حرب الدوباس

حرب الدوباس
حرب الدوفاس (النداء)

حرب الدوباس


– يدعم أصحاب المال وبعضهم من وادي حضرموت، حملة الرئيس في انتخابات قبلوية الأحكام، فهل يبيضون وطنيتهم بتمويل حملة إسقاط مرشح شرس  يقوَّض واحداً من مقومات التنمية المفترى عليها؟
– تمكنت الدوباس بالتحالف مع البيروقراطية والفساد وانعدام الجاهزية من كسر شوكة النخيل. وفي وسع الحكومة في مواجهته إدارة «تحالف راغبين» مع خنافس وحشرات

– وادي حضرموت- سامي غالب
– صنعاء – بشرى العنسي
«إذا وقفت تحت شجرة ودخنت سيجارة فإن ذلك قد يساعدك على حل مشكلتك»، قال عيسى عبدالقادر الحبشي، وهو موظف في فندق قصر الحوطة بسيئون، ليس له صلة ظاهرة بـ«لوبي التبغ»، ولم يكن يدخن ساعة التقته «النداء» صباح الخميس الماضي، ليشرح للقراء كيف تمكن رفقة البستاني فهمي علي بن خرصان من هزم «الدوباس». كان فهمي أبلغنا أن «التدخين» واحدة من الوسائل الاضطرارية التي يتبعها سكان الوادي في مواجهة الدوباز، أي إشعال حرائق وتوجيه أدخنتها إلى الأعالي حيث يواصل الدوباز مخططاته الاستيطانية.
قصة نجاح فريدة سجلها الحبشي وبن خرصان، وهما على الأرجح، خاضا حربهما معززين بدعم من ادارة «قصر الحوطة» الفريد، هو الآخر، في طابعه المعماري الطيني وفي جمالية تصميمه، والذي صار الآن وبعد قرابة نصف قرن من تشييده فندقاً فاخراً يعجب الزوار.. والسياح.

لمعان النخيل
على امتداد الوادي الحضرمي بفروعه الشهيرة، بدت «الدوباس» وهي محض حشرة لا تكاد تُرى بالعين، وحشاً فتاكاً يشل ضحاياه قبل أن يمعن تخريباً في النسيج النباتي لأوراق النخيل وقواعد الخوص والعذوق. وهي قدمت من عُمان قبل 6 سنوات، واستطابت سكنى المهرة وحضرموت، وتزحف حالياً باتجاه شبوة. بيضها يفقس مرتين في العام، مطلع موسمي تكاثرها، ربيعاً وخريفاً. ومن العصارة النباتية لعائلها الوحيد -أي النخيل- تتغذى الحوريات في سيرورتها التي تتوزع على خمسة أطوار، لتبلغ الطور المجنح للحشرة الكاملة.
عند نهايتي موسمي التكاثر تضع الدوباز بيوضها (100 إلى 150 بيضة للحشرة الواحدة)، وخلال سيرورتها تفرز الحشرة ذات اللون الأخضر المائل إلى الاصفرار مادة عسلية «دبسية» تتراكم أسفل قواعد العذوق وتنتشر على اسطح السعف. وعلى الأرجح فإن اللون العسلي هو سر لمعان النخيل الذي يتراءى للزراع علامة نصر مؤزر لغريب مقيم، كما ظواهر أخرى، رغماً عنهم.
تمتص «الدوباس» عصارة الأشجار. وفي المقابل تفرز مادتها الدبسية التي تجلب الأتربة، وتجذب الفطريات، وتخلِّق العفن. حصيلة هذه المقايضة المجحفة وأد مبكر للثمار وإعاقة متنامية، وهوان الشجرة الشامخة بانصرام السنين، واستسلامها للموت.

«تحالف راغبين» بين الحكومة والحشرات
إلى التدخين وما ينطوي عليه من مضار ومخاطر، يعوِّل زرَّاع الوادي الذين انزرعوا فيه منذ آلاف السنين، على المطر. وطبق عيسى عبدالقادر الحبشي فإن الآفة سبق أن دهمت الوادي قبل أكثر من 500 عام.
ومن دون أن يتقصد لفت رعاية محدثه إلى قرابته إلى الاستاذ الكبير عبدالله الحبشي أبرز محقق مخطوطات معاصر، أشار إلى ما أورده مؤرخ من تريم يدعى الجفري من أن دواء «الدوباس» المطر.
لم يتسنَّ لـ«النداء» التدقيق في رواية «عيسى» إذ أن العلامة المحقق عبدالله الحبشي يقيم منذ سنوات في الامارات، حيث يواصل، في ظروف مُثلى، رحلته «اللؤلؤية» التي بدأها قبل نحو عقود.
لكن محمد حبيشان الباحث في فرع الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي في المكلا، أشار في دراسة أعدها مؤخراً بأن المطر الغزير يساعد على القضاء على الحشرة في فترة محددة من اطوارها الخمسة.
وإلى المكافحة الكيماوية والمطر والتدخين، يلفت حبيشان إلى وسائل أخرى، كالمكافحة الزراعية: زراعة اشجار النخيل على مسافات متباعدة (7 متر مثلاً)، والري المنتظم، والتسميد الجيد.                                                                  جلال فقيرة

هنالك الحرب الحيوية أيضاً، أو ما يمكن وصفه بمضاربة الحشرات، انطلاقاً من مبدأ «عدو عدوي صديقي» وفي مواجهة الدوباس، توجد حشرات صديقة، مثل اسد المن، وأبو العيد، وفرس النبي، والخنفساء البنية، وشقيقتها الحمراء. غير أنه من المشكوك فيه أن تستطيع الدولة تنظيم تحالف واسع من الراغبين كهذا.

صراع في  الوادي
راهناً فإن الرواية المتواترة والمدقق فيها تفيد بأن الحشرة التي جاءت من الشرق حلَّت، أول ما حلَّت، في حبروت بمحافظة المهرة، وواصلت حملتها إلى عمق الوادي دون مقاومة تذكر، مستفيدة من ضعف الحجر الزراعي في المنافذ الحدودية وبين المحافظات. وبالطبع فإن تغلغل «الدوباس» من جهة الشرق منبت الصلة عن واقعة مزامنة ومحصورة تسللت فيها إلى اليمن من جهة الشمال. حيث نشرت الزميلة «الأسبوع» نهاية 1999 تقريراً عن ثبوت إصابة فسائل نخل مهداة لمزرعة رئيس الجمهورية في مديرية عبس، بالآفة، وأن توجيهات عليا سمحت بإدخال الشحنة على الرغم من تحفظ الجهة المختصة في وزارة الزراعة.
أياً ما كان، فالثابت أن مكافحة «الدوباز» بدأت رسمياً- ويبدو نظرياً فقط- في 2003. تستخدم فرق الوقاية (الرش) الميدانية مبيدي الدلتامثرين (بمعدل 2ملل/لتر ماء) والديسيز (بمعدل 1ملل/ لتر ماء).
«رششنا كميات من «ديسيز» مرتين»، قال فهمي بن خرصان لـ«النداء»، وزاد في نبرة مطعمة بالانجاز: «كما ترون، لا يوجد آثار للآفة».
وإذ انتقد قصور أداء فرق الوقاية، وعشوائية اجراءات الحجر على امتداد الوادي نبه إلى تدني وعي المزارعين في مكافحة الآفة.
والحال أن الكلمات والصور تلوح واهنة في تجسيم ما أصاب نخيل الوادي من هوان. ولغلق بوابة التهوين من المأساة الماثلة تكفي الإشارة إلى أن «الدوباز» اجتاح مئات الآلاف من اشجار الوادي والساحل الحضرميين.
في سبتمبر المقبل ستفقس البيوض في موسم تكاثرها الخريفي، ترى هل ستنعم بالسلام كما بيوض الربيع؟
بالنسبة لفهمي وعيسى فإن البيوض ستفقس في سبتمبر، والحشرة ستواصل مسيرتها الظافرة. وساعة تحدثا إلى «النداء» كان وزير الزراعة جلال فقيرة ينهي جولة تفقدية على مواقع تنفيذ حملة المكافحة الربيعية (ضئيلة المردود) التي نفذتها الوزارة. وحسب عبدالقوي عبدالجليل مدير عام وقاية النبات الذي رافق وفريق من إدارته الوزير في جولته، فإن الوزارة بناءً على تقييم أداء الحملة السابقة، ستعد خطة وميزانية تقديرية للحملة الخريفية (سبتمبر -نوفمبر). وهو أضاف في تصريحات لـ«النداء» بأن الوزارة سترفع خطتها إلى مجلس الوزراء لمناقشتها وإقرارها. مدير الوقاية أكد بأن الوزارة تعد ايضاً خطة لحملات العام المقبل.

ربيع أسود
خليق بهذا العام أن يوصف بـ«عام الدوباس». فبعد مناشدة شعبية رُفعت إلى رئيس الوزراء، تم اعتماد 100 مليون ريال لمكافحة الحشرة التي نشرت صفرتها في أرجاء الوادي. 90 مليون ريال كانت من نصيب حضرموت، وباقي المخصص ذهب إلى المهرة. في الساحل استفاد من الحملة الوقائية 3970 مزارعاً. في الوادي ولأسباب بيروقراطية تأخر تنفيذ الحملة في أغلب المديريات. وطبق البيانات الحكومية فإن الحملة نفذت فقط في ست مديريات، وشملت 856 ألف نخلة من اصل 1.200 مليون نخلة. واستفاد من الحملة نحو 40 ألف مزارع. ولأن الحملة تأخرت شهراً على الأقل (إذ بدأت في إبريل بعد أن فقس البيض) فإن الحشرة دقيقة التنظيم وذات الحس العالي بالزمن، استطاعت أن تنتشر في مناطق جديدة في حضرموت وشبوة.
أنكأ من ذلك، فقد ثبت أن آلات الرش ليست في كفاءة الدوباس، إذ عجزت عن ملاحقتها إلى أعالي أشجار النخيل. استطراداً، فإن عوامل أخرى مكنت «الدوباس» من تحقيق النصر المؤزر في مواجهة إدارة عامة منصرفة إلى تحقيق مكاسب سياسية في ميادين أخرى. للتمثيل فإن الأجهزة والمعدات المطلوبة للتشخيص والفحص غير متوفرة، والمياه ليست متاحة بما يكفي في «البوادي.
في سبتمبر القادم تفقس البيض. وفي الشهر ذاته تفقس العملية السياسية انتخابات قبلوية الأحكام. وليس مقدراً أن تثير العملية الأولى انتباه أحد في العاصمة التي ستكون وقتها منغمسة في أعراسها الديمقراطية. ودخل التجار المزاد السياسي ودفعوا بمليار ريال لا غير لدعم الرئيس علي عبدالله صالح. في وسع هؤلاء وبينهم عديدون من أهل الوادي تبييض وطنيتهم وإخلاصهم للتنمية الإسهام في تمويل حملة وطنية لأسقاط «الدوباس» المرشحة المحتملة للقضاء على أحد مقومات الحياة في الوادي.
في الخريف المقبل تخوض اليمن معركتين: إحداهما صورية، والأخرى قاسية ومكلفة، وفي حال استمرار الجاهزية الحكومية عند مستواها الحالي، فلا مناص أن يلجأ أبناء الوادي وأحفاد إمريء القيس المتيمين بالنخيل إلى «التدخين» بما هو عادة الخاسرين، وقتها سيشعلون سجايرهم وسيسندون ظهورهم إلى جذوع النخيل، للبكاء على الأطلال التي يخلفها الدوباس في الأعالي!