بلد الرواية

بلد الرواية

                                           الجزائر: عروبة الإنسان ودهشة المكان
*محمد ناجي أحمد
الجزائر، بلد بن بله وهواري بومدين، وجميلة بو حيرد، وعائشة حداد،والعديد من النساء “المجاهدات” حسب الوصف الذي يستخدمه الجزائريون،في نعتهم للمناضلات. بلد المليون ونصف شهيد،وبلد الثروة النفطية،هكذا هي في مخيلتي قبل أن ازورها للمشاركة في الملتقى الثالث عشر للأديب الجزائري الموسوعي الاهتمامات، الراحل عبد الحميد بن هدوقة،رائد القصة الجزائرية، الشاعر والروائي والمهتم بالادب الشعبي والمترجم أعمالا روسية هامة، من لغة وسيطة هي الانجليزية،الى العربية. الجزائر التي كنت أختزلها في الرواية إلى أسماء لا تتجاوز واسيني الاعرج واحلام مستغانمي وكاتب ياسين ورشيد أبو جدرة ومالك حداد،فإذا بالمشهد الروائي الجزائري يدهشني بكثافته وكثرة روائييه،حتى إن القارئ يكاد أن يطلق على الجزائر بلد الرواية بامتياز،لكن التسويق لهذه الروايات لا يتجه شرقا،باستثناء ما يطبع في بيروت والشام عموما.
ابتداء من 12/12/2010 وحتى /12 /2010، كانت أيامنا في الجزائر وكانت أيام الملتقى الذي توزعت محاوره بين قراءات نقدية لأعمال بن هدوقة ومحور خاص بالادب الفلسطيني، واحتفاء بالاديب “مولود عاشور” والمشهد الروائي في اليمن وتونس وسوريا ‘ وأثر المعلوماتية والشركات المتعددة الجنسية على التكوين المعرفي لجيل جديد،في تماس يومي مع هذا المحيط. المدهش في الامر أن محور الادب الفلسطيني،هو احد المحاور الثابتة في كل ملتقيات بن هدوقة،هذا الأديب الذي ولد في ولاية “برج بو عريريج” وتوفي بها فكان ان اسسوا ملتقى دولياً باسمه يقام كل سنة منذ 14 عاما حين بدأت الفكرة لدى مجموعة من الادباء الجزائريين،وقرروا ان يذهبوا سنويا الى هذه الولاية كي يحتفوا بأدب بن هدوقة والأدب الجزائري،حيث يحتفى سنويا بأديب من الجزائر الى جوار القراءات النقدية لأدب بن هدوقة،ومحور الادب الفلسطيني.. إن فلسطين حاضرة بقوة في الوعي والوجدان لجزائري،تلمس ذلك من اهتمامات النخبة وطالبات وطلاب الجامعات. فلسطين وجه من وجوه عروبة الجزائر، هذه العروبة التي تلحظ تميزها عمّا في الشرق،فهي ليست أيديولوجية،إنها انتماء وجداني إنساني،غير قابل للانمحاء.
يدهشك المكان منذ أن تطأ قدمك أرض مطار”بومدين” ومرورا بعدة ولايات وصولا إلى ما بعد ولاية” صطيف” لكن اقدامنا توقفت عند ولاية “برج بو عريريج” وهي ولاية تبعد عن الجزائر بأكثر من 200 كيلو متر… يشعرك المكان بالبهجة والعطاء، الناس معنيون بانفسهم،بعضهم لا يحبون الكلام مع الغريب، وبعضهم يتهلل فرحاً حين يعلم أنك من اليمن…ستجد طالب مدرسة أو جامعة في الطريق يتبادل معك الحديث على رصيف الشارع بحميمية عالية،وقد تجد جزائرياً أمازيغياً يحتفي بك وباليمن ولا يتركك حتى تصل مأمنك يتطوع لإيصالك بسيارته الى الوجهة التي تريدها، وفي الطريق يسألك عن أحوال اليمن،عن القاعدة والحوثيين والحراك في جنوب اليمن،يعلم عنها الكثير،ربما أكثر من شخص مثلي لا يشاهد قنوات التلفزة إلاّ نادرا ولا يقرأ من الصحف إلاّ اهتماماتها الثقافية، مما جعل بعض الجزائريين يفهمون جهلي بالأحداث على أنه حذر وليس غيابا عن مجريات الاحداث… تتحدث في الجزائر باللغة الفصحى فتجد الاجيال الجديدة تفهمها بطلاقة، وقد تلتفت الى طفلة تقرأ من الشعر الجاهلي بطلاقة وفصاحة لا تعهدها في بلدك..إن الجيل الذي عاش وعاصر الاستعمار فرض عليه قهرا أن يتكلم الفرنسية،لغة قهرية وليست اختيارا،مما جعل الادباء والمثقفين يشعرون بغربة اللغة،هذه الثنائية التي توزعت ما بين لغة المستعمر وقد كان من أبشع صور الاستعمار،وما بين وجدان وإحساس وفكر عربي.
لقد كان “مالك حداد “هذا الاديب الجزائري الذي كانت مؤلفاته تصلنا الى اليمن،في مرحلة مبكرة،وهو المؤثر بشكل واضح على الأدب الجزائري، يكتب باللغة الفرنسية،لكنه في السبعينيات يتوقف عن النشر بسبب حالة التمزق التي كان يعانيها جراء اللغة لتي يكتب بها والوجدان الذي يفكر من خلاله،لقد كانت الفرنسية لغة قهر بالنسبة له فهو من جيل فرضت عليهم الفرنسية فرضا، ولم يكن لهم اختيار لها.لقد توقف عن النشر بلغة ليس متاحاً له غيرها كي يعبر عن كينونته الجزائرية والعربية.كان” مولود عاشور” صديقه يتحدث في شهادة له عن “مالكـ” مصورا لنا حالة الاغتراب والتمزق التي سيطرت على صديقه،وهي الحالة التي يشعر بها جيل بأكمله له وجدان وفكر عربي ولغة فرنسية، ومنهم مولود عاشور،.لقد قام الدكتور “قدور رحماني” بكرم واهتمام منه،بترجمة شهادة مولود عاشور،كي أتواصل معها،ومما استوقفني قول مالك “أتكسر وأتبعثر حين اكتب بالفرنسية وقوله “العروبة والعربية جنتي”، ثم شعريته وهو يصدح قائلا “الينابيع تهتف باسم الجزائر كان يتوق الى الكتابة بالعربية والحديث بها…أردت الوصول الى المعنى الأكيد مما وصلني من ترجمة، فتحدثت مع الاديب الكبير “مولود عاشور”عمّا وصلني من معان، وعرضت عليه بعض المقتطفات التي دونتها، فقال لي بعربيته التي يتعلمها بحب “نعم لقد كان مالك حداد يرى في العروبة جنته، وكان يعشق حد العباد ة الجزائر والعروبة،فهي جنته التي يتوق ليعيشها متحدثا ومفكرا وكاتبا بالعربية،وليس بالفرنسية”.
كنت اسيح في ولاية “برج بو عريريج “كلما سنحت لي الفرصة، إمّا بمفردي أو بصحبة الروائية والقاصة هند هيثم…أشاهد مع هند فضاء مدرسة ثانوية،بملاعبها المتعددة،وبنائها الحداثي العتيق والمتين،والجميل،ذلك البناء المفتوح على فضاءات الملاعب. نشاهد الناس ونسأل عن التعليم في الجزائر،فهو يجمع بين نظامين، الفرنسي،وهم يعتبرونه قديما،والنظام الامريكي،الذي يتيح لهم تنمية المتفوقين وإتاحة فرص ا لتعليم العالي،ويتم اختيارهم من السنة الثالثة،كي يمنحوا منح الماجستير والدكتوراه،وامام الطالب أن يختار النظام التعليمي الذي يناسبه… هم في الجزائر لا يحدثون التغيير في العملية التعليمية بطريقة التغيير الشامل، وإنما ينتقلون بحذر وبوعي،وصولا الى النظام الجديد،حتى لا تحدث هزات في العملية التعليمية،فهم يواكبون العولمة بوعي وحذر…
الجزائر بدأت نهضتها الزراعية حين قررالرئيس “هواري بومدين ” أن يبدأ بتنفيذ مشروع 14 ألف قرية زراعية، وقتها استخدم الرئيس قوة الدولة من أجل نهوض الدولة،وتحقق ما أراد رغم المعوقات التي أرادت افشال المشروع، ثم بدأت الجزائر في عهده في الاتجاه نحو الصناعة،وبطموح تحويل الجزائر الى بلد صناعي يوازي الدول الأوروبية،ولعل ما نشاهده من صناعات في الجزائر هي من ثمار تلك التحولات الكبيرة التي أسس لها الزعيم المحبوب من الجزائريين،ذلك الزعيم الذي التقتنا الجزائر بمطار يحمل اسمه،وذاكرة شعبية تحمل له الكثير من الاعتزاز، وهو زعيم له في الذاكرة اليمنية الكثير من الود والامتنان لما ساهم به من جهود في دعم الثورة اليمنية.

كرة القدم ودحرجة القيم:
ما حدث في مباراة كرة القدم بين الجزائر ومصر،ضمن تصفيات كأس العالم،ترك أثرا سلبيا لدى الجزائريين، فالماكينة الإعلامية في مصر افسحت المجال لصوت غوغائي، لم يكترث لأية قيم إنسانية،ما كان ينبغي أن يتم التطاول عليها، فحين يصل الامر الى شتم الشهداء والقول بأن الجزائر بلد “المليون والنصف حذاء ” يصبح خطاباكهذا جارحا لكرامة أي عربي كون هذه الثورة في الوجدان العربي ثورة كرامة،لا تقبل أنصاف الحلول،فالجزائري “المجاهد” كان امامه أن يحتفظ برؤوس شهدائه أحياء ويقبل بثلثي مساحة أرضه ويترك الباقي للفرنسيين،لكن الجزائري لا يقبل التفريط بجزء من ارضه ولا يقبل بأنصاف الحلول،إما ان يأخذ حقه كاملا، أو يستمر في طريق انتزاع حقه بالقوة،هكذا كان سائق السيارة يحدثنا عن نفسه وعن الجزائري الذي “لا يقبل بغير الحق المكتملـ”…هم شعب الوجد والحب،فرض عليه أن ينتقل من نقطة الحب الى نقطة الكراهية،خاصة وأنه لا يفرط بذاكرته الوطنية،التي دفع من أجلها بـ”مليون ونصف شهيد وشهيدة”مقابل رفضه لأنصاف الحلول.. بالتأكيد يحتاج بعض إخواننا الجزائريين أن نذكرهم أن مصر فيها من الشخصيات العقلانية والمنصفة الكثير والكثير،فمصر ولاّدة للخير وإن طغت الغوغائية على سماء الإعلام في فترات معينة،فهناك أسماء لها مكانتها في الفكر والأدب والإعلام أدانت واستنكرت، خطاب الانحطاط والسفه والطيش،وهي أعلام مصرية تذكرنا بأن مصر سعد زغلول ومصطفى كامل وجمال عبد الناصر، لم ولن تكون إلاّ ركيزة أساسية وفاعلة،في تكوين الوجدان العربي المتلاحم،وأن تلك الاصوات الناعقة بالتفاهات،ستذهب هباء… إن حرق الأعلام الوطنية التي ترمز لشهداء الحركة الوطنية،فعل تجرمه المشاعر السوية للإنسان السوي،فما بالك بمشاعر العربي، فعلم المليون والنصف شهيد أو العلم المصري أو اليمني أو غيرها من أعلام الدول العربية هي رموز تذكرنا بتلك التضحيات والدماء الطاهرة،التي سفكت من أجل أن تحيا أجيالنا مرفوعة الرأس. فعلم الجزائر يستحق مني كيمني وعربي أن أقبله بعدد شهدائه من الجزائريين والجزائريات،بل والعرب الذين شاركوا في هذه الثورة.
 
عودة إلى التعليم:
في أيام الملتقى لفت نظري أن جزءا أساسيا من الجمهور كان طلاب وطالبات سنة ثالثة ليسانس،،إضافة إلى الأدباء والإعلاميين والأكاديميين،لقد تم الاستفادة من الملتقى،كورشة دراسية،لطلبة الليسانس،وليكون هذا التثاقف بين النخبة من الأدباء والأكاديميين،والإعلاميين والطلبة والطالبات،صباح مساء،حتى في فناء الفندق، فعل حوار وتعليم وتعلم مستمر. أسئلة الطالبات والطلاب تعكس وعيا نقديا،يوحي بالمستوى التعليمي،والاهتمام بالتعليم، فالطالب هناك توفر له احتياجاته،في المسكن والمأكل والمواصلات والملابس والكتب والأدوات التعليمية، وهو يتفرغ لنيل وطلب العلم.

اللغة المحكية وأسماء الأمكنة:
يحلو للبعض أن يتحدث عن التشابهات في الأسماء والأمكنة والألفاظ،بين اللغة الأمازيغية والمحكية اليمنية،ليصل الى حكم متسرع،مفاده أن اليمن هي الأصل،الذي انتقل منه الجزائريون،وأن اللغة الأمازيغية،هي لغة يمنية. فالذين يسيرون وفق هذه التماثلات في اللغة والأدب الشعبي،وأسماء الأمكنة،ينسون وحدة الجغرافيا،كذلك انتماء هذه اللغات الى ما يسمى باللغات الآسيوية الأفريقية،وبالتالي تصبح التشابهات في اللغة والأدب الشعبي،واسماء الأمكنة،مسألة طبيعية،دون الحاجة الى البحث عن الأصل،والفرع!فالدرس اللساني،يحتاج الى دراسة وصفية،دون الحاجة الى البحث عن أصل وفروع،ذلك أن درس أصل الأشياء لا يؤدي بنا الى مقاصد علمية،وإنما مجرد تخر صات لهواة يمكنهم أن يطلقوا الأحكام بمجرد ما تصادفهم تشابهات سطحية،ليصلوا بالتأكيد إلى أحكام سطحية…من الطبيعي أن نجد تشابهات بين المحكيات اليمنية،والعبرية والجعزية،والفصحى بشكل كبير،ومن الطبيعي أن تكون التشابهات أقل كلما اتسعت الجغرافيا،وقل الاحتكاك والتعاملات،والتأثر والتأثير،وبالتالي تصبح العلاقة بين الأمازيغية والمحكيات اليمنية مسألة طبيعية، ذلك أن اللغتين تنتميان الى اللغات الآسيوية الأفريقية،ولأن وحدة الجغرافيا توجد لغة وأدبا،واصطلاحات متشابهة،لكن التشابه يحيل أيضا إلى المختلف،وهو ما لا يلتفت اليه الهواة الذين يمكنهم أن يشاهدوا مطعم و”مقهى بن يربش ” في ولا ية “برج بو عريريج ” ليصلو الى نتيجة بأن اصله في اليمن هو “مطعم الرباش “!

ملاحظة عابرة:
أثناء سيري في شوارع ولاية برج بوعريريج، التقيت بطالب جامعي، وحدثني عن قريبه الذي ذهب الى “دماج” في اليمن ليتلقى العلم الشرعي،وكيف أنه عرف طريق الله والهدى، بعد أن كان ضالا في فرنسا، يتلقى علوم الضلالة، فاهتدى وكانت “دماج” طريقه الى الجنة!