تهنئة وعتاب للرئيس صالح – عارف أبو حاتم

تهنئة وعتاب للرئيس صالح – عارف أبو حاتم

تهنئتي للرئيس علي عبدالله صالح بفوزه بولاية رئاسية أخيرة لن تخلو أبداً من نقاط عتاب هو الأقدر على استيعابها وفهمها، انطلاقاً من فطرته الإنسانية القروية، إلى الصفة الشرعية كرئيس لوطن وشعب، مروراً بخبرته السياسية، وقدرته في التعامل مع الأزمات، وإدارة المتناقضات، بصرف النظر عن ناتج هذه الإدارة من وجهة نظر فرقاء العمل السياسي، فذاك شأنهم.
لم يساور الشك غالبية اليمنيين بأن الرئيس صالح سيترجل عن صهوة الحكم، ويقيم مارشاً وموسيقى عسكرية ويسلم الحكم سلمياً للشخص المنافس إذا ما فاز في انتخابات منصب الرئاسة، وهذا الشك ليس دافعه عدم ثقة بتسليم الحكم سلمياً، وليس عجزاً عن التغيير، أو أن إدارة التزوير أقوى من إرادة التغيير،بل السبب يكمن في أن قناعة الناس لا تزال تتجه نحو الوجه الذي ألفوه وأصبح جزءاً من يومياتهم طوال (28) سنة ماضية، لذا ففوز علي عبدالله صالح بولاية رئاسية أخيرة كان محسوماً من قبل أن يدعو الناخب إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع صبيحة العشرين من الشهر الماضي.
كان علي عبدالله صالح رئيساً شرعياً للبلاد طوال فترة حكمه منذ انتخابه من قبل مجلس الشعب التأسيسي في 17 يوليو 1978م، ثم جدد شرعية بقائه في أعلى السلطة في 1983م عقب تقديم استقالته، ثم تكررت العملية في 1987م، ثم عام 1990م بالتوافق بين الحزبين الرئيسيين المحققين لوحدة اليمن (المؤتمر الشعبي العام -الشمال، الحزب الاشتراكي اليمني – الجنوب).
ثم تجددت شرعية صالح في 1995م عند انتخابه من قبل البرلمان عقب حرب الانفصال، ثم في سبتمبر 1999م في أول انتخابات رئاسية مباشرة في اليمن، ثم هل نتوقع أن يخسر الرجل الفوز بعد كل هذه السنوات، وعلى يد شخص لم يكن معروفاً لدى عامة الناس، فمرشح المشترك رجل له حضور في ذاكرة الصفوة في المجتمع، من خلال مواقفه النزيهة والوطنية، رجل ظهر على عامة الناس لأول مرة في الثاني من يوليو الماضي مرشحا باسم أحزاب اللقاء المشترك للانتخابات الرئاسية، في مقابل رجل يعمل في واجهة ورئاسة البلاد منذ 28 سنة.
فاز بوش الابن برئاسة الولايات المتحدة في مواجهة آل جور نائب الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، مع أن الأول كان مجهولاً مغموراً يعرف باسم “دوبيا” العابث السكير، وجاء أسمه مرشحاً عن الحزب الجمهوري كآخر الأوراق، بعد اعتذار ديك تشيني (نائب الرئيس حالياً)، ودونالد رامسفليد ( وزير الدفاع)، وكولن باول ( وزير الخارجية السابق )، فاز “دوبيا” المجهول بنسبة (51%) من أصوات الناخبين وخسر من كان نائباً للرئيس، ومعروفاً للجميع.
كان من الممكن أن يحدث شيء مماثل في اليمن لو أن عمر ديمقراطيته يقترب من ال 200 عام، كما هو شأن الديمقراطية الأمريكية.
ولو أن مستوى الوعي لدى الشعب اليمني، يماثل نظيره الأمريكي.
ولو أن نسبة الأمية الأكثر من (60%) لدينا تتحول إلى صفر بالمائة كحال الأمية الأمريكية،أو حتى الفلسطينية.
ولو أن القضاء والإعلام والتشريعات وخالد الشريف والجندي، و….
ولو أن الجهاز المركز للرقابة والمحاسبة، واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، ومجلس النواب، و…
ولو أن وزارة المالية والبنك المركزي، ولجنة شئون الأحزاب، و…
ولو أن منظمات المجتمع المدني خالية من أمراض الحزبية والابتزاز والمتاجرة باسم المجتمع، و…
ولو أن المرأة اليمنية تعرف قيمة صوتها، والمجتمع معافى من ثقافة الذكورة البحتة، و…
ولو أن المؤتمر الشعبي العام قادر على إنتاج بدائل، وكاست ليس فيه “مالنا غير علي”، و….
ولو أن شيئاً من هذه حدث لكنا بالأمس نستمع للرئيس اليمني الثاني عشر وهو يؤدي اليمين الدستورية!!
لكن بما أن حالنا هذا هو، وواقعنا لا يزيد طينه بلة غير عجز وفضائح المعارضة، فقد وجدنا أنفسنا مع ملايين من الشعب ننشد: “مالنا غير علي”. بحماس ليس له ما يبرره.
وبما أن الرئيس صالح سيظل في منصبه من دون خوف، وبإرادة الشعب، وبشرعية دستورية غير منقوصة، فلماذا حدثت كل تلك التجاوزات في حملته الانتخابية وهو الغني عنها؟!!
وهذا ما سأقف أمامه قارئاً ومعاتباً ومخاطباً الرئيس صالح:
أولاً، تابعت وقرأت واستمعت -عن عمد- لكل تصريحات منافسك مرشح المشترك للرئاسة المهندس فيصل بن شملان، وكان كلما سئل عنك يقول: الأخ علي عبدالله صالح مرشح المؤتمر الشعبي العام، يصفك بـ”الأخ” وأنت تصفه بـ”المستأجر”.
يا سيدي هذا الرجل لم يأتو به من سيرلانكا أو كينيا ليترشح للرئاسة في اليمن، وليس من قوات المرتزقة، ومنذ انطلاق حملته الانتخابية في ال(23) من أغسطس وحتى المؤتمر الصحفي الأخير في ال(26) من سبتمبر الماضي لم تصدر عنه كلمة نابية، أو عبارة غير لائقة، حتى وهو يتحدث عمن وُصف بالإرهابي “حسين الذرحاني”، قال: أعتذر أن أقول إنه ضايقني في حراسته بشكل مريب، إلى حد أن اضطررت أن أوقف سيارتي ذات مرة وأنزله منها.
ويجب أن نلاحظ هنا أن بن شملان يتحدث عن الرجل الذي فعل به ما لم يفعله الخليل إبراهيم بأصنام قومه، ويقدم كلامه ب “اعتذر”.
ثانياً: الرجل الفاضل المهندس فيصل بن شملان لا يقل وطنية ونزاهة عن كثير من النماذج اليمنية العظيمة، أمثال عمر الجاوي، وجار الله عمر، ويحيى المتوكل، ولندع سيرته تحدثنا عن شيئين اثنين:
الأول، استقالته من منصبه في أعلى وزارة النفط في مارس 1995م بسبب عدم تنفيذ تصوره وخطته للعمل،وهو الخبير في اقتصاديات النفط،لم يستطع العمل مع نافذين ووسطاء، فقرر الانسحاب بهدوء، والعودة إلى قريته (السويري) بحضرموت، أليس في ذلك موقف نزيه، وهو القادر على أن يهبر هبرته ويرحل.
الشيء الآخر استقالته من عضوية مجلس النواب في العام 2001م احتجاجاً على تمديد المجلس لنفسه لسنتين أُخريين، وربما القارئ سيعرف لأول مرة أن عضوية اليمن مجمدة في تجمع دول الديمقراطيات الناشئة، بسبب تمديد البرلمان اليمني لنفسه.
(عندما رأى الرئيس كلنتون أن راتب الرئيس الأمريكي لا يتناسب مع حجم الدور الذي يقوم به قرر رفع هذا الراتب من 230 ألف دولار إلى 400 ألف دولار سنوياً، على أن ينفذ القرار ابتداءً من الرئيس الذي يليه، لم يقرر نفسه كما فعل البرلمان اليمني).
وهنا أسال ألم يكن بن شملان هو الأكثر وطنية وحرصاً على سمعة الوطن داخل هذا المجلس (الموقر)!!
وبأسف بالغ نجد من أنصار الأخ الرئيس من وصف تلك الاستقالتين بالتهرب من المسؤولية، والخيانة للوطن، والانفصام في الشخصية، بل وصل إلى حد وصف بن شملان بالفاسد والعابث بالمال العام!!.
وتلك الأوصاف الملصقة برجل مثل “فيصلـ” لم تزد الرئيس صالح شيئاً، فقد كان غنياً عنها،وكارهاً لها، لولا جهالة وسوء تقدير بعض أنصاره.
ثالثاً: رجل بحجم وقامة وسن المهندس الفاضل فيصل بن شملان (72) عاماً، هل نتوقع منه أن يترشح للرئاسة طمعاً في مغنم، أو بحثاً عن وجاهة، ومكانة، أو تخطيطاً لتسليم البلاد لقوى الخارج – كما أُشيع -، أو آلية لنهب البنك المركزي، لا، حاشاه، وحاشاك سيدي الرئيس من أن تفكرا بشيء من هذا.
ما دفع بن شملان للترشح هو ما شهده من حالة موات بطيئة للديمقراطية اليمنية، ونظر الناس للحاكم على أنه ظل الله في أرضه، لا يجب حتى الحديث عنه، فضلاً عن تغييره، ثم تنبيه المواطن إلى قوة سلاح “الصوت الانتخابي”، وهذا ما حدث.
فالعجلة الديمقراطية في اليمن شهدت قفزة نوعية على مستوى المنطقة العربية، ومنصب رئيس الجمهورية تحول في نظر الناس إلى درجة وظيفية يؤديها رجل قادر الشعب على إسقاطه في أي لحظة، والأهم من كل ذلك أن بن شملان تحمل وتلقف كل ما قيل من السلطة والمعارضة من أجل التأسيس لثقافة الديمقراطية، ووضع المداميك القوية لمرحلة وجيل ومستقبل سيأتي.
فألف تحية، وشكر،وانحناء وإجلال وإكبار وامتنان للرجل العظيم المهندس فيصل بن شملان؛ لأنه دفع بعجلة الديمقراطية اليمنية إلى مراتب متقدمة، ولأنه أسس لمرحلة قادمة، ولأنه ظل صامداً متماسكاً في وجه كل ما قيل، ولأنه كشف هشاشة السلطة والمعارضة، ولأنه اسقط أقنعة كثيرة كنا مخدوعين بها، ولأنه أظهر و جوهاً جديدة نحن بحاجة إليها.
وألف تحية وشكر وتهنئة للرئيس علي عبدالله صالح لفوزه أولاً، ولإخضاعه منصب الرئاسة للمنافسة الديمقراطية ثانياً.

إشارة حق:
الأخ علي عبدالله صالح رئيس اليمن شعباً وأرضاً نود إبلاغكم بأن الواجهة الرئيسية لموقع وزارة الدفاع الإخباري (سبتمبرنت)، تظهر في أعلاه صورة لرجلٍ شريف من أبناء شعبك هو المواطن فيصل بن شملان، ومن خلف صورته يطل “حسين الذرحاني” بوجهٍ لئيم، وفي أسفل الصورة كُتب: صورة الإرهابي حسين الذرحاني. ولو أراد الزملاء في (سبتمبرنت) صورة منفردة للذرحاني لما عجزوا عن ذلك.
فأرجو أن تأمروا بإزالة تلك الصورة، حتى لا نجرح مشاعر 1.173.075 مواطناً.
[email protected]