النظام يتوسل بالخارج لمكافحة الفساد

النظام يتوسل بالخارج لمكافحة الفساد

 

إنه شيء ممتع، لا ريب.. ضعوا قلوبكم على الأرفف لأنكم ستحتاجون لهرشها لاحقاً في حالة لم تقصوها بعيداً.. خبراء فرنسيون تستقدمهم الحكومة عنوة.. لا للسياحة وأخواتها، ولا للتحقيق في  غموض موت سياسي ملغز مثلاً.. “الخواجات” استوفدوا تحديداً لضخ خبرات ناضحة وعريقة في مكافحة واستئصال الفساد.. بالتأكيد الحكومة تتهيأ للتبضع منهم ومخازنها مفتوحة بشبق لاستقبال عقاقير مكافحة الفساد الفرنسية.

 الأسبوع الفائت زايلتنا حكة لذيذة في قلوبنا وعطاس متسلسل لم يبارحنا بعد، لدى مطالعتنا لخبر الموقع الإلكتروني لصحيفة «26سبتمبر» الذي حكى أن خبراء فرنسيين قادمون بغرض مكافحة الفساد.

 للوهلة الأولى ايقظ في مخيلاتنا القصة القديمة للألمان معنا.. فقد استدعوا عديد مرات لدواعٍ جنائية طي الالتباس.. في حادثة انقلاب سيارة العميد المتوكل التي راح ضحيتها , جاءوا لفحص أجزائها.. وفي وقت سابق حوالى العام 2000م ساهموا في كشف بعض من ملابسات مشرحة كلية الطب الشهيرة.. والآن أتوا ربما للتنقيب عمن سلخ شعباً بحذافيره..

 ليحق لنا أن نتفاءل ونتساءل في آن: امحتم علينا استيراد قضاة العدل حتى؟! وليكن! لم لا؟! طالما أن غريماً بعينه سيُبان، بناءاً على أمثولة “مغني الحي لا يطربـ” وإلا فلم لم تطرب أحزاب سياسية ومنظمات مدنية وصحف ناكفت بقوة زبالة الفساد وصادمت وعسرت بحصافة فائقة.. كما وأيضاً قدمت حلولاً وبرامج وطنية خالصة. غير أن ذلك كله أُدرج في خانة “عداوة الوطن وخيانته.. وتهديد السلم المدني والوحدة الوطنية.. ومحاولة الإطاحة بكرسي الرئيس”.

 حرصنا في “النداء” بشدة أن يشاركنا حكة القلب هذه أعضاء من منظمة “برلمانيون ضد الفساد” على اعتبار أن فساداً ذا نكهة مائزة يشير إليه الخبر المذكور دون غيره من الأجناس.. الفساد المالي والإداري على وجه التحديد، مع اعتقادنا أنه لا يضاهي الفساد السياسي في اشكالياته وتعقيده ومخاطره..

 البرلماني الشهير صخر الوجيه علق على الخبر بتهكمية ذكية فهو أبدى تخوفه من أن تبدأ الحكومة بالاقتراض تحت بند مكافحة الفساد، وأضاف: “اليمنيون اكثر العالم احترافاً في معرفة الفساد ولذا فلسنا محتاجين لمن يدلنا على طرق مكافحته”.. وأردف قائلاً: “أظن أن هناك توجهات شكلية فقط وليست جوهرية في هذا الصدد”. وهو أكد في ذات السياق أن الحكومة “توهم العالم الخارجي بأنها جادة في القضاء على الفساد رغم أنه لا يمكن ذلك بدون تنحية المفسدين”.

 صخر الوجيه وهو أحد مؤسسي “برلمانيون ضد الفساد” وعضو متيقظ في المجلس أعاد إلى أذهاننا صفقات القطاع (53) النفطي واتفاقية تشغيل الموانئ التي تمت بطريقة مزرية حسب قوله، كشاهد إثبات على عدم جدية من يرفعون شعار مكافحة الفساد بأدوات دايخة..

 علي عشال من جهته تطابق في تعليقه مع زميله الوجيه على أن اليمنيين أكثر من أي أحد في العالم خبرة في الوصول إلى الفساد وبالتالي لا جدوى من خبراء “يحملون تجارب دول قد تكون مختلفة في الظروف والمعطيات عن اليمن..”.

 وتابع البرلماني عشال بالقول: “أمر غير موفق؛ فواقعنا يشير إلى أن لدينا مفسدين متمرسين يمتلكون خبرات فائقة ونمتلك بما يكفي ما يمكننا من الوصول إلى مكامن الفساد”.. ويرى أن “لا فائدة تذكر، اللهم إلا في بعض المسائل الفنية”. ويعتقد عشال أنه بالإرادة السياسية القوية في اتجاه تجفيف منابع الفساد نستطيع أن نقطع بوناً شاسعاً، فالإرادة أولاً والخبرات تأتي لاحقاً.. 

  الموضوع إذن، خاوٍ من أي معنى، تنساح من جوانبه رذاذات غباء كامن فيمن يديرون مؤسسات الدولة، أو ما يمكن أن يطلق عليه “عُتْه” سياسي غائر.. هذا من ناحية.. ومن ناحية ثانية يجدر الالتفات إلى فكرة أن ثروة خبراتية نزخر بها في نواح معرفية عديدة، منها حبائل الفساد ودروبه. وعليه فأي ساذج بوسعه إفادة الحكومة كم هي بليدة وكيف أن عليها مغادرتنا هي وتركتها الإدارية البائسة، وبهذا يكون دلها على اقصر الطرق لاجتثاث الفساد.

 إن أحداً ليس بمقدوره مجاراتنا في هذا الأمر.. وعليه فنحن الجديرون بتصدير الخبرات والاستفادة من المردود، وعدا ذلك مورد وطني هام يضاف إلى الموارد الأخرى بكل فخر.

 أمر آخر: لماذا ينبغي علينا ألا نندهش؟ فالنظام بدأ يستعين بالخارج فيما كانه ومازال ينكر على المعارضة ذلك؛ ربما لأنه شعر أخيراً بفاعلية “الخواجات” وإمضاء سيفهم في كل شيء بما في ذلك فساد لا يعنيهم البتة.