لماذا يقود التوجيه المعنوي الحملة ضد نقابة الصحفيين؟ – نبيل الصوفي

لماذا يقود التوجيه المعنوي الحملة ضد نقابة الصحفيين؟ – نبيل الصوفي

نبيل الصوفي

 
في البداية، أود أن أنحاز إلى حق كل زميل صحفي في أن يوجه نقدا لنقابة الصحفيين ولمجلسها الحالي. فثمة الكثير مما يمكن به نقد أعضاء المجلس، وبقدرهم جميعا أعتقد أن النقيب السابق الأستاذ محبوب علي لولا أنه قد استقال، لكان حريا بنا أن نناقش دوره المحوري في وضع النقابة الحالي. لقد كان يؤكد للصحفيين دائما أنه معهم ضد الإجراءات التعسفية، وأنه مع قضاياهم، وهذه تشهد له ضد بعض منا يحاول الإساءة للأستاذ بأنه كان متخاذلا. والحقيقة أن كل أعضاء المجلس الحالي وإن تقاعس بعضهم في العمل الإداري لكنهم في الموقف من الحريات ومن القانون العام قدموا نموذجا أفضل -ولاشك- من كل مجالس النقابة منذ قيام الوحدة اليمنية. أغلبهم لم يكن مع آراء زملائهم الصحفيين الذين تعرضوا للانتهاكات- ولم يحدث مرة واحدة أن أصدرت النقابة بيانا تؤيد فيه رأي صحفي ما، لكنها فقط كانت متمسكة بأن الرأي المخالف لايرد عليه بحسب القاعدة سيئة الذكر “من كتب لُبج”- سامح الله من شرعها. ولعل هذا ما فشلت النقابة الحالية في شرحه لأجهزة السلطة المعنية، حتى تفرق هذه الأجهزة بين الرأي السياسي والوظيفة الفنية المهنية للنقابة. هذا إن كانت ديمقراطية هذه البلاد تتيح مثل هذا الأمر.
غير أن مشكلة النقيب السابق، الأستاذ محبوب، أنه للأسف كان-مع أول لقاء يجمعه بمسؤول حكومي- يشكو من الأسرة الصحفية ومشاغباتها. ومن الغريب أن دولة الأستاذ عبدالقادر باجمال –وبحكم صداقته الحميمة مع الأستاذ محبوب- يتبنى وجهة نظره وكأنه أمين عام شلة صحبة، وليس رئيس حكومة لها وعليها التواصل مع الجميع، والتعامل مع مختلف الآراء، فضلا عن الأشخاص.
أما ثانيا، فإنه يجب لفت الزملاء الصحفيين، أن المؤتمر الشعبي العام حتى الآن يتعامل بمسؤولية مع النقابة، فكل أعضائه نجدهم مع الأسرة الصحفية، يخوضون في عراك معنا دفاعا عن رأي حزبهم وقياداته، لكنهم ضد الاعتقال والسجن والخطف. ومع نقدهم للنقابة فإن حرصهم على نقابة فاعلة وقوية. ومعهم كل أو غالب موظفي الإعلام الرسمي، أظهر من موقف كل أو غالب صحفيي المعارضة، باستثناء بعض من يتوق منهم لمنصب يعلم أو يظن أن الطريق له تمر على ظهر زملائه في المجلس الحالي.
 
وثالثا، فإن الأستاذ حسن اللوزي وزير الإعلام الحالي، مع تقديرنا لسلفه الذي كان عازفا عن التصدي للدفاع عن حقوق كما واجبات الصحفيين. الوزير الحالي كانت أول خطواته زيارة مجلس النقابة واللقاء بهم. وسبب ذلك اللقاء تفاؤلا جيدا في إمكانية وجود طرف حكومي يستطيع فعلا التواصل مع النقابة التي يشكو اليوم من أنها ضد الحكومة، مع أنها لم ترفض أي نقاش ولا ردت أي مبادرة مع الحكومة ولا مع المؤتمر، بل إنها بذلت جهدا- لم يكلل بالنجاح- للتواصل مع الأجهزة الحكومية. وكنت أنا، كصحفي، من الذين فشلوا في إقناع مؤسسات في السلطة بالاستجابة لمحاولات النقابة فتح قنوات تواصل مع هذه المؤسسات، لمناقشة قضايا الصحافة بكل مسؤولية وبما يوقف تنامي القلق الرسمي والاجتماعي من الصحافة والإعلام.
* لذا، ورابعا، فإنه يساورني شك في أن هذه الأجواء الإيجابية هي سبب التصعيد غير المبرر ضد النقابة، ربما في سياق الصراع على الإعلام الرسمي أصلا بين وزارة الإعلام والمؤتمر من جهة، وبين التوجيه المعنوي للقوات المسلحة.
أعتذر هنا لكل أفراد التوجيه المعنوي كمؤسسة، فما اقصده هو التوجيه المعنوي كعنوان مصالح خاصة ببعض الأشخاص (المقربين وظيفيا من الرئيس) الذين يصارعون وزارة الإعلام على إدارة الإعلام الرسمي منذ زمن، وخاصة أنهم عاشوا في عهد الأستاذ حسين العواضي عصرا ذهبيا لهم، عكس ما كان في السابق؛ سواء أيام الأستاذ باسندوه أم أيام الأستاذ الأكوع أم غيرهما. وللأسف رافق ذلك العصر الذهبي لهم فشلا كبير في إدارة علاقة متوزانة بين الرئاسة وبين الصحفيين، لذا يحاولون معاقبة النقابة على خطأ لم ترتكبه، ولا هي مسؤولة عنه.
ويعزز شكي أن هؤلاء الأشخاص الذين نحترمهم –بعيدا عن وظيفتهم التي يبدو أنها تفرض عليهم أداء يناقض مانظنهم عليه من اهتمام بالعمل المؤسسي وتنمية مراكز قوى مدنية وحديثة في المجتمع- نشطوا في التواصل مع زملاء صحفيين، كانوا في علاقتهم معا فرسان مرحلة ماقبل النقابة الحالية. لكني أعتقد أن من واجب النصيحة أن نقول لهم إن النقابة ليست مسؤولة عن “انتهاء تلك المرحلة”، إذ ليس من أعضاء قيادة النقابة الحالية من يتوقون لدور داخل مؤسسات الدولة، وهذه واحدة من مشكلاتهم الشخصية، من وجهة نظري.
كما أن مشكلة المجلس الحالي وأعضاءه، أن غالبهم لايقدر حجم المكان الذي يشغل، ولا القدرات التي يؤهله الموقع لأدائها. أو أنهم في الحقيقة يدركون –عكس مانظنه نحن من خارج المجلس- تحديات التصدي لمثل ذلك الدور، ويحاولون قدر الإمكان البقاء بعيداً عمَّا يتهمون به من التصدي لخيارات سياسية، مع اعتقادي أنهم لو قرروا ذلك لسببوا أزمات كبيرة في بلاد مركبة على التوافقات خارج المؤسسات.
خلاصة القول أن أمام أعضاء النقابة في التوجيه المعنوي، مع أنهم يحكمون بالقانون العسكري سواء في حقوقهم أم في واجباتهم وليس بالقانون المدني، والأول يحظر عليهم الانتماء لنقابات مدنية، وليس ذلك قصورا في حقهم ولكنه نوع من التخصص المهني المفيد للمجتمع. أقول: إننا نأمل منهم أن يفرقوا بين مايجب عليهم تنفيذه كموظفين، فهذا عليهم، وبين أدائهم الذاتي. وليس الأمر أن يقفوا ضد توجيهات “الأستاذ”، بل أن يدافعوا عن نقابة قوية بين يديه. إننا نتشارك وزملاءنا العاملون في “26 سبتمبر” الصحيفة أو “الويبـ”، هموما واحدة، نأمل بيوم تخف فيها مطارق السياسة والفشل علة مهنتنا. ولذا فنحن بحاجة لنقابة لايتعامل معها بحسب مطالب “الأستاذ” بل بحسب حاجة الصحافة.
ليس الوقت لمناقشة فشل أو نجاح مجلس النقابة. واتفق تماما مع الأستاذ نصر طه مصطفى في أن إدارتنا –أتحدث عن زميل في أسرة صحفية عارضت المجلس السابق وشككت فيه إلى اللحظة الأخيرة- كانت خطأ. وليس بالضرورة أن نعتذر للسابق بتكرار الخطأ على اللاحق.
إن المجلس الحالي لم يلتقط أنفاسه، ووقع ضحية صراع الصحفيين مع مايرونه خطأ. لكن النقابة لم يحدث أن حرضت صحفيا على أي موقف أو رأي. أما دفاعها عن الحق الدستوري المؤصل لحرية الرأي والتعبير، فحتى لو أن المؤتمر جاء بنقابة كل أعضائها –وليس فقط قياداتها- منه؛ غير قادر على منع مثل هذا الموقف.
وحتى لو كان الأستاذ عبده بورجي، وهو السكرتير الإعلامي لرئيس الجمهورية حتى الآن، ونكن لشخصه التقدير، ولانتفق مع بعض من كتب بخفة تجاه علاقة كانت جيدة بينه وزملائنا المراسلين لكنها اليوم لاوجود لها إلا إن كانت ستعود على حساب النقابة. أقول حتى لو كان هو نقيب الصحفيين لما أمكنه إلا: إما أن يمنع حبس واعتقال وضرب و إهانة الصحافة والصحفيين، وإما أنه سيجد نفسه أمام وجوب إصدار بيان على الأقل، للدفاع عن النقابة التي هو مسؤولها.
إن المنتمين للمؤسسات الرسمية هم أكثر من يجب الإعتذار لهم، لأن النقابة لم تستطع التصدي لقضاياهم المهنية، ليس لأن نظراءهم في الإعلام الحزبي والأهلي أفضل حالا، بل لأن مؤسساتهم أكثر فاعلية وإمكانية.
ولا أظن الخطاب الرسمي الذي يديره الزملاء في التوجيه المعنوي حتى الآن، يطالب النقابة بأن تتصدى لقضايا هؤلاء، من قبيل الاعتصام أمام وزارة المالية والإعلام، أو أمام التلفزيون أو الإذاعة للمطالبة بكادر لهم، أو بتمليكهم حصصاً من مؤسساتهم، وضمان قدر ضئيل من التعامل اللائق بهم، وعدم إبقائهم أسرى الحاجة فيما ممتلكات “الأساتذة” تتسع وتمتد، فللااً وسيارات.
هذا ليس مقايضة بين المجلس الحالي وقضايا الإعلام الحقيقية التي لن تقبل أجهزتنا الرسمية مجرد التفكير بها، لكنه لفت انتباه إلى أن المجلس الحالي لم يرتكب المحرمات حتى الآن. ومع اتفاقنا على أن ثمة قصور في أدائه، فإن الحل ستبدأ تباشيره مع نقيب جديد، يختاره المؤتمر بدلا من أن نفقد جميعا التواصل لنتحول إلى مخازن للصراع ستعرضنا للإنهاك لكنها لن تحقق لأحد منا شيئا.
كيف لنا أن نوضح لقيادة المؤتمر الشعبي العام أن النقابات التي لاتتصدى لقضايا منتسبيها ليست سوى عود كبريت ينتهي باستخدامه لمرة واحدة، وأن ذلك يفسح المجال لنقابات ومنتديات وجمعيات شخصية لايمكن إقامة شراكة معها ولا الركون إلى أدائها.
خلاصة القول: لدينا أمل بجمعية عمومية تردف المجلس الحالي بنقيب يواصل طموحنا جميعا. وللأستاذ محبوب كل التحية؛ فقد قدم ما قدر عليه، وهو لذلك مشكور، ولست مع الإساءة إليه، ولا الإساءةإلى زملائنا المؤتمريين والذين ينالهم الآن سوء أن: الأول من (بعض) زملائهم في الحزب، الذين يريدون إظهار فشلهم في تطويع نقابة لم تفعل سوى بيانات التنديد بخرق الدستور. وآخر من (بعض) زملائهم في النقابة، الذين يعاقبونهم على انتمائهم للمؤتمر.
وبقي لنا عامان، نكون بعدهما مع موعد لانتخاب مجلس جديد، قد طوعت مراكز القوى للتعامل معه باحترام
والله ولي التوفيق