جاء ثانياً

جاء ثانياً

– سامي غالب
بعد سنوات من الآن سيدرك اليمنيون أي جميل أسداه لهم فيصل بن شملان. أما أنا فلست مضطراً للسفر عبر الزمان كيما أكتب هذا:
شعور بالامتنان يغمرني تجاه المرشح الذي وفَّر لي ولمئات الآلاف من المواطنين خياراً آخر.
كان ذلك ما أراده غداة ترشحه إلى الرئاسة. أرادها نقطة انطلاق، فكانت التيار الكهربائي يمس القلوب فاذا هي ترتعش شوقاً إلى المستحيل، وفي موازاة الارتعاشة سرت الرجفة في أوصال فرسان العهد المقيم في سباته الهني.
جاء ثانياً الرجل الذي اعتاد أن يحل أولاً منذ تصدر وقت كان في ريعان الصبى لائحة الشرف للدفعة السابعة من طلبة المدرسة الوسطى في غيل باوزير نهاية الاربعينيات.
قبل 5 سنوات عاد إلى مهجعه، كما البطل الاغريقي، ليكون ما يريد: محكوماً على طريقته لا حاكماً على طريقة الآخرين.
وعلى الطريق إلى الرئاسة لاح عازماً على أن يكون حاكماً على طريقته: رئيساً عابراً لبلدٍ استكان لحكامه المخلدين: الجهل والجوع والخوف. وفي آخر ظهور له عشية الاقتراع، وسط البلبلة وفي غمرة الضجيج، القى صاحبنا مرافعته الختامية، مجلياً عن سوية ورفعة وقوة بيان، أي بالدقة ما تخلو منه سوق السياسة في اليمن.
ساعتها ألقى الشيخ (مرتبته العلمية عهد أدار المدرسة بعد نحو عقدين من تخرجه) فيصل بن شملان محاضرته الأخيرة، في إدارة الدولة، على تلامذة مولعين بالخيبة، مذكراً بمسؤوليات القائمين عليها في إعلاء كلمة القانون وصون كرامة المواطنين وخصوصياتهم. وفي هذه مهَّد بكلمة إعتذار، لمفردة قاسية لم يكن أمامه مناص من استدعائها، ولم يكن مضطراً لأن يعتذر عنها، إذ أشار إلى أنه قرر طرد مرافق أزعجه سلوكه أثناء حملته الانتخابية، ويُعتقد أنه وظف من قبل خصومه لتلطيخ سمعته الشخصية والتحريض ضده. كانت تلك المرة الأولى التي يسمع فيها اليمنيون، من شتى الأعمار، شخصية عامة تعتذر عن كلمة قاسية.
في عصر الفرسان الأقنان، كان مقدراً لبن شملان أن يخسر لأنه فارس من عصر آخر. وقد تجاوز خصومه كل الحدود للنيل منه، هو الذي استجاب لدور شاغر في «ديمقراطية ناشئة» يُراد لها أن تراوح مكانها. وإذ تصدى للدور موفراً فرصة المضي قدماً، قرر غالبية الناخبين شراء الوقت في محاولة يائسة لإسترضاء الأشباح الذين يحاصرونهم.
[email protected]