى حياتي القديمة في صيدا القديمة. وتذكرت في غمرة ذلك كله وجه أمي، الذي بات قديماً هو الآخر، وكدت أبكي. كم بات وجه أمي بعيداً. عليّ أن أتصل بها فوراً، فكرت، ولم أفعل. بماذا يفيدني الصوت الآتي من مسافات بعيدة. “يرضى عليك” تقول لي أمي حين أسألها الرضى، شاعراً بأنني بت بعيداً عنه، عن الرضى، بُعد العرب الباكين اليوم على أطلال قرطبة. أي لوحة جمالية أبحث عنها إذاً، وقلبي محتشد بآلاف الأسئلة غير المجاب عنها؟ أي لوحة عابرة أريد، وروحي تضج بذاك القلق المقيم؟ “يشفي حنكك”، دعت لي عجوز يمنية، ولم أفهم الدعاء، لكنه كان تعويضاً كافياً لي عن دعاء أمي البعيد.
 
 أرض الهشاشة الواسعة
 لندع جانباً الشاعرة التي تبكي، والشاعرة التي تتعامل مع نفسها كفعالية ثقافية قائمة بحدّ ذاتها. والشاعر الذي يوزّع بطاقته التعريفية أكثر مما يوزّع كتبه. لسبب ما، غالباً وليس دائماً، الشعراء “الجيدون” هم الأشخاص الجيدون في الوقت نفسه، الذين لا يبتعدون كثيراً عن أنفسهم، المسكونون بالقلق، ليس قلق الشعر والإبداع وما إلى ذلك، بل قلق الحياة. أصدقائي هم أولئك القلقون. لا أعرف السبب لكن ثمة قرابة سرية تربطني فوراً بهم. في عيني طالب عبد العزيز ما يشبه الدموع الدائمة، وقصيدته كذلك. عبد الله السفر ومحمد الحرز ينتميان إلى القبيلة المنقرضة نفسها، قبيلة البراءة. علي الحازمي يمشي بثقة وأناقة، لكن القامة المنتصبة لا تخفي شيئاً مكسوراً في الداخل. جهاد هديب لا يحتاج أصلاً إلى قامة، تكفي الرعشة في صوته. زياد العناني الذي تشعر أنه في أي لحظة قد يبدأ بالبكاء ولا يتوقف بعدها. صالح قادربوه الصامت كشك أبدي. يخيفني شكه هذا، لكنني أشعر بصداقته في آن معاً. حسين جلعاد الذي يبدو النسخة الناطقة من صالح، وجهه الصخري يتحول إلى ملمس طفل حديث الولادة حين يضحك أو يحكي. أحمد الملا الذي تعلم الحب وحنان العجائز وتسامح الحكماء. أنظر إليهم وأقول، نحن نعرف بعضنا، نعرف أرواحنا. لا نحتاج إلى أي جهد لنقرأ الملامح، أفكر كلما رأيت واحداً منهم. في لحظة خاصة تسبب بها جمال جبران أقول للقمان ديركي إنني خائف عليه من “النجومية”، من السعي إليها، ينظر إلي بحنان “لا تخف عليّ، أعرف متى أسدّد الكرة”. على الشاشة مباراة برشلونة وميلان، لقمان يؤيد برشلونة، وأنا أؤيد لقمان، ونتفق معاً على حبنا المشترك لحسين بن حمزة وبسام حجار. إنها الكأس الثالثة. “علينا أن نفعل شيئاً ما تجاه بسام”، يقول لقمان، ولا نفعل شيئاً. نؤجّل الأمر كالعادة. علي حبش الآتي من العراق محملاً بالضحك، يبدو أكثرنا عرياً. يبحث عن لجوء إلى اليمن. أريد أن أحتضن رعبه، ضحكاته المستمرة تقول لي ألا أفعل. الضحك يصبح وسيلة للاستمرار في العيش.
كلهم أصدقائي، أشقاء روحي، المقيمون مثلي في أرض الهشاشة الواسعة. كريم عبد السلام، تحول الفندق بالنسبة إليه إلى غوانتانامو، لا لأنه صغير أو ضيق أو لا يتمتع بالتسهيلات الكافية، لكن لأن قلقه وسعيه الشخصيان أكبر من أن يحتملهما المكان. عزيز أزغاي يعرف أنه شاعر مهم، لكنه يعرف أيضاً أن الألم الشخصي، ألم الخسارات الفادحة، أكبر من ذلك. كيف يفهمنا، هو الآخر، هذه المعادلة الصعبة. سوف يعنيه أن يحب الآخرون شعره، لكن لن يعنيه الأمر كثيراً في الوقت نفسه. أصدقائي القلقون يتحولون في الردهة المتعطشة طاولاتها الكلاسيكية إلى منفضة سجائر، إلى ملائكة حقيقيين، بعضهم يغادر جسده وهو جالس ويحلق بين الممرات والغرف وقاعة الطعام وربما يذهب في رحلة قصيرة عبر شوارع صنعاء القديمة، ثم يعود بتنهيدة وابتسامة خافتة ولمعة غامضة في العينين. ملائكة حقيقيون يتحدثون عن الشعر بإيمان غريب. يغضبون من الشعراء التافهين الذين يغص بهم المكان، لكنهم يسامحون ويتسامحون، وتكفي أحياناً علبة بيرة لإرضائهم. “أيتام الشعر” سماهم عبد الله ثابت، وأعجبتني التسمية، لكنه نسي أن يقول إنهم ملائكة أيضاً.
سوف أغادر صنعاء إذاً، وقد نسيت كل الأخطاء التنظيمية الفادحة. سوف أنسى أن ما تحقق للشعر في الملتقى أقل بكثير من المأمول. سوف أنسى المشاريع والأحلام كما الإخفاقات. سوف أنسى التجاذبات، وحساسيات البلدان وما إلى ذلك، لكنني سأتذكر وجوه أطفال اليمن، المنتشرين في عراء المكان القديم، ووجوه أصدقائي الشعراء الملائكة، الذين لا يقلون عراء عنهم، في بلدهم الأثري ذاك الذي يدعى الشعر، الذي نحتاج إلى كاميرا بحجم العالم لالتقاط منمنماته الخفية.

* شاعر وكاتب فلسطيني