بعد اسابيع من قيام الثورة.. النعمان لعبد الناصر: الموقف لا يحتمل صبراً ولا تسويف

بعد اسابيع من قيام الثورة.. النعمان لعبد الناصر: الموقف لا يحتمل صبراً ولا تسويف

يأتي سبتمبر هنا، بماكان فيه, أحداثاً وذكرى.
للتواريخ أجراس تنبيه معلقة لصق أسماعنا، لها أمر حمايتنا من مرض النسيان كما وأعراضه. وعليه: يكتمل اليوم العام العاشر على رحيل أحمد محمد نعمان (27 سبتمبر 1996).
غداً: تأتي ذكرى جمال عبدالناصر ال36 (28سبتمبر 1970) وكذا مرور (45) عاماً على تفكك عرى الجمهورية العربية المتحدة (28سبتمبر 1961). والبارحة: كانت ذكرى مرور 44 عاماً على الثورة اليمنية (26سبتمبر 1962).
يأتي سبتمبر إذن بما كان فيه، أحداثاً وذكرى، وللمناسبة نعيد هنا نشر رسالة للنعمان كتبها في 14 نوفمبر 1962 لعبد الناصر. نعيد نشرها تحية لهما معاً وبغرض ذهابنا متمعنين في مضمونها وأبعادها، بكل ما حملته من قلق وتوجس كانا يسيطران على النعمان في اول الثورة، وهي تتناول وتستعرض حقيقة ما كان يدور حينها. هذا في وقت كان فيه جمال عبدالناصر واقعاً تحت صدمة الانفصال عن سوريا. بعث النعمان له هذه الرسالة عندما كان مندوباً لليمن في الجامعة العربية بعد إخراجه من صنعاء لأسباب ودوافع تخص المستفيدين من الإساءة للثورة واستبعاد رموزها، ليكونوا الرمز الوحيد والمنفرد داخل جغرافيا الثورة الوليدة.
بعث احمد محمد نعمان رسالته لجمال عبدالناصر إذن حتى يكون الاخير على بينة من الأمر، ومما كان يدور ويحدث.
 
– «النداء»

من هدهد القرن العشرين
أحمد محمد نعمان
إلى الزعيم جمال عبدالناصر
14 نوفمبر 1962م
سيادة الرئيس جمال عبد الناصر –رئيس الجمهورية العربية المتحدة- تحية خالصة لا يشوبها ملق أو ادعاء أو ضعف: في عهد سليمان بن داود، كما حكى القرآن، جاء طائر من اليمن اسمه الهدهد، وكان نبي الله سليمان قد توعده بالعذاب الأليم «وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين، فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين».
وها هو هدهد القرن العشرين جاءكم من اليمن واسمه أحمد محمد نعمان يحيطكم بما لم تحيطوا به علما.
 
يا سيادة الرئيس:
سبع سنوات كاملة قضيتها في القاهرة أتحين الفرصة من أجل إعلان مظلمة الشعب اليمني، وأتحايل على الظروف (والملابسات) من أجل إعداد الشعب للثورة على واقعه الفاسد، ورغم كل الموانع التي أقيمت، والحدود التي وضعت على نشاطي، إذ منعت وزملائي من الإذاعة والنشر، وهوجمنا في صحف القاهرة حين كان يُمَجد الإمام، وبلغ الأمر الحد الذي نمنع فيه من مغادرة القاهرة.رغم كل ذلك فإن إيماني بحتمية التعاون بين اليمن والجمهورية العربية المتحدة لم يتغير ولم يتزعزع، لأني وقد عشت ظروف بلادي وعلمت أمورها، وخبرت شؤونها خلال ثلاثين عاما من النضال المشرف الذي لا يستطيع دعي أو مدسوس على حركة الشعب أن يزيفه أو يشوشه، تيقنت أن اليمن الحديثة المرجوة لا يمكن بناؤها –وقد تخلفت عن ركب الحضارة العالمي– بدون اليد العربية الخيِّرة، وأين هي هذه اليد في بلاد العرب إذا نحن عدونا مصر بإمكانياتها العلمية والاقتصادية والعسكرية.
 
يا سيادة الرئيس:
إن حقيقة هامة تلعب دورها في حياتي أرجو أن تكونوا على بينة منها ويقين راسخ بها – ذلك أنني أتعامل مع الحياة والناس بقدر نفعهم لتقدم اليمن، وسواء بعد ذلك أأقبل هؤلاء نحوي أو أدبروا فإن ذلك لا يغير من موقفي حيالهم شيئا.. ولو أن شخصي هو مدار تحركي لما ارتفع لي صوت في وجه الإمام أحمد بعد عام 48، وقد أقالني من الموت بعد أن أثرتها عليه حربا عوانا أطاحت بأبيه، وكادت تفقده عرشه وحياته.. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ، وإنك لتعلم أنت جيدا ما كان موقفي منه ومن ابنه عندما زرت القاهرة عام 55، وأنا في الصدارة في الدولة، أو كما كان يقول: “البدر عيني اليمنى ونعمان عيني اليسرى”.
لقد ظللت صوت نذير دائم في القاهرة من التعامل مع الإمام أحمد، أوالانخداع بمواثيقه حتى بح الصوت، إلى أن أعلن حربه السافرة على الجمهورية العربية المتحدة بعد الانفصال بين مصر وسوريا فأصدرت “التأميم في اليمن”* أطلب فيه مراجعة الموقف مع هذا الحليف حتى إذا حل الاتحاد بين البلدين، انبرى الدكتور البيضاني للمسرح يدير دفة المعركة الدعائية في حين حيل بيننا وبين الإذاعة،
وعاودت الصحافة الهجوم علينا، كما كان الحال بنا عندما هاجمتنا صحيفة “الجمهورية” في عهد الإمام أحمد لمعارضتنا له، وامتنع مديرها آنذاك السيد أنور السادات عن مقابلتنا رغم الاستئذان عليه ببرقية مطولة.
 
يا سيادة الرئيس:
إن الموقف في اليمن لا يحتمل الصبر ولا التسويف، وأنا أقولها صريحة، ودون أن أؤكد قولي بالإسم ودون مقدمات، وأنا الذي أعرف اليمن حق المعرفة وأعرف رجالها واحدا واحدا.. أقول إن الدكتور البيضاني وشلته.. إذا ظل هؤلاء في جهاز الحكم في اليمن كوزراء وكقادة للثورة فإن البلد ستتعرض للفوضى لا محالة، وستخسر الجمهورية العربية المتحدة مكانتها وهيبتها وسمعتها، إذ تضع يدها مع شلة هي أسوأ من الشلة التي كان الإمام أحمد يؤلف منها جهاز حكمه.
 
يا سيادة الرئيس:
إنه لم يعد يخفى على أحد أن هؤلاء الأشخاص هم الذين تعاطت معهم الجمهورية العربية المتحدة من قبل الثورة، وهم بأنفسهم يتحدثون عن ذلك في أسواق عدن وتعز وصنعاء، ويقولون إن الجمهورية العربية لم تثق إلا بهم، ولم تتعامل إلا معهم، وهم الذين تعرفوا بالسيد أنور السادات، واختلطوا به، وأذاعوا ارتباطه بالبيضاني وصهارته له.
 
يا سيادة الرئيس:
لقد قصدت من هذا القول أن أسجل رأيي في الموقف داخل اليمن الذي أصبحتم تشاركون في صنعه مشاركة قوية فعالة بالنفس والجهد والمال.. وكما حرصت في الماضي على ألا تُوغل الجمهورية في التعامل مع الإمام خشية على اليمن من أن يطول بها عهد الظلام تحت ستار التعاون العربي، وإشفاقا على أحلام العروبة كلها في القيادة الشعبية القومية التي يتطلع منفذ خلاص من ضعف القيادات المرتبكة ووهنها، كذلك هو شأني الآن.
 
يا سيادة الرئيس:
إن في القاهرة اليوم من أحرار اليمن السادة: حمود الجائفي، عبد الرحمن الإرياني، عبدالله جزيلان، محمد محمود الزبيري، محمد علي عثمان، سنان أبو لحوم، أحمد محمد باشا، يحيى منصور، عبد الله الضبي. وإني لأرجو يا سيادة الرئيس أن تستدعي هؤلاء، وتطلب رأيهم بصراحة ووضوح عن الموقف، وعن هؤلاء الأشخاص الذين يتولون أمور اليمن اليوم، ويقررون مصيرها، إنني ألح في الرجاء أن تدعو هؤلاء الأحرار حتى تكون على بينة من الأمر، وحتى تزداد يقينا، لأنك وحدك المسؤول أمام التاريخ ، فإن الناس لا يعرفون زيدا أو عمرا، وإنما يعرفون شخصا واحدا هو جمال عبد الناصر.
إنني لأكرر من جديد أن حماية أحلام العروبة في القيادة الرشيدة الواحدة تبعة تاريخية خطيرة يلقيها القدر على عاتقك يا سيادة الرئيس، ويفرض عليك دون غيرك التحري البالغ في اختيار الأعوان والأصدقاء.
وسلام الله عليك يا سيادة الرئيس إلى يوم ألقاك.
 
أخوكم
 أحمد محمد نعمان
 
* الكتيب للأستاذ نعمان الإبن: الشهيد محمد أحمد نعمان وقد صدر عن الاتحاد اليمني لجنة الثقافة والنشر في ديسمبر 1961م