من حمَّى الانتخابات إلى حمَّى الأسعار.. رمضان يطلق سراح الغلاء

من حمَّى الانتخابات إلى حمَّى الأسعار.. رمضان يطلق سراح الغلاء

– بشير السيد – علي الضبيبي
لم تكن «الحاجة هدى» لتترجى صاحب المحل ان يبيعها اسطوانة غاز لأنها لا تملك بحوزتها نقوداً تعطيه، إنما هي مستعدة أن تدفع فوق قيمتها، فثلاث ساعات قضيتها من حارة لأخرى، ومن محل بيع غاز إلى آخر دون جدوى: «الآن يابني مغرب ومافيش معانا عشاء وشيبتي مرِّيع للقهوة، إنا لله وإنا إليه راجعون»، شكت قبيل أذان المغرب بربع ساعة، بعد أن أعيتها رحلة «دوَّار الغاز» الذي لم يرتفع سعره فحسب، وإنما يراوح أزمة خانقة تتكرر مع كل موسم رمضاني، حيث الاستهلاك يزيد، وتاجر التجزئة يشكو الشركة، والمواطن يلوم «السنبوسة»، والسر «مشفَّر» لا يقوى على فكه أحد منا، رغم المحاولات.
هل هي العادة تتكرر ويرتبط شرطياً طابور الغاز، بمدفع رمضان.
 
هدئ السرعة.. سعر الدقيق يتصاعد
الموضوع يتعدى البحث عن الغاز في أزقة وشوارع المدن، ودكاكين القرى، إلى شكوى مواطنين وتجار جملة/ تجزئة من حالة ارتفاع مباغت في بعض السلع والمواد الغذائية هذه الأيام، إذ ارتفع سعر الدقيق من 2600 إلى 2900 وإلى 3000، في المدينة التي لا تكلف قيمته نفس القيمة بالنسبة للريف، حيث يزداد سعره مقابل ضعف الربح بحكم عوامل كثيرة، أبرزها: تكاليف النقل وصعوبة المواصلات، لا سيما عند سكان الجبال والمناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة. كثير من المواطنين اعتبروا هذا الارتفاع بمثابة جرعة صامتة بعد الانتهاء من الانتخابات، خصوصاً ورائحة شؤم تفوح من كلمة «إصلاحات سعرية» التي اعتاد اليمنيون ترجمتها ب «الجرعة» وإذا ما تركنا أقوال وتحليلات المواطن جانباً وسلَّمنا بأن هناك ازمة دقيق عالمية تلقي بظلال اوسع على بلدان نامية ومنها اليمن، فإن الإرتفاع على الجانب الآخر من المواد الغذائية كالأرز (التيلاندي) مثلاً، الذي ارتفع من 2600 إلى 2800، وكرتون البيض، حيث قيمته قبل أسبوعين 4400 ريال وحالياً 5400، بالإضافة إلى متطلبات أخرى كالسمن (القمرية)، والماء (حدة +شملان)، الغاز.
 
العرض والطلب قانون السوق
الحقيقة أن هناك تضارباً حقيقياً في الأسعار من تاجر لآخر، حسب ما لحظته «النداء» عند تقصيها في أكثر من سوق داخل العاصمة، ففي الوقت الذي تجد تاجراً يشكو الغلاء في بعض المواد، تجد الآخر وعلى مقربة منه يستغرب ذلك، أما تجار التجزئة والأكثر قرباً من المستهلك، فيشعرون بحالة إضطهاد من تجار الجملة الذين يتلاعبون بالأسعار دون رقيب أو محاسب حسب تعبير العم «عبده البعداني». أما المواطن «منصر ثابت» فقد اعتبر هذه بمثابة: «جرعة رمضان يا ولدي ولا ابرك منها».
الحكومة وحسب مدير عام إدارة التجارة الداخلية بوزارة الصناعة والتجارة، سالم المعمري، لا تحدد سعر السلع، انما يحدده عامل العرض والطلب في السوق، وإذا ما كان ذلك صحيحاً فما هي مهمة الحكومة كطرف مسؤول عن السوق. يجيب المصدر ذاته: «مهمتها الرقابة فإذا ماحصل تحرك في سعر السلعة نقوم بالتساؤل: لماذا ارتفعت؟! ونناقش الأمر مع التجار فإذا وجدنا أن الارتفاع لا مبرر له نقوم بإحالة التاجر أو المتسبب إلى القضاء».
وأضاف المعمري: « أن الوزارة أحالت 1300 حالة إلى النيابة العامة لتلاعبها بالأسعار والأوزان والغش خلال الشهرين الماضيين» ولكن مصادر «النداء» في نيابة المخالفات أفادت: أن مكتب الصناعة والتجارة في أمانة العاصمة كان قد أحال ما يزيد على 70 تاجراً فقط إليها بدعوى: تلاعبهم بالأسعار، لكن المصدر النيابي ذاته قال إن الدعوى لم تحتوي على تفاصيل توضح وتبين الأسعار الثابتة والمخالفة التي تم التلاعب بها، حيث لم يتم تزويد النيابة بها حتى اللحظة، رغم مطالبتها لمكتب الوزارة قبل شهرين من الآن.

حكومة + تجار * اجتماع طارئ
أن يجتمع رئيس الحكومة بتجار ومصنعي المواد الغذائية وبحضور وزيري الصناعة والتجارة، والزراعة والري، ودراسة الأوضاع التموينية وحالة الارتباك التي تشهدها السوق، فيما يتعلق ببعض السلع، مؤشر تأكيدي على أن حالة اضطراب سعري يموج به سوق الغذاء في اليمن، وأن طفرةً سعرية تتصاعد في بعض لمواد.. مما يؤكد أن شكوى مواطنين وتجارجملة/ تجزئة التقتهم «النداء» محقين: «يا الله حتى رمضان يجرعونا فيه» كما حكى شيخ مسن بعد أن رد عليه التاجر: «الكيس الدقيق 2900 يا حاج».
رأي هذا المواطن البسيط وغيره يقترب منه اقتصاديون وأكاديميون توقعوا أن المشاركة والدعم الذي قدمه القطاع التجاري في الحملة الانتخابية للرئيس صالح، والتي تقدر بالمليارات، انعكست على ارتفاع السلع على اعتبار أن ذلك استحقاق لهذا القطاع كجانب تعويضي للمبالغ التي أنفقها.
واعتبروا اجتماع الحكومة بالتجار إشارة إيحاء على ضعف الحكومة امام ضغط التجار. لكن وجهة النظر هذه بعيدة عند البعض ومنهم التاجر محمد عبدالرقيب (صاحب مؤسسة الشرعبي للتجارة والاستيراد)، حيث نفى ان يكون ارتفاع الاسعار ذا علاقة بدعم القطاع التجاري للرئيس في حملته الانتخابية، محملاً زيادة الطلب على السلع الغذائية قبيل وأثناء شهر رمضان مسؤولية الارتفاع.
 
رائحة أزمة تنبعث من الهند
الجديد في الأمر كسببٍ رئيس في الارتفاع، له علاقة بتغيير دولي طارئ، إذ يشهد العالم أزمة دقيق وقمح حسب محفوظ شماخ، رئيس الغرفة التجارية والصناعة، الذي حصر سبب الارتفاع بوجود الأزمة العالمية في نقص كمية المنتج العالمي من القمح بمعدل (10إلى 20 مليون طن)، وأضاف ضارباً مثالاً بالهند: «حيث تعتمد اليمن عليها في استيراد القمح دخلت للمرة الأولى كمستورد ما نسبته 4 مليون إلى 6 مليون طن من الدقيق، بالإضافة إلى وجود مؤشرات على ان الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل الداعم الأول سيرفع الدعم عن القمح/ الدقيق». وأضاف شماخ: « جميع هذه الاسباب كانت وراء ارتفاع السعر عالمياً، وأنعكست تأثيراته على الدول النامية ومنها اليمن».
 
الانتخابات ومابعد بعد رمضان
رئيس الغرفة التجارية ذاته كشف أن الارتفاع في أسعار السلع لم يكن جديد اللحظة، وانما يمتد إلى ما قبل الحملات الانتخابية، ولكن التجار أّجلوا -حسب قوله- رفع الأسعار إلى ما بعد الانتخابات باتفاق مع الحكومة، التي حرصت بأن تؤجل كي تنعكس تأثيراتها كردة فعل عند الناخب ومشاركته في الانتخابات، وقد تكون مدة هذا التأجيل انتهت بالنسبة للتجار،وبدأت مؤشرات الارتفاع تتصاعد بصمت تدريجياً بالتزامن مع شهر رمضان وربما هو السبب الرئيسي الذي جعل رئيس الحكومة يلتقى تجار ومصنعي المواد الغذائية الأحد الماضي وإبرام إتفاق قضى: بمنع أي نوع من انواع الاحتكار الناجمة عن التخزين، او التوكيلات المطلقة، أو التباطؤ في عملية العرض، وأن تواصل جميع الشركات الخاصة والمؤسسات العامة التعاقدات، بما يضمن ايجاد المخزونات الكافية لكل المواد، لكن هذا الاتفاق قد لا يكون مطمئناً بشكله النهائي إذا ما وضعنا في الإعتبار كلام شماخ الذي توقع:« أنه حتىوبعد انقضاء شهر رمضان فستظل الاسعار خاصة القمح/ الدقيق مرتفعة وتحديداً إذا ما تخلى الاتحاد الاوروبي عن دعم هاتين السلعتين». نافياً أن يكون القرار السياسي هو من يتحكم في تثبيت الأسعار أو ارتفاعها.
 
(25) يوماً لتشغيل المطاحن
المطاحن الأربعة الرئيسية والمستوردة للقمح وهي: «مطاحن الغلال، التابعة لأولاد هائل- مطاحن الحباري، ومطاحن الرويشان، ومطاحن البحر الأحمر»، توقف. منها الأخيران اللذان يمثلان 40٪ من اجمالي حجم الطلب، بالإضافة إلى نصف انتاج مطاحن الحباري التي تنتج ما بين 400 إلى 500 طن يومياً، اصحاب هذه المطاحن الرئيسية الاربعة يشكون من خسائرتحملوها في الفترة السابقة، نتيجة فوارق الاسعار التي طرأت على المنتج، وذلك بموجب التزام أمام الحكومة بتثبيت سعر الكيس،لكن ذلك من وجهة نظر الحكومة، على لسان مدير عام إدارة التجارة الداخلية بوزارة الصناعة والتجارة، لا يعتبر خسارة وانما تقليص هامش الربح، وتوقع مراقبون اختفاء مادتي القمح والدقيق قد تشهدها السوق اليمنية خلال الشهرين القادمين، في حالة ما إذا تم تنفيذ الاتفاق المبرم بين القطاع التجاري والصناعي مع الحكومة، الأحد الماضي، وتشغيل المطاحن، بأقصى طاقة لسبب عزوه إلى مدة استيراد ووصول الكمية المستوردة من القمح إلى المطاحن لا تقل عن خمسة والعشرين يوماً.
 
والسلطة أيضاً «مُبسبسة»
أما بالنسبة لارتفاع اسعار الخضروات. هذه الأيام، حيث الاستهلاك بشراهة لجميع اصنافها حتى تعدى ارتفاع غالبيتها إلى الحد اللامعقول أمر مثير للإستغراب والدهشة، حيث يتفرد المزارع وبائع الجملة بتحديد سعر السلعة دون سواه، وتحديداً بعد أن هَل هلال رمضان.
وقفزت اسعار سلة البطاطا من 1200 إلى 2000 ريال والبسباس من 600/1200، والخيار 150 إلى 350 والبصالة من 800/2200، والجزر من 800/1400 والبيبار من 150/1200 والكوسة من 100/1300، كما يحكي بشير احمد، صاحب بسطة.
أما الطماطم المعروفة لدى تجار الجملة بـ«المجنونة» نظراً لتقلب اسعارها بشكل مفاجئ على مدار السنة، حيث ارتفعت سلة المجنونة مطلع رمضان من 500 إلى 2100 ريال.
أحد الباعة المتجولين -صاحب عربية «جمال غالب» قال:«كل سنة يتعذر الناس بالبرد، لكن هذا العام مافيش برد فليش يرتفع السعر» وأضاف «صحيح أن الاقبال على شراء الخضار زاد في رمضان ولكن مش معقول أن تزداد اسعار الخضرة إلى 300٪ مثل البصالة».
هكذا تتداخل عوامل كثيرة في تحديد أسعار المواد الغذائية، لكن الدولة الراعي الأول والمسؤول عن حماية المواطنين وتأمين الاحتياجات الأساسية للحياة، بيدت أن في المنحى غائبة تماماً، وعاجزت عن أي معالجة سوى باللجوء إلى التحالفات مع التجار، بطريقة توحي بأمرين، اولهما تداخل السياسة بالاقتصاد، وثانيهما أن أسباب خفية تقف وراء ظهور الحكومة بالمستعطف للقطاع التجاري.