خارطة طريق إلى القصر الجمهوري

خارطة طريق إلى القصر الجمهوري

– سامي غالب
يعود المتسابقان على الرئاسة بعد أيام إلى العاصمة ليتفحصا من القمة، بالمعنيين السياسي والجغرافي، حصاد شهر من البحث المضني عن شيء من اليقين يثبت القلوب التي بلغت الحناجر مع نزول أصحابها السهل الممتنع (إب وتعز)!
هل يكون «الدوار» جائزتهما عوض اليقين؟ ربما! فالانتقال من القمم الشاهقة إلى بحور الرمال في الشرق، إلى ركوب بحرين غرباً وجنوباً، فصعود الهضبة مجدداً انطلاقاً من سطح البحر إلى نقطة الذروة الانتخابية والجغرافية في العاصمة، كل ذلك في ظرف أيام، من شأنه أن يصيب الرحالتين بالدوار بوعثاء السفر أو بتداخل الصور، أو بحدة التردد بين الرمل والطين والبحر والجبل، حتى أن الفوارق تكاد تمحي بين المتسابقين بصرف النظر عن صحة الأبدان وطول الأعمار.
 
الوقوف على رمال متحركة في إب وتعز
الشاهد أن المتنافسين بديا في موطن الطين (إب وتعز) كأنما يقفان على رمال متحركه، هناك حيث توجد أكبر كتلة انتخابية سيكون لها الكلمة الفصل في تقرير مصير الرئاسة.
في إب حيث الكثافة السكانية الأعلى، وتعز ذات الحجم السكاني الأكبر،وفيهما معاً حيث تتراص قرابة ربع الهيئة الناخبة (2مليون ناخباً وناخبة) دلف صالح وبن شملان إلى غابة موحشة من الغموض، لا حصان يغني ولا شمس تنير، ولا مفر أمامهما من استئناف المسير باتجاه الأربعاء الحاسم أعزلين إلا من شتيت احتمالات، وإلا فزاد ضئيل من نتائج انتخابات سابقة جرت في سياقات مغايرة.
في تعز وإب ما يزيد على مليوني صوت. وتفيد نتائج آخر انتخابات نيابية (2003) أن المؤتمر الشعبي (حزب المرشح علي عبدالله صالح) حصد ما يوازي 54٪ و61٪ من اصوات المحافظتين على التوالي. لكن هاتين النسبتين المعتبرتين ستعزَّان على مرشح المؤتمر، ذلك أن التصويت في الرئاسية سياسي محض، وقد يأخذ طابعاً احتجاجياً، خلاف دوافع التصويت في انتخابات نيابية حيث العوامل الاجتماعية والشخصية أسبق من العوامل السياسية، وأخذاً في الاعتبار تعمق الوحدة بين احزاب اللقاء المشترك، وقدرتها على الاستفادة من كل صوت انتخابي في المحافظتين إذ لا أصوات ضائعة في انتخابات الرئاسة، فإنه من المتوقع أن ترتفع حصيلة أصواتها في المحافظتين (بدلاً من 37٪ و30٪) إلى قرابة نصف الأصوات لتهدد أفضلية المؤتمر الشعبي.
بعد تعز وإب، تأتي الحديدة في المرتبة الثالثة (940 ألف صوت) وفيها يحقق المؤتمر الشعبي أفضلية صريحة منذ أول انتخابات نيابية (1993). وفي انتخابات 2003 استحوذ المؤتمر على 70٪ من الاصوات، ويظهر من بعيد حزب الاصلاح (15٪) ولا يبين أثر لبقية احزاب المشترك. من المستبعد أن تحقق المعارضة هنا اختراقاً لقاعدة مرشح المؤتمر وستعد صاحبة قدرات خارقة إذا تمكنت من انتزاع ثلث الأصوات.
تبدو الصورة مشرقة في العاصمة. غالباً ما أصيبت أحصنة المؤتمر في شوارع صنعاء وأزقتها بضربات «شمس الاصلاح» حتى في الأيام الغائمة كما في 2003. والثابت أن «الشمس» تشرق في المدن، معقل الحركات الاسلامية على امتداد العالم العربي بفعل الطبيعة المحافظة للمدينة العربية التي تتغذى من حداثة معاقة وريف زاحف واستبداد مقيم. وفي العاصمة يكون الدين عاصماً من تغول الدولة وزحف أدواتها لملء أي حيز اجتماعي.
في انتخابات 2003، تقدم الإصلاح ب10 مقاعد برلمانية (من أصل 19) ولئن حصد 42٪ من الأصوات (في مقابل 49٪ للمؤتمر)، فإنه رفقه حلفائه استطاع حصد 46٪ من اصوات الناخبين.
حصة اللقاء المشترك مرشحة للزيادة، فإلى المؤيدين السابقين انضم آلاف الساخطين من سياسات المؤتمر، خصوصاً بين فئات الموظفين وصغار التجار، وفئات اجتماعية أخرى تأذت من الجرع السعرية (ماتزال أحداث 20و21 يوليو2005 ماثلة)، فضلاً عن نسبة مقدرة من سكان العاصمة من جمهور حزبي الحق واتحاد القوى الشعبية دأبت على التصويت لصالح المؤتمر نفوراً من الاصلاح المتوثب بخطابه المستفز.
الآن يعتمد الاصلاح خطاباً سياسياً راشداً، ينبني على مرتكزات سياسية واجتماعية، وهو يخوض الانتخابات متحالفاً مع حزبي الحق والاتحاد. وإذاً فإنه من المرجح أن تتأكد أفضلية المعارضة.
لا يواجه المؤتمر تهديداً في حجة وذمار (اللتين تحتلان المرتبتين الخامسة والسادسة)، لكن الكمائن تنتظره في قلب الوادي الحضرمي.
تحتل حضرموت المرتبة السابعة في عدد الناخبين (نصف مليون صوت). في 2003 تفوق المؤتمر بوضوح إذ حاز على 53٪ من الاصوات(وحاز منافساه الرئيسيان الاصلاح والاشتراكي على 42٪ فقط). أفضلية المؤتمر مرشحة للزوال في مسقط رأس المنافس، ومشتل الفن والتجارة والثقافة، هنا رشادة الناخب وغلبة المدينة تتظافران مع أفول تيار إصلاح مسار الوحدة لمنح التقدم لبن شملان.
هذه 7 محافظات قد تقرر نتائجها مصير الانتخابات. بالتقسيم الإداري تمثل ثلث اليمن فقط، لكنها بحساب الأصوات تمثل ثلثا الهيئة الناخبة (قرابة 5.8مليون ناخب وناخبة)، هذا رقم يدير رؤوس المتسابقين، وقد يلحق بأحدهما صداعاً مزمناً.
 
دلالات «عابرة للانتخابات» في عمران وعدن
بعد المحافظات السبع السمان، تأتي مباشرة محافظتا صنعاء وعمران. وفي الأولى تبدو كفة المؤتمر الراجحة (62٪ من الاصوات في 2003) مرشحة للاستمرار، في حين أن علامات زوال أفضلية المؤتمر في عمران (55٪) بادية للعيان. فإلى الصدع في علاقة الشيخ عبدالله بين حسين الأحمر بمرشح المؤتمر الشعبي العام، اظهرت الحملة الانتخابية تقدما ملحوظاً لبن شملان، بفضل كفاءة شيوخ الاصلاح ودينامية حميد الأحمر صاحب الحضور المتميز في فريق مرشح المعارضة.
في لحج (المرتبة العاشرة) يتقدم الاشتراكي (22٪) في مواجهة المؤتمر (34٪)، معززاً بكتلة أصوات الاصلاحيين (17٪)، علاوة على قوة المستقلين (18)، والمؤكد أن لبن شملان أفضلية صريحة في هذا المحافظة. وقد يكون ذلك حال محافظة صعدة المثخنة بجروح الحرب. في 2003 لم تتجاوز أصوات المشترك 7٪ (قياساً ب51٪ للمؤتمر). والمؤشر اللافت في تلك الانتخابات أن المستقلين حازوا على 39٪ وهي النسبة الأعلى في اليمن. هؤلاء أعضاء سابقون في حزب الحق تمكنوا من حصد مقاعد في البرلمان في مواجهة مرشحي المؤتمر، لكنهم مالبثوا أن انضموا لكتلته البرلمانية.
قد يتعثر حظ مرشح المؤتمر الآن إذا قدَّر ناخبو المحافظة أن الوقت حان ليسدد ضريبة الحرب!
تتأخر عدن في الترتيب وفق كتل الأصوات (المرتبة 12 بقرابة 300 ألف صوت)، لكن الموقع السياسي للعاصمة الاقتصادية يكاد يضاهي في مكانته العاصمة السياسية والتاريخية. إنها «عين اليمن»، على حد وصف محمد علي باشا، ومن عين اليمن قد تتعين الملامح النهائية للمشهد الانتخابي. إذا تم تحييد التأثيرات القسرية على اتجاهات التصويت لدى أفراد القوات المسلحة والأمن الذين يمثلون ربع الناخبين، فإن رصيد المؤتمر الشعبي المحدود من الاصوات (39٪) مرشح للتآكل. وإذا تجاوز حزبا الاشتراكي والاصلاح الخلافات حول قوائم الترشيح في المحليات، فإن ذلك سيساعد الناخبين العدنيين الناقمين من الأوضاع المعيشية والمتشوقين لاستعادة المكانة السياسية لمدينتهم، على إفراغ شحنة غضبهم التي ستترجم أصواتا تصب في جعبة بن شملان.
اتجاه التصويت في عدن، كما في حضرموت، يتعدى الدلالات الانتخابية المباشرة، إلى أبعاد سياسية واجتماعية غاية في الحساسية. وإلى نتائج هاتين المحافظتين الجنوبيتين، تحتل محافظة عمران أهمية مماثلة، في تقرير صورة النظام السياسي على المدى القريب.
في البيضاء (13) قد تكتسي بعض المناطق في صفحة المؤتمر باللون الرمادي، خلاف المحويت (14) حيث الغيوم الكثيفة تحول دون تعريض الحصان لمخاطر ضربات الشمس. ها هنا ينعم مرشح المؤتمر بطيب مقام في ربوع المحويت الساحرة.
هذه المحافظات السبع من شأنها ترجيح كفة مرشح في حال تساوت الحظوظ في المحافظات السبع الأولى.
تقدم المؤتمر في صنعاء (المحافظة) والبيضاء والمحويت فقط وتراجعه في المحافظات الأربع الأخرى قد يعني هزيمة انتخابية واستراتيجية كبرى.
 
7 محافظات عجاف و7 سنوات سمان
لا تكاد تمثل المحافظات السبع الأخيرة نسبة الثمن من الهيئة الناخبة (مليون صوت فقط)، هي بلغة الأرقام الانتخابية سبع محافظات عجاف. على أن الاستقطاب الحاد على الأصوات في شتى انحاء اليمن، قد يجعل من اصوات هذه المحافظات القشة تقصم ظهر الحصان.
في محافظات أبين والضالع ومأرب ترجح كفة بن شملان، فيما يتقدم صالح في الجوف وشبوة وريمة. وفي المهرة التي حصد المؤتمر 54٪ من اصواتها (52الف صوت) في آخر انتخابات نيابية، تزعم المعارضة أن رصيد المؤتمر تراجع فيها.
طبق مؤشرات آخر استطلاع للمركز اليمني لقياس الرأي، فإن علي عبدالله صالح يحظى بتأييد نحو 49٪ من الاصوات، فيما تضاعفت غلة منافسه من الأصوات لتبلغ 30٪، وما يزال قرابة 20٪ متردين حيال تحديد مرشحهم المفضل. وهذه النسبة تعادل عدد أصوات هذه المحافظات العجاف التي قد تهدي أحد المرشحين سبع سنوات سمان!