في «الحب عن بُعد» لأمين معلوف.. ثمة موسيقى دافئة..

في «الحب عن بُعد» لأمين معلوف.. ثمة موسيقى دافئة..

جمال جبران

(1)
يظهر أمين معلوف في «الحب عن بُعد» أو (L’amour de loin) متخففاً بلا ثقالات التاريخي وتبعاته، من قراءات مرجعية ممهدة لتحقيق رواية. في «الحروب الصليبية كما رآها العرب» تفرغ معلوف عامين كاملين بهدف البحث عن مادته التي سيتكئ عليها لاحقاً لتدوين كتابه. في «الحب عن بعد» يحرر الروائي الفرنسي الجنسية -اللبناني الأصل- كتاباً سهلاً، نصاً مسرحياً لغاية تحويله مغناة أوبرالية أكثر منها مادة مطبوعة لا تمتلك، حال مطالعة اولى لها، أسباب ذهابنا إلى آخرها.

(2)
على غلاف الكتاب الأخير نقرأ: «نحن من القرن الثاني عشر من أكيتان.. جوفره رودال، أمير شاعر، يتوق، وقد سئم حياة الترف، إلى حب طاهر، بعيد، ويتغنى بامرأة وهمية متميزة. سائح آت من وراء البحر يؤكد وجود مثل تلك المرأة وأنه شاهدها: هي كليمانس الطرابلسية. جوفره وقد جُنَّ حباً ينطلق باحثاً عن هذا الحب عن بعد».
يأخذ هذا الحيز نص الفصل الأول، يليه لقاء ذاك السائح بكيلمانس الطرابلسية معترفاً لها أن أميراً جوالاً وشاعراً في الغرب يتغنى بها في ما يقوم بانشاده داعياً إياها بـ« حبيبته البعيدة».
«ثمة رجل يفكر فيك».. يقول لها وهي العائدة ببطء إلى أرض الواقع بعد ذهاب طويل في مناجاة لا شيء. وعلى الرغم من لا مبالاة ظاهرة من جهتها إلا أن سؤالاً منها قلب المعادلة: وما اسمه؟

– جوفري روديل
تعرف لاحقاً أنه لم يلمحها فيما مضى، فمن أين جاء كل نشيد الحب هذا؟
تشعر الكونتيسة بإهانة ما سببها ترديد شاعرها الجوال جوفري اسمها أمام العابرين، لكنها تعاود التفكير في إمكانية استحقاقها هذا العشق.

(3)
تالياً، في فصل ثالث، يلتقي السائح بجوفري مخبراً إياه أن الكونتيسة الطرابلسية علمت بحبه ليقرر تلقائياً السفر إليها.
الكونتيسة في الوقت ذاته بداخل رغبة تعلق قديمة بحب مجهول لابد ان يكون بعيداً غير متحقق. في طريق السفر يتعرض جوفري لمحنة صحية ما تلبث أن تكون سبباً في وفاة متأخرة قليلاً تصبح متحققة آن اللقاء الأول..
– في هذه اللحظة، أملك كل ما أشتهي
فماذا أطلب بعد من الحياة؟ يقول جوفري وجسده يتهالك ويضعف. لا يحرك ساكناً.

(4)
«الحب عن بعد» إذن هي «قصة حب وموت في خط التقليد الذي انتهجته الروايات الشرقية الكبرى». قراءة النص مطبوعاً في كتاب من (94) صفحة من القطع المتوسط وبترجمة نهلة بيضون، هي قراءة لن تحمل لفاعلها ذات الأثر المماثل في «سمرقند» أو «ليون الأفريقي» مثلاً. النص هو أوبرا، أو كتب في الأساس ليخرج في قالب غنائي وضعته الفنلدنية الشهيرة كايجاسارياهو وأخرجه بيتر سيلارز المهدى إليه في الأصل من أمين معلوف.
في حوار عبر البريد الإلكتروني أجرته الصحافية جمانة حداد مع سارياهو، قالت الأخيرة إن «الحب عن بعد» هي في الاساس قصة مستوحاة من حياة التروبادور جوفري روديال الذي يعتبر واحداً من أشهر شعراء الغزل في القرن الثاني عشر. في البدء قامت باختيار هذه القصة التي أوحت الكثير لشعراء الزمن الرومانتيكي، عملت على شخوصها ثم ذهبت للبحث عن كاتب لمسرحتها.
المخرج بيتر سيلارز كان هو من اقترح عليها اسم أمين معلوف لكتابة النص والذي كانت قد قرأت له من قبل رواية «حدائق النور» لكنها لم تتخيل مطلقاً أن يكون كاتباً أوبرالياً، مع هذا وجدت أن تفاهماً كبيراً نما بينهما من غير كلام كثير أو شروحات فائقة.
عندما قرأت سارياهو النص الذي كتبه أمين معلوف وجدت فيه وحياً بمعنى أنه من قام باستدعاء موسيقاها ولذلك فهي ترى أنه من أجمل النصوص التي خصصت للأوبرا. كما اعتبرت وفق انهما كانا يجهلان بعضهما قبل هذا التعاون إلا أنها اعتقدت بمعجزة ما نسجت خيوط التفاهم بينهما.
المشكلة الوحيدة في بداية الأمر كانت في كون امين معلوف لم يكن يألف العمل على خط زمني لا يجوز تجاوزه، ولا سيما الموعد الاول لانجاز العمل والموعد الاخير لتسليمه كانا محددين. وبقدر ما كان يتمادى في العمل على نصه كان الوقت المعطى لها للتأليف الموسيقي ينفد منها. هو اعتاد على انجاز رواياته بلا عجلة، لكن هذا العمل كان فرصة كيما يتنبه معلوف لحاجات سارياهو الموسيقية في كل لحظة، منفتحاً على متطلباتها.

(5)
تم عرض مغناة «الحب عن بعد» للمرة الأولى في مهرجان سالزبورغ في أغسطس 2000 وعُرضت ثانية على مسرح الشاتلية في فرنسا في نوفمبر 2001 قبل أن تقوم بجولة عالمية.
بالعودة إلى نص معلوف وقولنا بسهولة وبلا جدوى طباعته مترجماً للعربية (الترجمة أتت بعد عامين من انتاج المغناة) يمكننا إدراك هذه النقطة من مدى تعامل الجمهور الغربي مع هذا النص في سياقه الموسيقي لا غير. الكلام هنا الموضوع من قبل أمين معلوف لا يبتعد من مجرد كونه خطوطاً مرسومة بقلم رصاص كيما تأتي عليه سارياهو لتوضحه واضعة عمقه وقوة تأثيره على المتلقي.
عند الحديث عن هذا العمل إذن يختفي أمين معلوف لتبرز موسيقى الفنلندية كايجا سارياهو. الناقد الموسيقي الفرنسي ماكيم كابرليني يخطئ عندما يشير إلى جنسية أمين معلوف، الفرنسي، المغربي. الجهل هنا دلالة لا اهتمام أو اكتراث بصاحب النص المكتوب.
ما يهم هنا هو الموسيقى المصبوبة عليه والتي يقول عنها في موقعه الالكتروني: «موسيقى جميلة، دافئة، حانية، رقيقة بشغف، ومفاجئة».

[email protected]