فجرٌ ثانٍ.. غير مكتمل – إبتسام الزريعي*

فجرٌ ثانٍ.. غير مكتمل – إبتسام الزريعي*

في غمرة اشتياقها للترحال مدفوعة بفعل الغربة والاغتراب، انطلقت من صنعاء مستقلة الحافلة، يجرى بصرها مع الحافلة يلامس بحنو اخضرار مدرجات -تنشط بالقات- طال انتظارها، تتلظى بشوق التلاقي مع موسم هطول امطار استوائية.
«تعز» تلك المدينة التي ضاعت ملامحها بملامح نسائها الموشحات بالأسود، تعز تناديها، «ثماني ساعات ونصل إلى تعز» قال سائق الحافلة.
«كفيلة بنسج علاقات مع المسافرين» قالت في نفسا. يجلس في المقعد الأمامي في الحافلة ضيف صديقتها. مدعوان معاً عند نفس الصديقة، التقيا في فندق آسيا بصنعاء، ترافقا طوال الرحلة. يكمل احدهم للآخر صورة الوطن الغائب في مخيمات الشتات.
طلب السائق من المسافرين النزول للاستراحة. على قارعة الطريق صبية يبيعون التحف والهدايا توجهت اليهم، وباقي المسافرين دخلوا لتناول طعامهم. وحده كان يقف في ممر الحافلة يحمل آلة التصوير يسجل لحظات رقصها مع صبية يمنيين تعلمهم الدبكة الفلسطينية ويعلمونها الرقص الشعبي اليمني.
علق ضاحكاً: كل الرقصات تعرفين.
قالت له: هو الشوق للدبكة والدلعونة.
لمعت عيناها وهي تتذكر نفسها تطير على خشبة المسرح مع فرقتها تسافر لتحيي حفلات ذكرى النكبة وذكرى النكسة ويوم الأرض، وذكرى الانطلاق و…، آآآآآآآه ه ه.. كثيرة هي ذكريات الطيران بعدد نكبات الوطن ونكساته.
صدفة اسمه مشتق من تلك المدينة وبهره اكتشافها لتلك العلاقة بين الاسمين، معتز -تعز، ضحك من قلبه حين مازحته ان صديقتهما ارسلت له الدعوة فقط تحت تأثير إغراء الاسم.
اختارت له اللون البنفسجي هدية، والتقيا في عشقيهما للبحر والبنفسج والفن وصوت فيروز، ويشتركان ايضاً بشوقيهما لحضن الوطن.
اعتاد مرافقتها في جولاتها المجنونة، السوق القديم سوق الفضة، المدارس، المدرجات، شاطئ عدن. في عرض البحر تاقت روحها لمعانقة ماء الخليج قفزت من المركب تاركة له حق استغلال جنونها فيلماً وثائقياً ناداها يا مجنونة!
وثق حديثها مع يهود اليمن العرب. مازحتهم وكشفتهم بمفاتيح جنتهم. تتبعه بحسها في كل مكان ويتبعها أينما ذهبت، على كتفة آلة التصوير.
بطلة لفيلم اسماه «مكبوبة تعزف الحياة» وتغرف منها بقدر استطاعتها دون مؤلف تكفى تلك الرحلة برفقتها لتكون فيلمه القادم، وينقل رحلته لأطفال مخيمات لبنان عبر الصورة وتنتقل فلسطين حاضرة معه في كل حديث وشوق.
لحظة غروب الشمس على شاطئ عدن خرجت من مياه الخليج موشحة بقطرات الماء، أمسك بعوده وغنى للوطن أغنيات الشوق والعشق، غنى ألم الغربة، وفقر الفقر، جالسة بجانبه ويدها تغرف حبيبات الرمل وتذريها في الفضاء يبكي قلبها الحلم البعد.
– متى ستحضن يدى طين الوطن؟
غنى لها بصوته العذب «نسم علينا الهوا… من مفرق الوادي… خذني على بلادي» نفضت يديها.
– «الوطن بعيد».
عادت إلى مياه الخليج لتكمل تعميدها، وظل على الشاطئ يغني.
اعتادت أن تريه نفسها نصوصاً حالمة، فرحت وكاشفته بأنه حلمها الذي يمشي على الارض، غادرت البلاد تاركة قصاصة ورق تطلب منه أن يخلد لحظة اليقظة حين عاشت الحلم في فيلم روائي، وهي ستكتبه نصاً، كان قد أهداها أملاً في عقد فل، ردته حلماً في قصيدة شعر.
بعد عام هاتفها من بلاد اللجوء وطلب لقاءها في بلاد محايدة -لعلها هي التي هاتفته خرجت من مدينتها وهرب من مدينته -قفصه- وكلتا المدينتين قاتلتين غريبتين، والتقيا في مضارب البادية، كانت عمان بعد تعز نصف الفجر الذي لم يكتمل.
دعاها بالصقر والساحرة والتنين، ونادته يا بحري!
– «لا تقترب ممن لم يجربوا طعم القبل».
لكنه اقترب منها، عانقها، انسابت أصابعه تجمع خصلات شعرها الخيلي الطويل، قربه من شفتيه وقبله باحثاً عن رائحة زهر البرتقال في بيارتهم حين غادرها منذ سنوات إلى مخيم اللجوء.
ونادى الحلم فيها: يا شجرة برتقال «هل تشمين رائحة الوطن الآتية من هناك؟!».
اشار بيده إلى أضواء خافته هناك الجبل، الضوء، اريحا بيارتنا، هناك أنا. وكان بينه وبين الحلم البحر الميت بموته تحيطه أسلاك مكهربة.
ظلت تراقب بقعة الضوء تحلم بها، وتشعر به.
ضم الوطن إلى حضنه، هنا لم تر الوطن بعيداً.
غنّت له «نسم علينا الهوا… من مفرق الوادي.. خذني على بلادي» فما عاد يدعوها بساحرتي الجميلة، وما عادت تدعوه بحري، عندها غادرته بعدما كتبت له:
أيها العاشق للتيه/ انتحر/ او انفجر/ افعل ما شئت/ فأنت حر/ ولكن أترك لي الخيار/ ألحق بك أم أسبقك.
ترك لها اختيار موعد مغادرتها، شده اللجوء رغما عنه إلى منفاه، وجذبها الحنين في غفلة منها إلى هنا.
ظلت اغنيات فيروز هي كل ما تبقى لها، ورائحة زهر البرتقال في بيارة عشقتها وما فتئت تناديها.
في حقيبة سفر ضمت كل أحلامها، ما عدا صوته وحده تركته، حتى كتابتي تلك السطور الأخبار تقول:
إنها مازالت تعود تدلها الريح إلى حضن الوطن.

* كاتبة من فلسطين
– نص خاص بـ«النداء»