سأخونك أبي.. سينمائياً – أروى عثمان

سأخونك أبي.. سينمائياً – أروى عثمان

درست الابتدائية في مدرسة الثلايا في الجحملية بتعز، وعرجت على مدرسة الكويت، واستكملت ثانويتي في مدرسة أسماء في صالة – تعز.
مدرسة الثلايا، الذاكرة اللدنة، حيث الأزقة الطرية. أعرج من زقاق حافتنا في حوض الأشراف، ومن مسجد “شعرة ” إلى مشروع المياه. نمر من أمام بيت العُبيدي، وبيت الحجاجي، ونعرج من منعطف بيت الربيع، وجبران العنسي، ونصل إلى ميدان الشهداء. قليلاً، وينتصب على يسارنا مبنى صحيفة الجمهورية، أما قبالتنا فيقف المنزل الكبير لزايد شبرين. نصل المدرسة تسبقنا ضحكاتنا المدوية التي لا تتسع إلا لرائحة الأزقة، وجدائل شعرنا المدلاة بشرائط بقايا ثياب أمهاتنا، لا تتسع إلا لطعم الباجية والبطاط مع البسباس، و” بُرادة ” أمي فاطمة في ركن من مدرجات “ميدان الشهداء”.
كان ذلك في منتصف السبعينيات.. حيث العالم يكبر مخترقاً جدران المدرسة، وحصص الدين والحساب والعربي، إلى العالم الأجمل والأكبر الذي تبثه صاحباتي في وقت الحصص المملة، ووقت الراحة، والفيدوس، وهن مزهوات يتواعدن للذهاب إلى السينما ( يسينمين ) ولأول مرة سمعت لفظة سينما منهن.
” سينما النجاح” تعز هذا العالم السحري الذي لم أعرفه إلا من صاحباتي وهن يتحدثن عنه بمتعة منقطعة النظير: أفلام، وأغان، رقصات.. و لم أعرف صور نجوم السينما والفنانين إلا من دفاترهن حيث تلتصق في ثناياها عشرات الصور، وكلمات الأغاني العذبة.
” سينما النجاح ” التي كانت نافذة ثقافية للعالم الخارجي، الفن السابع الذي لم نعرفه حتى اليوم، تذوقته العائلة اليمنية فترة من الزمن، كأنه حلم ولى مع اندثار زمن جميل وطامح.
عالم مواز كنت اسمعه وأطربه مقابل عالمي المحدود الذي لا يتجاوز ما ذكرته سلفاً عن أزقتي الطرية، فعالمي كان لا يتعد “معلامة ” بن حمود -الله يرحمه- في “سوق الصميلـ”، وشارع “26 المدينة” المرتبط بنزولنا له في الأعياد لشراء ملابس العيد فقط. وأخيراً حارة ” شعب الدبا” لأن أبي يملك بيتاً مؤجراً آنذاك.
راودتني نفسي أن أقتحم عالم السينما وأقفز فوق خوفي و” أسينم ” لأرى تلك الوجوه الإلهية للممثلين والممثلات، والمطربين والمطربات، وأخون عقيدة أبي من أن السينما عيب، وما يدخلها سوى (….).
ليس ذلك فحسب، بل وأسجل معجزتي في تقليد الحركات خفيفة الظل لسعاد حسني، وأدندن بنجاة الصغيرة، والأهم أن أرطن الأسماء الأجنبية، وأعلق في ” بوكي “/ دفتري صورة عبد الحليم حافظ، حتى لو كان سراً.
وسط هذا الإدهاش اليومي الذي تمارسه صاحباتي بفنية عالية، أحدق بحركاتهن، وأغانيهن، ضحكاتهن الصاخبة أحدق في العيب الأجمل الذي تقترفه صديقاتي كل يوم، وهن ينشرن الفرح الذي لم نذقه، أبحث عن الخطيئة الأروع وهن يخلقن لنا عالماً مغايراً، عالماً جميلاً افتراضياً، لا يتحقق إلا في الفن السابع.
 
ثقافة الشطب
لقد ضاعت، وشطبت مني أحلى سنين طفولتي، في أن أعتب دار سينما، و” أسينم ” وألفظ أسماء: سعاد حسني، وميرفت أمين، وشاكا، ودارا مندرا، و..و.. الخ، ويتواصل شطبي بإصرار وتحدٍ حتى الألفية الثالثة. وجر هذا الشطب الجبار طفلاتي فهن لم يذقن حلاوة أن “يسينمن”، أن يدلفن ذات يوم إلى دار سينما، ويشاهدن فيلماً مثل بقية خلق الله حتى في بلاد طالبان.
 
كم يلزم؟
إذن سبعينيات القرن الماضي كانت حافلة بالفن والثقافة والفكر، بالحرية والانطلاق، والجرأة، والملبس الآدمي، حياة حافلة بالمعاني الإنسانية الجميلة، ولو استمرت حركة التطور، كيف كانت ستكون حياتنا الآن.
وفي ظل هذا التردي، وهذا الانحسار المخيف والمخجل، لحياة عصرية، مدنية، كم يلزمنا من عقود من الزمن لأجل أن نسترد لحظة من لحظات المدنية في السبعينيات؟ كم يلزمنا من اعتذرات للمدن التي استبيحت نهاراً جهاراً جراء جرأتها ومطالبتها بأن تكون على قدر الاسم الذي حملته (مدينة)؟ كم يلزمنا من جلد الذات لما اقترفناه ضد الفن السابع، ضد غنائنا، ورقصنا، ضد إنسانيتنا التي تخلينا عنها في غمضة عين تحت مبررات الجنة والنار، والتقاليد، ضد ما ارتكبناه من جرائم في حق سينما النجاح، وسينما حدة، وهَريكن، وسينما الحرية، و23 يوليو، والمنتزه، بلقيس.. الخ، وتحويل معظمهن إلى ماخورات، وإلى صالات أفراح بدون أفراح، وأعراس بدن أعراس عدا ( أعراس ديمقراطيتنا وانتخاباتنا) وأخيراً كم يلزمنا من الوقت لأن نتمدن؟؟؟؟

مدن الدجاج
كتمة،عتمة، واختناق، ثلاثية يعيشها الإنسان اليمني ليس فقط من الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة، ولكن لسلسلة تتغذى على هذه الظروف من تحريم وترهيب لمتطلبات عقلية وفكرية ووجدانية للإنسان اليمني، حيث يمارس ساطور تلك الثلاثية تقتيلاً تارة باسم الدين والعقائد المفخخة، وتارة باسم العيب والتقاليد والأعراف. أما حكومتنا ومؤسساتها الثقافية فهي تشتغل عليهما براحة وسرور، ولذا تخلفت الفنون، والثقافة، والتعليم، والصحة و الحياة العصرية؛ والنتيجة أننا تحولنا إلى اثنين وعشرين مليون دجاجة، نرقد من المغرب، بعد ذبلنا للقات، فلا مسرح، لا سينما، لا نادٍ، لا ملعب، لا متنفس، لا.. لا.. لا.. وعندما نرفع حناجرنا نطالب حكومتنا بمؤسساتها الثقافية والإعلامية، بأنا مستغنون عن الديمقراطية، والوطنية، والوحدة، وانتخابات نزيهة، واستثمارات، لهم كل ذلك، نريد فقط مسرحاً، وسينما، أن ” نسينم”.. فترد علينا دولتنا، لا يوجد عندنا طلباتكم، لكن ما معنا غير بضاعتنا نردها في نحوركم بمزيد من الديمقراطية، ومزيد من الوطنية، تجريعكم مزيداً من الاستثمارات، من الأمن والأمان، ومزيداً من محاربة الفساد والمفسدين. تلك البضاعة الحكومية لم تزدنا إلا كأكأة، نناقم وننقم بعضنا البعض..
 
القُفَّة ثقافة
والدي! تمردت عليك، وعلى منظومة “القفف” العتية، قفة ثقافة “اليسكـ”، أكان عيباً أو فقهاً دينياً، أو فقهاً سياسياً. ومع ذلك لم أستطع لا أنا، ولا أطفالي منذ أن خلقنا، وحتى اليوم أن ” نسينم”.
فهل سيأتي يوم، أقول لطفلاتي: يا الله، البسن ملابس السهرة، فنحن اليوم سنسينم، وسنسهر لنشاهد فيلماً أجنبياً حائز على جائزة الأوسكار..
البرع والزامل لا يخلقان سينما
نريد سينما أيتها الدولة تكون جزءاً من تكويننا ونسيجنا مع الأيام، وألا تجلسوا تزيدوا علينا أن السينما والمسرح والغناء والرقص خارج ثقافتنا العربية الإسلامية، وخصوصياتنا، وتقاليدنا و..و.. الخ، فتزملوا، وابترعوا، فهما ثقافتكم الأصلية ” برعة” لا شرقية ولا غربية..
فلكم برعكم وزاملكم، شرقوه وغربوه كما شئتم، ما نريده أن تحقق الدولة شرط وجودها الذي لا يستقيم إلا بمؤسسات مدنية، ومنها مؤسسات الفنون، و مؤسسة الفن السابع: سينما.
والا كيف تشوفووووووووو؟؟
[email protected]