إلى العزيز خالد إبراهيم الذي هاتفته لتبادل العزاء فبكى وتبكم .. 14 اكتوبر في عهدة عزرائيل يا.. «ويه»!

إلى العزيز خالد إبراهيم الذي هاتفته لتبادل العزاء فبكى وتبكم .. 14 اكتوبر في عهدة عزرائيل يا.. «ويه»!

                               
 
كتب – منصور هائل:                     
     الرحمة على عدن، وما تبقى من عدن في عدن.
الرحمة على صحيفة «14 أكتوبر» وما تبقى منها من الزملاء والزوايا الحميمة والحفية والمكتومة، والأصداء الخافتة والبعيدة، وهي الصحيفة التي كانت بالنسبة لي بمثابة القماط والحضانة، المدرسة، الجامعة، الاستاذ، الأب والأم، الملاذ واللحاف، وملعب الصبا، وبزغة اللعثمة، ومستهل التعثر والارتباك والربشة، وغبش الكتابة، وخفقة ضوء الحرف، ووردة الكلمة، وشمس العنوان، ومجرى العبارة، والمقطع الرومانتيكي من سفر «الثورة» وغواية النرجس المغموسة بالحلم الذي لم يشأ التنازل عن أقل من الحلم بتغيير العالم.
 إيه.. أيها الزملاء الأحباء السابقون في اتقاء الهوان، واجتناب الارتهان ل «حفلة تيس» والتواري عن عربدة البهذلة والسفه والتفاهة والعته.
.. أيها الصاعدون في الجلجلة.. ناموا كما شاء لكم السهر ببساط محفوف بالياسمين والفل، ولن نعتب عليكم الانسحاب النظيف من حلق خرائب الافول، لأن الصدمات الفظيعة تكفلت بتعقيل اسئلتنا ولم تعد تسمح لنا بخلع صفة «انتهازي» على من مات بحدس ثاقب تجاه «صوملة» قادمة كـ«مستقبل» لا راد له.
إيه ايها الاحباء: معروف حداد، محمد شرف، شكيب عوض، عصام سعيد سالم، علي فارع سالم، القرشي عبدالرحيم سلام، احمد مفتاح، طه حيدر، عبدالله الدويلة، محمد حمزة، محمد عبدالله فارع، عبدالباسط سروري، عبدالله عبدالمجيد، فتحي باسيف، محمد البرحي، عمر عبدالجليل، عوض باحكيم، وأمي مريم، والفنان الكاريكاتوري فؤاد، ومحمود وهيب، وسليمان محمد قاسم وعمي الوالد الحبيب (…) الذي طرد من سكنه في معاشيق لأنه يقع في تخوم مضافات الرئاسة الجمهورية، وجميع اولئك الذين لا تحضرني اسماؤهم وماتوا في بحر الاسابيع والاشهر والاعوام القليلة الماضية -تحديداً بعد حرب إلغاء الوحدة في عام 1994- ومن تبقى من الزملاء الاعزاء، بل ذلك النزر القليل النحيل، المرتاع، والمذهول الذي يقاوم الابتلاء ولا يترنح تحت ضربات فيروس الانفلونزا المغلفة باسم رئيس تحريم باستقالة الراء- ويقاوم بإباء وهو يتلقى ضربات الجلطات الدماغية والسكرية والنوبات والسكتات القلبية و.. يقاوم الابتلاء بقيادات إدارية سلطوية نخرتها بكتيريا الفساد وتعفنت إلى درجة طاعنة في الابلسة المتمادية في التهور الذي سمح لها باختطاف وظائف «الملاك» المهيب والجليل «عزرائيل» والإلحاح عليه بأن يستقيل هرباً من حلبة منافسة غير شريفة، واستنكاراً وتبرؤاً من حزمة الارتكابات الفادحة بأفعال الازهاق والتقتيل داخل دوائر الضغط الخانقة والمدمرة، التي اسفرت عن ذلك الخسران والفقدان في إطار اسرة تحرير صحيفة «14 أكتوبر» فقط، ودونما احتساب لقافلة «الشهداء» من المطبعيين العباقرة على مستوى عدن واليمن والجزيرة العربية، ومعظم طاقم مطبعة 14 أكتوبر.
أيها الاحباء.. أية صحيفة هذه التي نرى في هذه الاثناء..! أهي الدليل إلى المقبرة ام الجنازة الممهورة بتوقيع الشهداء، أم حائط المبكى..؟! هي اصداء صوت الديك ام زفرات فأر، أم مندبة ومأتم وحفلة زار؟!
ايها الصاعدون في السماوات لعقد اجتماع هيئة التحرير في حفرة الرب.. يا من تواريتم عن أنظارنا على تلك الشاكلة من الاحتدام العنيف، المجلجل، الكثيف، المتسارع، والصارع في تراجيديته.. عليكم أن تعلموا بأننا لا نحسدكم، ولا نغبطكم، ولن نرثيكم لأننا احوج بالرثاء منكم، ولنا الحق في العزاء كعزل في صحراء السياسة المقفرة والحرباء، ومحكومين بالاقامة في عراء متوحش بمنأى عن الامان وعدن، ومكرسين كأهداف انتهاك واختطاف و«برع» و«نصع».
 إنما.. إنما.. أيها الأحباء لا بأس ان نفشيكم خبر عدم إعلان الناطق الرسمي بأنكم ذهبتم ضحايا الحرب غاشمة تديرها سلطة حاكمة و«نظام فوضى» وحرب حتى آخر قطرة حبر، وبمختلف أسلحة الدمار الشامل، والاسلحة الكيميائية وكل ما يمكن ان يجيب، بعض الشيء، عن سؤال الحيرة برحيلكم على ذلك النحو من الاذهال، وخلال اعوام تقل عن اصابع اليد الواحدة، واعمار شابه كانت تتحين فرصة اجتراح كتابة السيرة الذاتية لهذيان عدن في عهد الوحشة -يقال الوحدة- وتوحش «الدحبشة»، أو سيرة عدن وهي ساكنة إلى التسرنم -صفة لمن يسير وهو نائم- وممعنة في السرنمة، وعدن المنطوية على أحزانها وأوجاعها، وعدن وهي بكماء متكتمة لا تجهش بالبكاء ولا تجهر، ولا تدعو أهاليها إلى الفرجة على ولائم نشيجها في خليجها أو إلى التنصت على انفجارات كمدها على النوارس المرتاعة والنازحة، وعلى الغربان الممعنة في الحداد، وعلى مواكب رحيل اهاليها وابنائها الذين سكبوا وجوههم على ارصفتها،وكتبوا أجسادهم على بحرها ومداها، وزرعوا احداقهم في زوايا حواريها وعلى جدران منازلها وفي سفوح وقمم جبالها، وأسلموا اهدابهم وعيونهم لأفواه شهقات امواج صيرة وساحل أبين والغدير، ورحلوا دون ان يشيروا إلى الاماكن التي خبأوا فيها ذاكرة اوجاعهم الاخيرة، أو إلى خزائن الوصايا التي تركوها لورثتهم كيما يتمكنوا من اقتسام مصارع أحلامهم بعدالة، وتوزيع كسرات رغيف أساهم بإنصاف بدلاً عن تسقط فضلات موائد اللئام، أو المشاركة في ولائم الخسة والنذالة، أو الإنهجاس باختلاس نعاس مدينة هجرها النوم واجتاحها الغيظ القارس وتعاقدت مع السرنمة.
 .. هكذا يبدو أن الأغلبية الجميلة في 14 اكتوبر انحازت لخيار الرحيل وكأنها تقصدت بذلك اغاضة الحاكم بحرمانه من متعة إغاضتهم بالفرجة على حفلة عيد الكذبة في الحديدة، وتقصدت الاعلان بأن القنوط من مجيء المستقبل الذي كان وعداً قد فت فيهم، والتصريح بأن وعد الغد لم يأت ابداً فهل يصلح الموت- على طريقة انتحارات الساموراي- جرساً للإنذار بغد محتمل أو باحتمال استعادة مدينة ووطن: عدن، ومن ثم اليمن