التذاكي.. محسن العمودي

التذاكي.. محسن العمودي

في حياتنا نماذج غريبة وعجيبة من البشر، إن صحت وانطبقت عليهم لفظة “ بشر “، لا تجيد التعامل إلا بأساليب الفهلوة والشطارة المبتذلة المفضوحة. والأدهى والأمرُّ أن أصبح بحوزة تلك النماذج وتحت إمرتها مؤسسات، من أحزاب ووزارات وصحف ومجلات وشركات تجارية خاصة ومختلطة، بل للبعض منهم حواريون ومرافقون وفتوَّات إن تطلب الأمر واقتضى.
 الفارق يبقى كبيرا بين الذكاء الطبيعي الممنوح من الخالق عز وجل، والتذاكي الذي يدعيه البعض ويدعي انه يملكه. والمصيبة الكبرى أن يتذاكى عليك من هم من الفصيل الثاني، وأنت في قرارة نفسك تدرك ذلك، بل وتضحك مبتسما ساخرا من هذا المتحدث المتحذلق إن وجها لوجه، أو عبر الهاتف، فالبون يبقى كبيرا شاسعا بين كلمة “ الذهب “ وصفة “ الذهبي “.
مجموعة شركات هائل سعيد انعم – وهنا أتحدث عمّا لمسناه في حضرموت -لم تتبع أسلوب التذاكي، فأبناء وأحفاد الحاج رحمه الله، لم يتذاكوا على حضرموت الأرض أو الإنسان، فكان بإمكان المجموعة؛ إن أرادت- أن تحصل على التوجيهات والأوامر، من أعلى الهرم السلطوي في بلادنا إلى أدناه، بصرف مساحات شاسعة من الأراضي لإقامة منشآتها الصناعية أو بناء إداراتها، أو حتى بناء الفلل والقصور الشخصية؛ لكنهم ومن فطنتهم وحكمتهم، اختاروا وكيلا حضرميا، ليقوم بشراء المساحات التي يرومونها لتحقيق أهدافهم ومن حر مالهم كما يقال. ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بتأهيل وتوظيف الكثير من أبناء المحافظة إن في فروعهم في حضرموت أو باقي محافظات الجمهورية، فحظوا باحترام وتقدير الكل، فسبحانه وتعالى يؤتي الحكمة من يشاء، عدا عن إسهامهم الفاعل مع منظمات المجتمع المدني، ونموذج بناء مركز الشاعر الراحل حسين المحضار بمدينة “الشحر” ماثل أمام العيان. شركة “الرويشان والمحضار” نموذج آخر مشرق، لا يستخدم أسلوب التذاكي، عدا عن دماثة الخلق التي يتحلى بها الشريكان، النقيض لما تستخدمه المؤسسة الاقتصادية، أو بعض تجار الداخل والمهجر، المجردين من كل ما له علاقة بقيم الإنسان وأخلاقياته، لا يمكن إغفال الدور الإنساني والاجتماعي الذي تقوم به مؤسسة “بن مالكـ”، فهم من الناس والناس منهم، رغم الاستهداف والمضايقات المتكررة لهم من بعض المتنفذين.
 التذاكي أسلوب يجيده ويبرع فيه بعض كبار المسؤولين في بلادنا، فأحدهم وقد أفاض وأسهب في أفضلية عرض شركة موانئ دبي العالمية حول ميناء عدن، إلى أن جاء القرار أو التوصية الرئاسية بالإلغاء في عدن، أو إعادة النظر في العرض برمته في المكلا، بحجة مساسه وانتقاصه للسيادة الوطنية.
 نائب برلماني وقد يكون بدرجة وزير أو ارفع في حكومتنا –السنية– حسب وصف الكاتب المصري الساخر “احمد رجب”، لا يعرف دائرته الانتخابية أو أبنائها أو بعض الرموز الاجتماعية فيها، إلا عندما يأزف موعد الاستحقاق الانتخابي، ولا يتواصل إلا بعد أن يُنصح أو يوبَّخ من الغير حرصا ومحبة، لتقاعسه وبلادته، وتغابيه السياسي غير المحتمل، فالفارق وكما قلنا يبقى كبيرا بين الذكاء الرباني والتذاكي البشري.
 ومحافظ محافظة، يجمع ويؤطر مجموعة من المحسوبين على صاحبة الجلالة – ظلما وزورا وبهتانا – لا ليرشدوه أو لينيروا له الطريق، بل ليمجدوا بحمده ونزولاته وصولاته وجولاته، وان أهمل احدهم يوما أو تناساه في الإكرامية المعتادة، سن قلمه قذعا وتجريحا في ولي نعمته السابق، وعمل على إيجاد تحالف مناوئ بهدف تصفية الحساب حتى تعود الإكرامية، فيعود معها الود والوئام، فحتى الخلاف أو الخصومة لها آدابها وأخلاقها، فقط لمن يعرفونها وتحلوا بها وتشربوها مع حليب الأم الطاهر.
 وصلت الصفاقة وجرأة الوقاحة بأحدهم، أن يتذاكى حتى في الموت وفي تأبين راحل كبير فقدناه جميعا، فبدلا من أن يؤبن الراحل ويعطيه حق قدره في مثل هذه المناسبات وهو المستحق لها وعن جدارة، أقحم اسم احد كبار التجار دون أي داع، بحجة أن الراحل فارق الحياة في إحدى مستشفياته، وهي معلومة غير صحيحة، ولا اعتقد انه لا يدركها، فالتذاكي وعبر التأبين قصد به التاجر لا المفارق للحياة الدنيا !!!.
 الرمادية التي يعيشها الوطن بل واستمرأ العيش فيها وبها البعض، أضحت بيئة خصبة ومرتعا جيدا لمدرسة المتذاكين، ولكنها تبقى إلى حين، وحين قريب جدا، يستطيع من أوتوا البصر والبصيرة أن يدركوه، بل ويبشروا به وبقدومه، فقد آن الأوان للتخلص من هذا اللون، فالأمر قد وصل بنا جميعا إلى الاختيار بين لونين لا ثالث لهما، إما بياضا ناصعا نعيشه ونحياه، وإما سوادا حالكا يعيش ويقتات بنا. والله من وراء القصد.
[email protected]