عبد الباري طاهر يكتب عن: المعارضة والاصلاح الشامل.. إصلاح أم صفقة؟

عبد الباري طاهر يكتب عن: المعارضة والاصلاح الشامل.. إصلاح أم صفقة؟

في غمرة التجاذب السياسي من حول الانتخابات الرئاسية والمحليات تقدمت المعارضة” أحزاب اللقاء المشترك ” بوثيقة للإصلاح السياسي والوطني. جاءت الوثيقة في اللحظات الأخيرة من استكمال “الحكم” الإجراءات النهائية للذهاب إلى صناديق الاقتراع. فقد أكملت اللجنة العليا للانتخابات المطعون في شرعيتها تشكيل اللجان الأساسية والفرعية، كما فرغت من إعادة تقسيم الدوائر، واختزال مناطق الإشراف، وفرغت هذه اللجان بدورها من استكمال سجل قيد الناخبين الذين يتجاوزون العشرة ملايين ناخب (أكثر من نصف السكان )!! خلت الوثيقة المنوه بها من تشخيص الوضع الحالي:
اقتصادياً، اجتماعياً، ثقافياً، سياسياً، وحتى أمنيا وإدارياً، وتحديد علله وأوجاعه والسمات العامة للوضع العام.
عمدت الوثيقة المهمة إلى التوصيف بدلاً من التحليل، والقفز السريع إلى الأحكام بدلاً من الدراسة والتعمق في فهم طبيعة الأوضاع التي رافقت ونجمت عن التبدلات العامة منذ حرب 94. وجلي تركيز المقدمة بدرجة كبيرة على إبراز القواسم المشتركة والرؤى المتوحدة لأحزاب اللقاء التي تضم ألوان الطيف السياسي: التجمع اليمني للإصلاح، الحزب الاشتراكي اليمني، التنظيم الوحدوي الناصري، وحزب البعث القومي، واتحاد القوى الشعبية، وحزب الحق -وهما تنظيمان إسلاميان- اتخذت المقدمة طابع التعبئة ” الداخلية ” لرص صفوف المعارضة إياها، و تحشيد قواها وقواعدها من حول المطالب العامة للإصلاح.
اكتفت المقدمة بالحديث عن الأزمة بالعموميات والتحذير من آثارها الكارثية دون الغوص أو الخوض في أعماقها.
في الجانب السياسي، وقفت الوثيقة عند تجلي مظاهر الأزمة في غياب دولة القانون والمؤسسات وانعدام المساواة، وتركيز السلطة في يد رئيس الدولة مع غياب المحاسبة والمساءلة. والحقيقة أن التوصيف دقيق وصائب أيضاً، ولكن ما ينقصه غياب دراسة الأبعاد التاريخية والمجتمعية الاقتصادية والثقافية والسياسية لهذا الإرث الوبيل.
فالتوصيف هنا لا يكفي لأنه حتى لوحل المعارضون محل الحاكمين فإن الأزمة ستظل هي هي.ثم إن التركيز على غياب الدولة، رغم صحته، إلا أنه في جانب مهم يعكس الرغبة فيها. والأولوية للدولة رؤية شائعة وسائدة في الفكر السياسي اليساري والقومي والإسلامي.، وهي النظر إلى الدولة كحلقة وأداة رئيسية في التحول، وتجسيد لروح الأمة في الفكر القومي، أو هي السلطان الذي يزع الله به ما لا يزع بالقرآن كما عند الإسلامي.وفي اليمن فإن الدولة كعب أخيل في التاريخ اليمني كله؛ فالمجتمع ذو تركيبة قبلية متناحرة ومتحاربة في مراحل مختلفة، فعندما تضعف الدولة تقوى القبيلة وتحل محلها تلقائياًً، وهناك تداخل وترابط عميقين بين الدولة -تحالف عدة قبل- وبين انفراط العقد، والعودة إلى تعدد المراكز القبلية والجهوية. والمأساة أن الدولة قاطرة التطور والتحضر والتمدن قد تحولت في المتوكلية اليمنية إلى عقبة كأداء في سبيل بناء اليمن وتقدمها وازدهارها. ولا يزال المجتمع القبلي المدجج بالأمية والسلاح يقوم بنفس وظيفة الدولة البائدة، ويجد في الدولة وممارساتها اللاديمقراطية الحليف لبقاء الأوضاع على حالها.
وفي المستوى الاقتصادي الاجتماعي تتحدث الوثيقة عن تخلف عملية التنمية، وعزوف رؤوس الأموال عن الاستثمار مشيرةً إلى تدخل الدولة في مزاحمة التجار والمستثمرين. والواقع أن أحد أهم مطالب حركة الأحرار اليمنيين في الأربعينيات من القرن الماضي كانت تدعو إلى منع الأمراء من بيت حميد الدين من الاشتغال بالتجارة. أما حالياً فان كبار رجال الدولة هم تجار كبار أيضاً. ولعل الجانب الاقتصادي الاجتماعي هو نقطة الضعف في الوثيقة؛ فهو يتحدث بالعموميات والإنشائية الوصفية عن أوضاع غاية في الصعوبة والتعقيد. وهي بحاجة إلى لغة الأرقام الفاجعة أكثر من التوصيف مهما كانت بلاغته. والحقيقة أن هذه الأحزاب المعارضة، وبالأخص الإصلاح والاشتراكي، تمتلك كوادر اقتصادية ومختصين وعلى اتصال بالأوضاع الاقتصادية يستطيعون بالأرقام تحديد نسب التفاوت الاجتماعي، ومستوى الدخل الذي لا يتجاوز ال 300 دولار في جوار تتجاوز فيه الدخول العشرين والثلاثين ألف دولار، ونسب الأمية الغالبة. وحقاً فإن أروع ما في الوثيقة الإشارة الضوئية للثراء غير المشروع عن طريق استخدام السلطة كوسيلة للحصول على الثروة الجاهزة دون المشاركة في إنتاجها.
معروف في البلدان الديمقراطية والكثير من دول العالم أن الثروة هي الطريق إلى الحكم. فمن يملك يحكم كمقولة ماركسية شهيرة. وتكاد اليمن أن تكون من استثناءات نادرة تكون المعادلة فيها معكوسة تماماً؛ فالدولة هي الطريق إلى الثروة، والوسيلة الأهم لاكتسابها. وتعطي الأولوية للإصلاح السياسي، فالإصلاح السياسي حسب الوثيقة حاجة موضوعية، وليس مجرد رغبة أو أهواء.
فالوثيقة تري أن الإصلاح في المجالات الأخرى غير ممكن بدون الإصلاح السياسي، فالسلطة بما تمارسه من سيطرة واستحواذ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما تسببه من اختلالات في مجمل الأوضاع.
وتشبهها بالثقب الأسود بحيث تتحول الدولة إلى معول هدم وتدمير. والسؤال، أو الأسئلة، لماذا التعويل بدرجة أكبر على الإصلاح السياسي؟ ولماذا تكون دعوة الإصلاح الشامل بالدمج الكامل والكلي بين الاقتصادي الاجتماعي السياسي والثقافي؟ فهل تعكس الرغبة في أولوية السياسي نزق المعارضة، ونفاد صبرها، وطموحها الجامح للمشاركة السياسية أو استعجال قطف الثمار قبل الأوان؟!
إن أولوية السياسي وإفراده في الوثيقة، حق لا يراد به تغيير الأوضاع، فتغيير الأوضاع في بلد كاليمن بحاجة إلى معالجة تبدأ من حياة الناس العاديين والمسحوقين حقاً، من التعليم الفاسد والمؤثم، ومن الصحة المتآكلة، ومن الفقر الذي يعم غالبية السكان، ومن تحديث البنية القبلية الأمية و ” المجاهدة “.
إن رؤية التغيير السياسي بمعزل عن الأوضاع له دلالة سالبة في جانب مهم وهو التوكيد على إرادة النخب وطموحها الجامح في التغيير، أو إن أردنا الدقة، طموحها للمشاركة السياسية والحصول على نصيب من الكعكة. حدية الخطاب الواصل حد التلويح بالثورة الشعبية -حميد الأحمر- والتوكيد على أولوية السياسي، وانتزاعه من السياق العام للإصلاح الشامل إنما يعكس ” مزاج نفاد الصبر ” -كتعبير إنجلز- والأمر الأهم تميز خطاب المعارضة والابتعاد عن المساومات غير المبدئية؛ لأنها الوجه الآخر لدخان الخطاب النزق والنازف المشرئب للصفقة والمتعطش إليها.