مئات السجناء عالقون بمبالغ زهيدة وآخرون بمليارات.. منفى الغارمين

مئات السجناء عالقون بمبالغ زهيدة وآخرون بمليارات.. منفى الغارمين

– علي الضبيبي
«أشا إطلاق سراحي لأني شيَّبت وعجزت داخل السجن يا جماعة الخير!!»، يتودد بها تهامي سجين مُعسر يقبع منذ 16 عاماً في أتون وسراديب السجن المركزي بصنعاء، حيث يستطيع أن يتذكر زوجاته الثلاث وأبناءه، فهو من قرية الكركون، عزلة بني نشر مديرية كعيدنة في محافظة حجة، لكنه لا يعرف من عمره سوى أنه «يحق» الامام، وإذْ تذكر: «وكنت ذاك الوقت راعي بقر».
ذلكم هو السجين عبده شوعي مبروك النشر، أصبح واحداً من اشهر المساجين إعساراً واطولهم عمراً داخل السجن المركزي الذي زج به فيه إثر عودته من السعودية، أثناء أزمة الخليج.
وبينما كان في طريقه إلى المركزي متنقلاً من سجن إلى آخر «قالوا لي في بحث حجة: ادي حق إبن هادي ورحلك» -أفاد السجين. غير أن زملاء قضيته الذين يربون على الاربعين نفراً «جابوا حق ابن هادي» وذهبوا، كما يذكر، ولم يبق معه سوى اثنين، هما: جمال هادي زين وحجري احمد سعيد، اللذان خرجا بضمانات حضورية وافرج عنهما بعد مضي (5) سنوات في ذات السجن.
ويضيف السجين شوعي ذو الشعر المناصف بالبياض والصلع: «حُكِمتُ سبع سنوات ثم طلبت النيابة ضمانة حضورية من صنعاء ولم أتمكن من توفيرها فمضى عليَّ إضافة إلى السبع المحكوم بها تسع سنوات أخرى».
يقول إن القاضي حمود الهتار أصدر حكماً ضده من النيابة الجزائية بصنعاء، و لم يحصل على نسخة من الحكم إلى يومنا هذا. ويضيف متعجباً: «استأنفت» وماذا؟: «لم يتم طلبي إلى الاستئناف».
 

سجين «جنتل» في سجن هائج
وإذا كان هذا السجين مشهوراً بين السجناء كأقدمية، خاصة عند سجناء قسم التوبة، فإن السجين محمد السري لا يقل عنه شهرة بين كل نزلاء السجن وأشاوشته، فما أن سألت شاباً ذا لحية مُقصرة (عرفت مؤخراً أنه شقيق اللاعب الوحداوي أنور السروري): تعرف محمد السري يا صاحب؟ فأجاب: «الله المستعان!! استاذنا كيف ما نعرفوش؟!». السري مشرف في مدرسة الميثاق داخل السجن ومدرس إنجليزي، حيث حصل على الماجستير في اللغة من جامعة جورجيا عام 85م. كان واقفاً في السرداب الطويل الذي يمر فيه السجناء نحو بوابة الزيارات، يتحدث إلى إبنه ماهر ويفصل بينهما «شبك حديدي». بالطبع هذا المكان (أقصد السرداب الطويل) لا يسمح للزوار بالدخول إليه إلا في الحالات الأشد ازدحاماً وأوقات معينة، لكن السري له معاملة خاصة حيث يحظى باحترام الجميع ادارةً ومشرفين وسجناء. فهو «جنتل مان» في مظهره وأخلاقه وفي احاديثه. ما أن رآه مدير التأهيل في السجن الاستاذ يحيى الحيدري، الذي كان مرافقاً لي في جولة استطلاعية داخل السجن بأمر من المدير، ما إن رآه حتى صاح: «هياهه هذا محمد السري يا صحفي». إقتربت منه وودت أن اصافحه، ولكن كيف؟!
نفسه العزيزة وشخصيته المتزنة الهادئة بالإضافة إلى كلامه المؤدب ومؤهلاته العليا، جعلت شعور خجل وحياء ينتابني، فما عدت أشعر أنني اتحدث مع سجين قضى أكثر من 13عاماً بين قضبان هذ السجن الهائج، تحت ذمة مديونية 30 ألف دولار، إثر نكبة قال إنها كُيِّفت ضده بأنها خيانة، وأضاف متحسراً: «لو كنت خارج السجن وبما أحمله من مؤهل لكنت قد سددت المبلغ كاملاً».
وبينما كنا منغمسين في أحاديثنا معه، تذكر -متنهداً- زوجته التي توفيت في 30يوليو هذا العام بمرض القلب. ورداً على سؤال «النداء» عما إذا كان لديه أمل في الخروج، شَخَصَ ببصره نحو السماء وقال بهدوء: «كل يوم ولي فيه أمل. ورسالتي للقارئ وكل من هو خارج السجن: عليكم أن تفكروا بنا نحن إنسان السجن، والدهر لا يأمنه أحد».
وفيما يتعلق بلجان رئيس الجمهورية لإخراج السجناء المُعسرين، قال السري: «لا تفيدنا في شيء وإنما يخرج أصحاب المديونيات الصغيرة والوساطات ونبقى نحن نراوح أماكننا».
 
بذمة مليون فقط
في المطبخ الرئيس حيث الطباخين ومديره الرائد علي القرماني، والقدور الضخمة تفور بالأرز والشربة والطبيخ والدقة في وقت العصر، كان رجل خمسيني ينفض كفيه من تراب البطاطا ليصافحني، تسبقه إبتسامة صامتة مغموسة بالقهر. صالح المحمي، من «خارف» قضى إلى الآن عشر سنوات في السجن، حيث صدر حكم يلزمه بتسليم مليون ريال قيمة سيارة اشتراها من سارق. والآن؟:«أنا سجين بذمة المليون واشقي على أولادي من داخل هذا المطبخ»، أجاب: وبدا مهتماً بإظهار بيانات أخرى عنه تفيد بأنه ميكانيكي، ويجيد أكثر من حرفة. «لو أطلق سراحي لكنت تخلصت من أبو المليون زماااااان»، قال كمن يقدم التزاماً لدائنه.
وعندما سألته أين يسكن أولاده، أجاب: «هنا.. خارج حوش السجن من شق السايلة. وأنا مزوج ثنتين وعندي اثنين اطفال». أمنيته الوحيدة «يرزقني الله واحد فاعل خير يسدد عني المليون واخرج إلى بيتي جري».

صاحب معرض القادسية وأنا
كنت أسمع أن صاحب معرض القادسية الشهير «فلَّس» ولكن لم أكن أتوقع أنه أحد نزلاء السجن المركزي اليوم. لمحت رجلاً يتمشى داخل مغسلة السجن وبيده مسبحة طويلة، فتوجهت إليه حيث فتح ذراعيه وأحتضنني بحفاوة. «هذا التاجر علي الحميضة، صاحب معرض القادسية، وهذا صحفي جاء يزورك يا عم علي» قدمني إليه الحيدري.
جلسنا في غرفة المغسلة حوالي ربع ساعة. دار أغلب كلامه عن أيام «المليونير» وتلك السيارات الفخمة والحديثة التي كانت مثار مباهاة وافتخار عند عشاق الموديلات الجديدة.
وتذكر قائلاً: « عشرين سيارة شبح أخرجتها في موكب الأمير عبدالله عندما زار اليمن في إحدى المناسبات»، وأضاف مؤكداً ولاءه الوطني: «كنت أحد التجار المبادرين مع الدولة ومع الرئيس في أي ملمة، والأن أطلب من الأخ الرئيس يذكرني في هذا الشهر الكريم…؟» وفي مجرى الحديثوافتني ذكرى هالة «القادسية للسيارات»: «هل صحيح يا عم أن الرئيس كان شريكاً لك أو بعض المسؤولين؟»، سألته، فأجاب: «لا تصدقش، لكن شهرة المعرض جعلت الكثير يتكهن بشراكة فلان أو علان».
الحميضة كشف لـ«النداء» أن أكثر من مائة تاجر يقبعون معه في السجن، على رأسهم كما ذكر: عبدالباسط الأديمي-مقاول كبير، وأنيس الشميري- تاجر أدوات طبية، وطارق الوسواس -تاجر ذهب، وعبيد باقيس، وجميل الأسودي، بالإضافة إلى المقاول الأشهر عبدالمولى سعد الأصبحي مقاول مبنى القصر الجمهوري والخارجية الذي أفرج عنه الرئيس مؤخراً وسدد ما عليه من ديون حسب قول الحميضة، الذي اتهم في ذات الوقت أحد القضاة، بقوله: «باع عليَّ (3) سيارات وأخذ ديوني بحجة أنها موردة إلى صندوق المحكمة، ولكن لم نجد في الصندوق سوى مليون فقط، واستلم قيمة سيارتي «بنز» بيده شخصياً، وعليَّ بالإثبات على كل بند من ذلك أو تقطع لساني». الآن صاحب معرض القادسية في مغسلة السجن يعمل مشرفاً، مدين ب(150) مليون ريال تكبدها إثر خسارة معرضه قبل خمس سنوات جاشت أحداثها في صدره فزفر لحظتها: «إيه!!نسيوني!!».
 
أجاب السجن هل من مزيد
خمس خطوات فقط إلى البوابة الداخلية نحو الخارج، وإذا بمجموعة -أغلبهم شباب- ملتزمين طابور ومحملين بطانياتهم والمدير يصافحهم ويدق على اكتافهم واحداً واحداً: كم لك في السجن؟ (7) سنوات، وأنت؟ (8) سنوات… وهكذا يجيبون، كانت أرجلهم ترتجف وأيديهم تهتز وحناجرهم الصائمة بعد العصر تشي بالجفاف، كلٌ خائف من أن يعود إلى عنبره. سألت أحدهم: من أخرجكم؟ أجاب متلفتاً بفرح المتردد: «التاجر الحجاجي، يا خي انا مش مصدق أني شخرج اليوم بعد (8) سنوات.. هذه لحظة حلم».
وبين الدفعة المغادرة بوابة السجن وصلت دفعة جديدة (ثمانية تقريباً) ولجوا علينا إلى عمق السجن وسط ضجيج سجناء كُثر، لكن هذه المرة كنت أنا الذي أرتعش ولساني يتلعثم وأسأل نفسي: ماذا لو نسيني المدير وسط هذا السجن؟ من سيخرجني؟ إذ دخل غرفة صغيرة مع أحد السجناء محلوق نصف رأسه ونصف شنبه ونصف لحيته وبقع الدم على رأسه من أثر الموس «حلاقة طرية» وهو يبكي هناك عند مفترق ثلاثة أقسام حيث يتزاحم المئات من السجناء في حوشين كبيرين يتسمعون الميكرفون ينادي بمطلوبي الزيارة، وكان شاوش جندي يدفع السجناء بيده للتراجع، والتفت نحوي: «وأنت أدخل! ما خرجك؟!»، الله يرحمك يا علي!! قلت في نفسي، وشعرت بالخوف، «ياخي أنا دخلت مع المدير»، فلم يقتنع وأصر على دخولي، يحسب أنني سجين بالطبع، لكن المدير خرج في هذا الوقت فدعاني ثم أمر بإستكمال حلاقة من رأس وشنب الرجل، الذي أوضح لي بأنه مدمن مخدرات حاول تعاطي الخمر في السجن من خلال العنب. في تلك الأثناء اشتبك شاب سجين لا يتجاوز عمره العشرين مع الشاوش، وكاد الأول أن يخنق الثاني لولا تدخل المدير ب «صفعة» أنزلها على وجه السجين قائلاً: «كل يوم تفعل لك حركات ومشاكل!! يالله شلوه المصحة».
كانت القافلة الجديدة تنتظر وتتلفت يمنة ويسرة بعيون شاخصة حيث قسم التوبة الذي يضم الغارمين والمدينين والمعسرين وأصحاب القضايا غير الجسيمة، وإلى الجهة الأخرى حيث قسم آخر وآلاف البشر، كان المدير يسند ظهره إلى جدار مكتوب عليه: «السجن للتهذيب والتأهيل وليس للتعذيب والتخويف»، ثم وجه أمره: «يالله يالله أحلقوا رؤوسهم وادخلوهم» وهم ينظرون إليه بقشعريرة ورعب، وبجواره يقف سجين «أردني» كان يتصل بأسرته في الأردن من الهاتف الشخي لمدير السجن، وعلى يمينه صالة طويلة تتوزع على جانبيها غرف صغيرة كحمامات الجامع يحكمها باب واحد مغلق، مكتوب على ناصيته: «قسم خاص بالتحقيقات ومن هم قيد المحاكمة»، شعور بالرعب والخوف ينبعث من داخلها فيصيبني بالذعر، سألت الأردني الذي قال إنه صاحب مدارس الحسين الأهلية بحدة: كم يستقبل السجن يومياً؟ فرد فوراً: «ويوم نقول لجهنم هل امتلأت فتقول هل من مزيد».
 
وزرت السجينات أيضاً
«أين قسم النساء يا فندم؟» سألته بعد خروجنا من هذا المكان، فأشار: «تعال»، وذهبنا نحو بوابة حديدية خضراء دلفنا منها -المدير وأنا- وإذا بنساء يحملن أطفالاً (رضع)، وبنات في سن الشباب، وصوماليات، وحديقة ألعاب، وزائرات «يتشاقرن» من خلف الشباك من الخارج. توجهت إلى أول غرفة تتوسطها سجينة تسحق البسباس على مسحقة حجرية، وتتضاحك بغنج، سألتها: ما تهمتك؟! فقالت: (…)، فاستحييت وخرجت إلى الصالة واقتربنا من المطبخ ولكن رائحته صدتنا على بعد خطوتين تقريباً.
مريم هزبر (45عاماً تقريباً) سجينة لم نفهم ما تقول سوى أنها من «حزم العدين» وأنها كانت تعالج بالقرآن، ولا أحد يزورها.
 
أسر تقتات الأمل
كان موقفاً مؤثراً اكثر بكثير من مواقف السجن وربانه، عندما وصلت بعد محاولات إلى حيث تسكن اسرة السجين عبدالجبار العصامي، زوجته وطفلاه أيمن وأكرم، في «زغاطيط» صنعاء القديمة بالقرب من باب اليمن. غرفة صغيرة هي كل ما لديهم. سألت أكرم (4 سنوات): أين ابوك؟! فنظر إلى أمه وأجاب: «في العمل»، قالت أمه، وهي استاذة: «هو يحرجني في المدرسة إذا قال في السجن!!».
العصامي مسجون (3) سنوات على ذمة ضمانة على سوداني. وتقول زوجته أنه «مسجون بإسم: عبدالجبار سعد ناجي، فار من وجه العدالة، بينما إسمه الحقيقي عبدالجبار مسعد العصامي»، حيث صدر الحكم عليه من المحكمة العليا وقضى بدفع 16 ألف وخسمائة دولار وبالحبس ثلاثة أشهر مع إيقاف التنفيذ لإلزامه بتسديد المبلغ للمدعي عبدالله القادري، الذي قالت زوجة السجين أنه تنازل خطياً عن المبلغ بعد أن أعطته مائتي ألف ريال، «لكن عبدالجبار مازال مسجون ومحكمة جنوب شرق الأمانة رفضت التنازل، والقادري الآن في السعودية». وذكرت مقهورة أنها أحضرت أكثر من خمس ضمانات تجارية أكيدة مسلمة الدفع من تجار كبار معتمدين (حصلت «النداء» على نسخ منها)، لكن المحكمة رفضت قبولها بحجة أنها غير كافية.
هناك سجناء كثيرون محبوسون على ذمة ضمانات حضورية ومدفوعة، بعضهم وفرها ولكن لم يخرج بعد، لكن اسرة العصامي وطفليه، خاصة أيمن (12 سنة) والذي تلقبه أمه بمحامي الدفاع، هم ضحية متنفذ كبير في المحكمة قريب من الاسرة يقف حجر عثرة امام خروج أبيهم عبدالجبار العصامي، كما يقول محمد سحلول.
لكن زوجته لديها أمل في لجنة هذا العام لإخراجه.
رغم أن منسق ملتقى (17) يوليو لأسر وأطفال المدينين والسجناء، أ/ سميرة داوود، اتهمت لجنة العام الماضي بالتعامل الإنتقائي المقيت، حيث أغفلت اللجنة أصحاب الحق الأصلي «المعسرين» والذين مضت عليهم سنوات، وصبت في صالح أصحاب القضايا الخطيرة والوساطات النافذة. وناشدت في ذات الوقت رئيس الجمهورية ورئيس اللجنة بالنظر إلى اسر السجناء بعين الرحمة والعطف وعدم التأرجح والإنتقاء في عملية الدفع والإخراج. منسقة الملتقى التي لا تكل في خدمة قضايا السجناء وأسرهم، هي الأخرى يقبع زوجها أ/حسن الهتاري في السجن منذ سنوات على ذمة (22) الف دولار تكبدها في خسارة تجارية زجت به في السجن، وهو الآن يحتل شهرة ومكانة لائقة بين السجناء، حيث يتولى إدارة تحرير منشور إعلامي داخل السجن إسمه «المكتبة»، ويشرف على المكتبة الثقافية فيه.
ومن خلال مقابلات كثيرة مع بعض السجناء داخل السجن (وجهاً لوجه، أو من خارج «شبك» الزيارات أو من خلال اسرهم وعوائلهم والأحكام الصادرة ضدهم)، وجدت أن هناك مئات السجناء المعسرين، بل ألوف، بمديونيات تتفاوت بين ضئيلة ومتوسطة (200 ألف، أكثر، أقل من المليون)، وصاحبها قادر على دفعها إن أطلق سراحه للعمل، حيث مضت على بعضهم ثمان سنوات والبعض أقل، بل وبعضهم قضى الفترة المقررة في السجن بموجب الاحكام، بل البعض لم تقرر المحكمة حبسه.
خذ مثلاً: صادق السروري (26 عاماً تقريباً) قال أن عليه 600 ألف ريال، وحكم عليه بالسجن 6 سنوات، والآن يقترب من السنتين مع أنه يستطيع سدادها إذا ما أطلق سراحه، مع أنه لا يعول على لجنة رئيس الجمهورية بشأن السجناء كما أفاد.
وأبو بكر البيضاني (45 عاماً قضى تسع سنوات منها داخل السجن)، ملزم بسداد قيمة 1.5 كليو ذهب بسبب ضمانة على شخص. يقول: «كانت قيمة الذهب قبل تسع سنوات لا تتجاوز 4 مليون ونصف»، وكان عمه باذلاً في حينها دفع المبلغ، لكن المحكمة رفضت بحجة أن ينال التأديب.. وأضاف:« الآن سعر الذهب ارتفع إلى أن اصبح قيمته اليوم 13 مليون وأكثر، وأنا بالطبع لا أستطيع الدفع، خاصة وأنا أعول اسرة فقيرة مكونة من 3 أطفال وأمهم، يسكنون في الحديدة». وعن آخر زياراتهم له قال: «يزورونني خلال ثمانية أشهر، حيث لا احد يزورني أبداً غيرهم، وربما أنت الزائر الوحيد لي منذ شهور».
الرجل طويل القامة، قوي البنية، قال: «دخلت السجن وأنا في قمة الشباب، واليوم رأسي ولحيتي تناصف البياض».
اندثرت قوة بدنه وتلاشت فورة شبابه داخل هذا السجن، ومضت عليه تسع سنوات فيه، افقدته الأمل في الخروج حد اليأس القاتل. يتململ وسط السجن كجمل هائج في بدروم: «إن كان أملي في الله بخروجي فنعم، وإن كان بأوامر ال… ما أركنكش».
البيضاني الذي يعبر عن شعوره كسجين شجاع، صلب، كان رحيماً بزملاء سجنه، خاصة الضعفاء والمسنين والذين أمضوا في السجن 16سنة، كزيد القميحة، الذي قال عنه: «عاجز وغارم، مسكين حالته في تنك»، وعبده شوعي، وصالح الحيمي، ومحمد علي خشب، والسديب، والسري، والشطاري وغيرهم.
وأضاف: «أنا أحسنهم وضعاً وجسماً أما البقية الله يعينهم بس».
وأشار إلى أن هناك سجناء لسنوات بمبالغ زهيدة: «لكن من يخرجهم؟! لا تصدقش لأم اللجان، كذب في كذب، يخرجوا القتلة والمجرمين وأصحاب الوساطات، والمسكين: عندك أحسن لك».
بعض من تلك الحالات اعترف بها رئيس اللجنة الخاصة بالسجناء المعسرين القاضي عصام السماوي، حيث قال: «عندما تشوف واحد ارتكب جريمة بملايين كبيرة، هذا من سيساعده؟ هل تستطيع أن تترك مئات المساجين وتخرج واحد عليه ملايين كثيرة؟!!».
ورداً على سؤال «النداء»: طيب كم سيظل هذا السجين الغارم في السجن؟! أجاب بسؤال استغرابي آخر: «وما رأيك في حقوق الآخرين؟!».
أما فيما يتعلق بمعايير الإختيار والمفاضلة التي تعتمدها اللجنة قال السماوي: «اللجان الفرعية تقوم بمقابلة السجناء أنفسهم وترفع تقارير إلى اللجنة الرئيسية ثم تقوم الأخيرة بدراسة الحالات حيث يكون الافراج وفق ضوابط، منها: أن يكون معسراً بموجب حكم، وأن يكون قد امضى فترة الحبس المحكوم بها عليه، وأن يكون من الشرائح التي تستحق المساعدة، ثم ترفع اللجنة الرئيسية تقاريرها إلى رئيس الجمهورية، ثم يقوم بالإفراج عنه بحسب الإمكانيات المتوفرة والمبلغ المتوفر، الذي يدفع الرئيس بعضاً منه، وبعض المحسنين البعض الآخر». وأضاف:«كلما ارتفع المبلغ كلما استطعنا الافراج عن عدد أكبر».
لكن السجناء لم يقتنعوا بهذا التوصيف، وحتى غير المعسرين بعضهم اعتبر هذه اللجان بمثابة استعراضات، وتشكل حالة من الإحباط عند السجين وبالذات ذو المديونية الكبيرة، حيث يشاهد غيره يخرج وهو قابع في مكانه لسنوات.
 
مقترح مدير السجن
العقيد مطهر علي ناجي مدير السجن المركزي، بدت عليه علامة الحذر من أي تصريح رغم سماحه لي بالتأكد من وضع السجناء بنفسي، وبرفقته هو شخصياً، فكان ما رأيت وسمعت عكس ما يقول بعض السجناء بخصوص المعيشة.
المدير اقترح بخصوص أصحاب المديونيات الكبيرة التي تفوق الملايين، تكوين جمعية من رجال الأعمال والمحسنين تكون مهمتها التقريب بين الدائن والمدين، حيث تقنع الأول بالتنازل عن جزء من المبلغ والتجار يحملون جزءاً والمدين جزءاً، وحتى الدولة، لكنه قال: «أين هذه الجمعيات؟ ونحن بدورنا ماعسانا نعمل إزاء هذه الحالة، خاصة وبعضها تفوق المليار ريال؟!».
 
قانون مُشكل وسجناء مُعسرون
قد يكون الكلام معقولاً بخصوص المديونيات الكبيرة، ومفيداً ذلك المقترح إذا ما فُعِّل، لكن مكوث السجين ثلث عمره ويزيد داخل السجن، يصطدم مع مواد قانونية واضحة، بالذات تلك التي تقضي بعدم جواز الإبقاء على شخص محكوم بعقوبة جنائية في الحبس على ذمة المبالغ المحكوم بها، وبأن يتم الافراج عن المحكوم بالحبس لعقوبة جنائية فور قضاء آخر ذمة مبالغ محكوم بها سواءً كغرامة أو كتعويض أو كاسترداد.
وإزاء ذلك قال رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي عصام السماوي مفترضاً: «قد يكون هذا السجين قام بعدة سرقات وربما الحكم عليه بحسب ما قام به»، لكن سجناء كثيرين واحكاماً كثيرة تفيد بأنه قضى مدة الفترة التأديبية المقررة في الحكم وتجاوزها البعض بضعفها، مع أنه معسر فعلاً.
من ناحيته اعتبر المحامي خالد الآنسي أن بقاء السجين في الحبس بدون أمر قضائي وبعد انتهاء المدة التي حددها الحكم يعد إجراماً ويفترض أن يعاقب عليه المتسبب به.
وأضاف الآنسي: «الأصل أن حبس المدين نوع من الضبط من أجل التيقن من أنه غير قادر على الوفاء بالمديونية التي في ذمته».
المحامي الآنسي اكد على أنه لا يجوز الحبس في القضايا المديونية بما في ذلك قضايا الديون، ولا يجوز جبر المعسر المدين الذي ثبت إعساره على الحبس.
لكن السماوي الذي شدد على الحق الخاص قال: «إن الحق الخاص لا يستبدل بالعقوبة حيث وهناك فوارق بين الحق العام والحق الخاص»، ومع ذلك استثنى اصحاب المبالغ البسيطة بقوله: «يمكن أن يخرج ونتابعه، لكن كيف بالكبيرة؟!».
ويختلف معه الآنسي الذي يقول: «لا يجوز التنفيذ على حبس المدين مقابل المال، ويفترض في نهاية مدة الحبس العقوبة بل يجب الإفراج عنه فوراً باعتبار أنه لا علاقة بين حبسه وبين الدين».
وإزاء بعض هذه المسائل القانونية والتعارض حتى بين القوانين والتطبيق، فإن اشكالات قانونية قائمة في معالجة الحقوق الخاصة، باعتراف رئيس مجلس القضاء الأعلى نفسه، خاصة أمام تلك المادة: «القانون لا يجيز للقاضي ابتداع عقوبة كشرط لسداد المبالغ التي على ذمة هؤلاء المساجين».
والإشكال في نظر السماوي إزاء هذا النص هو في معالجة بعض الحقوق الخاصة معالجة قانونية، حيث أكد على أن الحقوق الشخصية يجب أن تصان، «فأي شخص محكوم عليه كعقوبة جنائية ويرافقها حكم بالحق الخاص بالمجني عليه فيجب ان تراعى هذه المسألة»، وتساءل قائلاً: «من سيعوض المجني عليه؟!».
من ناحية أخرى، وفيما يتعلق بعدم الإفراج عن السجين إلا بعد الافراج عن المبالغ، قال مدير الهيئة التنفيذية للدفاع عن الحقوق والحريات «هود»: «المشكلة أن سلطة القاضي الجنائي تتعدى أحياناً سلطة قاضي التنفيذ، فيما تتمثل سلطته في القضاء بالعقوبة، بتحديد الحقوق والأموال، أما كيفية التنفيذ فهي من اختصاص النيابة العامة فيما يتعلق بالحق العام، وقاضي التنفيذ فيما يتعلق بالحق المدني الخاص».
وبشأن اللجنة المشكلة من قبل رئيس الجمهورية بخصوص السجناء المعسرين، اوضح السماوي ان اللجنة لا تقتصر مهمتها على الجانب المادي واخراج السجناء. وانما هناك جوانب اخرى كالتركيز على أوضاع السجون وأحوال السجناء، حيث ترفع تقارير بذلك إلى الرئيس وقد بانت ثمار هذه اللجنة في الاعوام الماضية، حيث تحسنت أوضاع السجون كما شاهدنا ذلك في السجن المركزي بصنعاء وغيره، حيث المكتبة، ومبنى الخلوة الشرعية التي تقضي على الشذوذ الجنسي.
وقال إن من مهمة اللجنة كذلك أن تطلع على الحالات النفسية والصحية والغذائية والاجتماعية التي يعيشها هؤلاء المحبوسون.