تعديلات دستورية تجعل مجلس الشورى قوة إمداد حكومية في موجهة البرلمان

تعديلات دستورية تجعل مجلس الشورى قوة إمداد حكومية في موجهة البرلمان

قدمت الحكومة الاسبوع الماضي مؤشراً إضافياً على «الاصلاح» الذي ترفع لواءه منذ شهور: مشروع تعديلات دستورية يخترع «مجلس أمة» قوامه مجموع اعضاء مجلس النواب والشورى.
دفعت الحكومة، بمشروع التعديلات الى مجلس النواب الاسبوع الماضي. وتظهر ردات الفعل الاولية داخل المجلس عدم استمزاج «نواب الشعب» فكرة ان يشاركهم تمثيل «الأمة» مجلس هجين سيتم تركيبه من اعضاء يعينهم رئيس الجمهورية، وآخرين ينتخبون بطريقة غير مباشرة بواسطة اعضاء المجالس المحلية في المديريات والمحافظات.
النائب علي ابو حليقه رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان اعتبر في تصريحات لمندوب «النداء» استحداث غرفتين تشريعيتين توسيعاً للمشاركة الشعبية وتعزيزاً للبناء المؤسسي لكنه نبه إلى أهمية تجنب وجود تنازع بين الغرفتين (المجلسين) عند نظر مشاريع القوانين.
وإلى الغموض الذي يكتنف آليات دراسة مشاريع القوانين من قبل المجلسين، فإن التعديلات المقترحة تقوم على فكرة المضاربة بين مجلس النواب ومجلس الشورى، متيحاً هامشاً واسعاً للحكومة للتلاعب بهما معاً، واستخدام الثاني كقوة إمداد في مواجهة الأول. الفقرة (د) من مادة مقترحة كبديل عن المادة (125) في الدستور، تنص على ما يلي: في حال وجود خلاف بين الحكومة ومجلس النواب في أي موضوع من المواضيع المطروحة امام المجلس، يحق للحكومة قبل انتهاء مجلس النواب من التصويت ان تطلب عقد اجتماع مشترك للمجلسين لحسم هذا الخلاف».
الفقرة السابقة واحدة من عديد فقرات تفسر على أنها ضربات استباقية ضد مجلس النواب الحالي وأي مجلس نيابي مقبل. وطبق تصريحات أدلى بها النائب (عن تجمع الاصلاح) عبدالكريم شيبان لـ«النداء» فإن التعديلات خطيرة «وتشل عمل مجلس النواب، وتعود بالعمل الديمقراطي سنوات إلى الوراء». وهو أضاف بأن التحسن الطفيف في أداء المجلس لم يرق للحكومة التي تعمل الآن، بواسطة مشروع التعديلات، على تأديبه والحد من سلطاته.
شيبان انتقد الحكومة التي تقدمت بمشروع يكرِّس هيمنة السلطة التنفيذية وحزب المؤتمر الشعبي، عبر السماح لمجلس شورى يعين الرئيس بعض اعضائه وتنتخب السلطة المحلية البعض الآخر، بدلاً من تقديم تعديلات تعزِّز العملية الديمقراطية كتعديل قانون الانتخابات والأخذ بنظام التمثيل النسبي، وتعديل قانون السلطة المحلية بما يعزز صلاحيات المجالس المحلية ويسمح بانتخاب المحافظين ومديري المديريات.
ظاهرياً، يساوي مشروع التعديلات الدستورية بين مجلسي النواب والشورى، لكنه في جوهره يعطي الأفضلية لمجلس الشورى الذي من حقه أن يعطل الأداء في «الغرفة المجاورة» متى شاء هو، أو كلما عنّ ذلك للسلطة التنفيذية صاحبة القرار الفصل في تشكيل وفي تسيير حركته، وإن من بُعد.
وإلى عدم ملاءمته متطلبات الاصلاح الديمقراطي الحقيقي، يتسم مشروع التعديلات بعدم واقعيته، فإطلاقه يجيء في سياق سياسي شديد الحساسية، إن من حيث تأزم العلاقة بين السلطة والمعارضة، أو بسبب دنو موعد الانتخابات الرئاسية والمحلية، كما أن تمريره في مجلس النواب ثم موافقة الشعب عليه، يستلزم تعديلات في تشريعات عديدة أبرزها قوانين الإنتخابات والسلطة المحلية واللائحة الداخلية لمجلس النواب التي صدرت بعد مشقة مطلع العام الجاري.
وإذ قلّل النائب أبو حليقة من أهمية ما يقال من ربط بين مشروع التعديلات الدستورية، والانتخابات الرئاسية والمحلية المقبلة (سبتمر 2006)، فقد قدَّر ان مجلس النواب لن يعارض الفكرة من حيث المبدأ قبل أن يستطرد: «إذا كانت التعديلات تأخذ بما هو معمول في الدول الديموقراطية التي تعتمد نظام الغرفتين، فإن المجلس سوف يقرها، مالم فإنه سيعمل على تصويبها».
لكن لزميله في اللجنة عبدالكريم شيبان، تقديراً مختلفاً، فهو يرى في مشروع التعديلات، نوعاً من «التخويف» لمجلس النواب ليقبل «تمرير تعديلات أخرى تريدها السلطة التنفيذية، ولم تفصح عنها بعد».
وكانت شائعة ترددت الأسبوع الماضي عن قيام اعضاء من كتلة المؤتمر بجمع توقيعات لإضافة تعديل إلى المشروع بخفض السن القانونية لمن يتقدم للترشح إلى الرئاسة.
وطبق المشروع فإن مجلس الشورى سيتكون من 151 عضواً (…) غالبيتهم بالانتخاب، فيما «يتولى رئيس الجمهورية تعيين العدد الباقي».
وينص المشروع على أن يتم انتخاب الاعضاء من اجتماعات موسعة لمجموع الاعضاء في المجلس المحلي ومجالس المديريات لكل محافظة، وأن تُمثل كل محافظة بثلاثة اعضاء، احدهم على الأقل إمرأة.
وتقسم اليمن ادارياً إلى 21 محافظة، ما يعني أن تمرير التعديلات سيتطلب زيادة عدد المحافظات إلى 26 على الأقل، لكي يتحقق مبدأ أن يكون أغلبية اعضاء مجلس الشورى منتخبين، علماً بأن المشروع ترك الباب مفتوحاً أمام تحديد قوام نوعي العضوية.
ولا يشترط التعديل أغلبية خاصة لعقد الاجتماعات الموسعة للمجالس المحلية، كما أنه لا يتضمن نصاً انتقالياً يحدد موعد تشكيل مجلس الشورى، وما إذا كان انتخاب السلطة المحلية لجزء من اعضائه سيتم في يوم واحد.
ويشمل المشروع مادة جديدة تحدد الشروط المطلوبة في اعضاء مجلس الشورى، وهي في غالبها مواصفات غير قابلة للضبط، فباستثناء شرط العمر (40 عاماً وما فوق) يورد المشروع ستة مواصفات في الاعضاء، مفتوحة التأويل هي: الخبرة(بكسر الخاء المتوقع أن ترفع مكاناً عليا!)؛ الكفاءة الوطنية؛ الشخصيات الاجتماعية؛ وممثلو المجتمع المدني؛ المغتربون في الخارج؛ وغيرهم من رجال الأعمال!
مطلع الاسبوع الجاري تأجلت مناقشة المشروع من حيث المبدأ، ذلك لأن المذكرة التفسيرية المرفقة به لم تعرض على النواب، وفي حال وافق المجلس على المشروع مبدئياً في جلسة لاحقة، فسيتم احالته إلى لجنة خاصة لدراسة وتقديم تقرير بشأنه خلال شهرين، حسبما ينص الدستور.
إلى ذلك، وجهت أحزاب اللقاء المشترك انتقادات حادة لمشروع التعديلات الدستورية، ووصفته بأنه انتكاسة والتفاف على مطالب الإصلاح السياسي والوطني.
مصادر معارضة اعتبرت المشروع عامل تحريف وليس عامل تحفيز للعملية الديمقراطية، ورأت أنه يهدف إلى حرف الأنظار عن عملية تحرير ومراجعة الجداول التي ستبدأ الاسبوع المقبل، موضحة بأن السلطة تسعى إلى تشتيت التركيز على سير العملية الانتخابية، لكي يتسنى لها تمرير مخططها بشأن التلاعب بالسجل الانتخابي لحسم الانتخابات الرئاسية المقبلة.