إجابةً على هذا السؤال أحرقتْ كتب، أُدين كتّابٌ وأُحرق مفكرون واستغرقت الإجابة عليه قروناً!

إجابةً على هذا السؤال أحرقتْ كتب، أُدين كتّابٌ وأُحرق مفكرون واستغرقت الإجابة عليه قروناً!

هل الأرض كروية؟
*محمد عبده العبسي
في الحقيقة لم يشاهد البشر الأرض على هيئة كرة معلقة، تسبح في الفضاء، إلا منتصف القرن العشرين. كان إطلاق وكالة الفضاء الروسية، في أكتوبر ١٩٥٧، القمر الصناعي الأول “سبوتنيكـ” في مداره حول الأرض، حدثاً هاماً في تاريخ البشرية. لقد تسنى للإنسان، للمرة الأولى، الحصول على صور واضحة ودقيقة لكوكب الأرض بواسطة آلات التصوير المثبتة على القمر الصناعي. توالت الرحلات الفضائية بعد ذلك، فهبط على سطح القمر عام ١٩٦٦ القمر الصناعي “لونيك ٩”، بأجهزته المتطورة، مرسلاً إلى محطات الاستقبال في الأرض صوراً عالية الدقة للكرة الأرضية من سطح القمر(1).
احتاج إثبات حقيقة كروية الأرض زمناً طويلاً. واحتاج إثبات حقيقة دوران الأرض حول الشمس، وليس العكس، زمناً أطول. كان إثبات كروية الأرض حقيقةً يمكن للإنسان أن يصل إليها، بالتدريج، من خلال تراكم المعرفة البشرية وتقدم العلم وأدواته. بعبارة أخرى: كان الزمن، وحده، كفيلاً بإثبات حقيقة كروية الأرض. لكن إثبات حقيقة دوران الأرض حول الشمس تطلب -إلى جانب الزمن- تضحيات عظيمة من فلكيين ومفكرين سابقين لعصرهم من مثل كوبرنيكوس وبرونو وجاليليو وغيرهم. وتلك على أية حال فاتورة التنوير.
الزمن عامل حاسم في إثبات صحة، أو خطأ، معظم النظريات العلمية السابقة لعصرها. لم يكن أحد ليتوقع مثلاً قبل 400 عام، أن تكهنات ورسومات الفلكي الإيطالي جاليليو جاليلي عن حركة الكواكب -المنشورة في كتابه المحظور بيان الحقيقة- “مطابقةً للنموذج الحالي لمدار الكواكب السيارة الصادر عن الإدارة القومية للملاحة الجوية والفضاء الأمريكية (N.A.S.A)، والذي تم اكتشافه ومشاهدته بواسطة أحدث التلسكوبات في العالم”(2). فإن سأل سائل: كيف توقع جاليليو حركة الكواكب، على نحو دقيق جداً، ومطابق لما ستثبته أحدث تلسكوبات العالم بعد قرون، في حين لم ير الكثير من مجايليه أبعد من أقدامهم؟ فالإجابة معروفة: وهل غيّر العالم إلا أفراد كجاليليو؟
الإنسان محكوم بالزمن ومسلماته: صائبة كانت أم خاطئة. فالأرض كروية منذ أن وُجدت تقريباً أو منذ زمن سحيق. لكن الإنسان لم يدرك هذه الحقيقة، وحقائق أخرى مشابهة، ويسلّم بها إلا في زمن لاحق. من هنا ينبغي التفريق، دائماً، بين الحقيقة الطبيعية (النسخة الأصلية) وبين الحقيقة البشرية المتشكلة، باستمرار، مع مضي الزمن وتراكم المعرفة البشرية.
إن الأرض هي الأرض: معلقة في الفضاء حتى في الوقت الذي اعتقد الإنسان أنها مسطحة. وتدور حول نفسها وحول الشمس حتى في الوقت الذي اعتقد فيه البشر أن الشمس تدور حولها وهي الساكنة. بعبارة أخرى: إن الطبيعة كائنة وفق ما هي كائنة عليه لا وفق معرفة الإنسان عنها أو جهله بها. لقد آمن البشر، لقرون خلت، أن الأرض مسطحة فهل تسطّحت؟ كما آمن البشر، لأكثر من 16 قرناً، أن الأرض ساكنة معتقدين أن الشمس تدور حولها وليس العكس، فماذا حدث؟ لم يحدث شيء: الأرض هي الأرض. لا إيمان الأولين بسكونها أوقف حركتها، ولا اعتقادهم أنها مسطحة غيّر من شكلها.
فلنعد بالشريط إلى الوراء قليلا: حتى القرن الخامس عشر كان كبار علماء أوروبا، وليس رجال الكنيسة فحسب، يستهزئون بمن يقول بكروية الأرض ويسفّهون رأيه. كان لدى العلماء وقتها حُجج وبراهين عقلية تؤكد عدم سلامة الرأي القائل بكروية الأرض، وعدم انسجامه، من حيث الفكرة، مع العقل. ومن ذلك، على سبيل المثال، قول بعض أشهر علماء أوروبا: “لو كانت الأرض كروية لانسكبت مياه البحار”!(3) وهذا منطقي من حيث المبدأ.
بنفس الطريقة، لكن في الاتجاه والرأي المعاكس، كان ابن حزم الأندلسي يفكّر تقريباً: كان ابن حزم يقول، في القرن العاشر ميلادي، إن الأرض كروية بالضرورة. وتأكيداً على رأيه القائم -كالرأي الأوروبي المعاكس- على البرهان العقلي، قال: “لو كانت الأرض مسطحةً لكان لها أطراف يقع الإنسان عند أحدها”(4). وكان محقاً وكانوا مخطئين. لكن فرقةً إسلامية -ممن يتعاملون مع النصوص المقدسة بشكل حرفي على نحو طريقة الأرثوذكس في المسيحية- اعتبرت ابن حزم جدّف في مقالته هذه.
كان العلماء الإسلاميون المعارضون لفكرة كروية الأرض يستشهدون بسذاجة بنص قرآني هو قول البارئ: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقتْ/ وإلى السماء كيف رفعتْ/ وإلى الجبال كيف نُصبتْ/ وإلى الأرض كيف سُطحتْ”(5). إن الأرض، بنص الآية القرآنية، مسطحة. وابن حزم (المتوفى سنة 456ه/ 1063م) في نظر هؤلاء المتشددين -لتعاملهم بحرْفيةٍ جامدة مع النص القرآني- خالف بقوله بكروية الأرض صريح القرآن ومحكم آياته! إنه فاسق!
لم يفُت ابن حزم، وهو العارف أن القرآن، حسب مقولة الإمام علي بن أبي طالب، حمّال أوجه(6)، فاستشهد، تأكيداً على كروية الأرض، ورداً على منتقديه، بآية قرآنية على نفس طريقتهم في المحاججة، هي قول الحق: “يكوِّر الليل على النهار ويكوِّر النهار على الليلـ”(7)، إنما من دون جدوى وكأن على أبصارهم غشاوة وبينهم وبين الحقيقة حجاباً.
على أية حال، فكلا الرأيين الإسلامي والمسيحي، يعتمدان، من حيث المبدأ، على البرهان العقلي. رأيُ ابن حزم: “لو كانت الأرض مسطحةً لكان لها أطراف يقع الإنسان عند أحدها”. ورأيُ علماء أوروبا بعده: “لو كانت الأرض كرويةً لانسكبتْ مياه البحار”. في الغالب يصيبُ العقل وتصحّ استنتاجاته وتفسيراته للظواهر الطبيعية كرأي ابن حزم مثلاً. وكثيراً ما يصيب العقل لكن تخطئ استنتاجاته وتفسيراته للظواهر كالرأي الأوروبي القائل بـ”انسكاب مياه البحار لو كانت الأرض كروية”، الصحيح عقلاً ومنطقاً والخاطئ تفسيراً واستنتاجاً. والأخير، في اعتقادي، أنسب مثال يؤكد أن الحقيقة الطبيعية لا تُفهم دفعةً واحدة وإنما بالتدريج من خلال تراكم المعرفة البشرية من عالم لعالم ومن جيل لآخر. لقد فات علماء أوروبا، في العصور الوسطى، إدراك حقيقة أن ثمة قوة كونية خفية، غير مرئية، تمنع انسكاب مياه المحيطات، وتحافظ على ثبات واستقرار الكرة الأرضية رغم دورانها.
إنها الجاذبية.
لا يخلو الأمر من مفارقة كون هذه القوة الكونية الخفية، التي فاتت كبار علماء أوروبا مجتمعين، هي ذاتها التي سيفسرها ويضع قوانينها عام 1687 منفرداً الفيزيائي الإنجليزي الملهم إسحاق نيوتن في كتاب “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”، مُطلقاً عليها اسم “الثقالة” أو الجاذبية.
يعرّف نيوتن الجاذبية بأنها “القوة التي تتسبب في حركة الكواكب في مدارات بيضاوية حول الشمس، وهي القوة نفسها التي تجعل الأشياء تسقط نحو الأرض ولا تظل ساكنة إذا ما تركناها”(8). وبهذا، وعلى أرضية كتاب المبادئ تحديداً، ترسخت العلوم الطبيعية وتغيرت نظرة الإنسان للكون كلياً.
والسؤال الآن: هل الجاذبية ظاهرة طبيعية جديدة ولدت عام 1687، أم أنها أقدم من الوعي البشري؟ سبق وقلت: إن الحقيقة الطبيعية سابقة لمعارف الإنسان. الجاذبية قديمة لكن الإنسان لم يدركها ويسلّم بها كحقيقة وجودية إلا عام 1687. ومن هنا ينبغي التفريق، للمرة الثانية، بين النسخة الأصلية من الطبيعة وبين النسخة التفسيرية. فالجاذبية هي الجاذبية: إن كوكب الأرض يتحرك، ومعه بقية الكواكب، في مدارات بيضاوية حول الشمس بتأثير من قوى الجاذبية منذ زمن سحيق: سواء عرف الإنسان أو لم يعرف. آمن أو جحد. ومن قبل إسحاق نيوتن ومن بعده أيضاً.
***
تغير نظرة الإنسان للكون هل الأرض كروية؟
إجابةً على هذا السؤال المُعمِّر صُودرتْ مؤلفات وأحرقتْ كتب. أُدين كتّابٌ ولوحق فلكيون وأحرق مفكرون. كان ينبغي على أحدهم أن يضع حداً لهذا السؤال بالإجابة عليه. كان ينبغي على أحدهم أن يوقف الجرائم المرتبكة باسم مركزية الأرض بين الكواكب السيارة ومركزية الإنسان، تالياً، بين سائر مخلوقات المجرة. وقد كان هذا المخلّص، على غير المتوقع، رجل دين.
إن رحلةً بحرية حول الأرض قام بها، في القرن السادس عشر، قسّ وليس ملاحاً، كانت الحدث الأكثر تأثيراً في تاريخ الغرب وتاريخ العلوم الطبيعية تحديداً. لقد نجح البولندي “كوبرنيكوس” في القيام بالرحلة الفاصلة التي أثبتت، بالتجربة وليس بالبرهان العقلي فحسب، أن الأرض كروية قطعاً.
كان كوبرنيكوس يعرف جيداً أن الاستنتاجات العلمية والأسئلة الدينية المترتبة على هذه الحقيقة أكبر من أن يعلنها، على الملأ، دفعةً واحدة. عاد إلى بولندا راهباً في كنيسة. ومن هناك أخذ يراقب، بتأملٍ ورويةٍ، السماء المليئة بالنجوم من مقراب كنيسته. أدرك أنه مقدم على إحداث ثورة في الفهم الإنساني للكون، وأن الكنيسة الكاثوليكية ستقاوم نظريته بشدة، فأخذ يراقب ويحلل ويستنتج، منتظراً، طول تلك المدة، الوقت المناسب لإعلان الحقيقة(9).
كروية القمر
توجد أسئلة أخرى في التاريخ الغربي أقل إثارة للنقاش، وأقل أهمية من سؤال كروية الأرض وحركتها. منها مثلا السؤال ما إذا كان القمر كروياً أم مسطحاً؟ كان الاعتقاد السائد في أوروبا، لقرون، أن القمر مسطح تماماً مثل الأرض. وما إن صُححت نظرة الإنسان إلى كوكب الأرض وتأكدت كرويته بشكل قطعي، حتى صُححت، بعد مدة، نظرة الإنسان إلى القمر. لقد أثبت جاليليو عام 1609 “أن القمر ليس مستوياً، كما كان الاعتقاد السائد، وكذلك جميع الأجسام السماوية. وقد أكدت مشاهداته تلك أن القمر ليس كامل الاستدارة، كما الأرض، ففيه وديان وجبالـ”(10).
*الهوامش:

1 – فيلم وثائقي عن علم الفلك ورحلات الفضاء عرض على الجزيرة الوثائقية. دائرة المعارف.
2 – ص224 (ملائكة وشياطين) تأليف: دان براون. منشورات الدار العربية للعلوم بيروت. ترجمة: مركز التعريب في الدار الطبعة الأولى 2005م.
3 – (تاريخ أكثر إيجازاً للزمن.. من الانفجار العظيم إلى الثقوب السوداء) تأليف: ستيفن هوكينج وليونرد ملوندينوف. ترجمة: أ.د أحمد عبدالله السماحي، أ.د فتح الله الشيخ. عنوانه الأصلي بالانجليزية (A Brief History of Time) (موجز تاريخ الزمن) 1988م الناشر دار العين للنشر.
4 – مجموع رسائل ابن حزم الأندلسي.
5 – سورة الغاشية.
6 – عند إيفاده أبا موسى الأشعري للتحكيم الذي طرح بعد رفع المصاحف على أسنة الرماح في صفين.
7 – سورة الزمر.
8 – السابق 3 ص22.
9 – فيلم وثائقي عن عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس عرض على الجزيرة الوثائقية. دائرة المعارف.
10 – “المائة: تقويم لأعظم الناس أثراً في التاريخ” تأليف مايكل هارت. النسخة العربية “الخالدون مئة أعظمهم محمد” ترجمة أنيس منصور- المكتب المصري الحديث. ص58.