الوطن في عسيب علي – فضل مبارك

الوطن في عسيب علي – فضل مبارك

عندما يختزل التاريخ في سيرة شخص لمعت بحبر النفاق، يصبح بلا معنى، مجرد صفحات يمسح بها رواد المطاعم الشعبية أيديهم بعد تناول وجبة «فول وتميس».
وعندما يُحجَّم نضال شعب ليغدو مفصلاً بما يشتهي الوزان وفق حكايا يوميات وطن الرمز، فلتة الزمان، يضحي الولاء «باكت كلينكس» يخدش حياء الوجه إن مسح به نهار غائط.
وعندما يحجب وميض ثورة وتوأد أدوار مناضلين اشاوس ليكتب على أنقاضه بلون المعاناة تاريخ فرد ركب موجة الثورة والنضال من نافذتها، تمسي اهداف الثورة ومنجزاتها مجرد يافطات تزين واجهات الشوارع قسراً.
وعندما لا يكون معنى ولا جوهر لوحدة ارض وشعب إلا مأثرة شخص وان كبر حجمها.. تغدو اركان هذه الوحدة مصنوعة من القش ومعرضة للانهيار.
وعندما يتقزم وطن بما فيه من شجر وحجر وبما سطره شرفاؤه من بطولات وامجاد وانجازات على مر عقود طويلة من الزمن ليصبح في حجم رجل واحد، مهما على شأنه، يتحول اتساعه بما رحب مجرد اقطاعية، والشعب مجرد قطيع ضان رقابها تحت السكين أنّى واتت لحظة شهوة الدم.
صحيح ولا جدال في ان علي عبدالله صالح رئيس استثنائي في تاريخ اليمن الحديث، لا من حيث حجم الانجازات والمكاسب التي تحققت في ظل قيادته للبلاد، فهي تكاد تكون نتاجاً طبيعياً وقد تحققت انجازات ربما أهم وأكبر في عهد رؤساء أخرين قضوا أقل من ربع الفترة الرئاسية للرئيس صالح، لكن الاستثناء يأتي من حيث عمر هذه الفترة التي تمتد لثمانية وعشرين عاماً، لأن الشعب اليمني من سماته وطبائعه لا يقبل تربع احد أياً كان فترة اكثر من ثمان سنوات.
مثلاً الرئيس السلال حكم خمس سنوات، والرئيس عبدالرحمن الارياني اكثر منها بنحو عامين وتبعه الرئيس ابراهيم الحمدي باقل منها ولم يمكث الرئيس احمد الغشمي في سدة الحكم سوى عام، وسجل الرئيس عبدالكريم العرشي حالة نادرة بالبقاء اشهر.
هذا على مستوى شمال اليمن أما جنوبها فقد استلم الرئيس قحطان الشعبي سدة الحكم بعد نيل الاستقلال الوطني لمدة عام ونصف تقريباً تلاه الرئيس سالم ربيع (سالمين) الذي بقي اطول فترة على كرسي الرئاسة في الجنوب استمرت تسع سنوات.. ثم الرئيس عبدالفتاح اسماعيل لعامين فقط، ليأتي الرئيس علي ناصر محمد في سدة الحكم لمدة خمس سنوات واشهر.. ثم الرئيس علي سالم البيض باعتباره أميناً عاماً للحزب الحاكم بعد فصل الامانة العامة عن مجلس الرئاسة عقب احداث 13 يناير 1986م، وذلك لفترة اربع سنوات.
وصحيح ان التغيير في كل المراحل كان يأتي على ظهر دبابة وإن اختفت هذه الدبابة من على الشاشة في بعض الحالات المحدودة، لكنها كانت تحرك الامور من خلف ستارة.
وهكذا.. فان الزمن يتجلى بحكمته بان الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده، حيث ان فترة الرئيس صالح قد اخذت بطول امدها تنقلب عليه وتتسارع السلبيات لتأكل من رصيد الايجابيات التي بزغت في عهده.
ولا اعتقد باي حال من الاحوال ان فخامة الرئيس لا يدرك ماهي موبقات مطبخه السياسي والاعلامي عندما يعظمون شخصه بحجم الوطن، الثورة، الوحدة، وعندما يقزمون الوطن، الثورة، الوحدة إلى مقاسه «البني آدم».
وإن كان الرئيس يدرك ذلك وساكتاً عنه فالمصيبة تتعاظم، لأن هذه الافعال تضره وإن بدت له انها تنفعه، ودون شك ان هؤلاء أعداء لا اصدقاء ناصحين له، لان ما يصدر من فعل شاذ كهذا ويتكرر في اليوم عشرات المرات حتى أصبح اجبارياً على المواطن وينافس الهواء في الاستنشاق، قد جعل الناس يكرهون هذا الزمن وناسه وقادته وأنت اولهم.. لأن من غير المعقول ولا المقبول ولا المنطقي ان لا يعدو الوطن.. مجرد «مشمع علاقي» يتدلى من العسيب!!