المسرح اليمني.. حمل كاذب أم ولادة متعسرة؟

المسرح اليمني.. حمل كاذب أم ولادة متعسرة؟

وصفه المخرج والممثل المسرحي صلاح عبدون بقوله: “المسرح اليمني يتيم الأبوين”.. وقد كان هذا الوصف مطابقاً للحالة التي يعيشها المسرح اليمني –إن حاز لنا أن نسميه مسرحاً– إذ إنه، أي المسرح اليمني، يعيش أزمة مزمنة أدَّت إلى حالة مسيطرة من الضعف والركود بل والتدهور.
وممّا يؤسف له أن الجميع مدرك لهذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الحركة المسرحية في بلادنا، ومع ذلك لم يُلحظ أي تحرك من قبل أية جهة –حكومية أو غير حكومية– لانتشال المسرح اليمني من عثرته التي طال عليها الأمد، وتحريره من القيود التي تكبله، لينطلق مؤدياً دوره الهام في حياة المجتمع، فكما يقال “أعطني مسرحاً أعطك أمة”.
فالمسرح عمل هادف يلامس مشاعر وهموم الأفراد، ويتبنى قضاياهم واتجاهاتهم، ويعبر عن مشاعرهم.. وهو -في رأيي– لا يقل أهمية عن الجامعة في تشكيل الوعي الجماهيري، وفي التنوير الفكري والثقافي للمجتمع.
وإذا ما حاولنا تقصي الأسباب والعوامل التي حالت دون تقدم المسرح في بلادنا، بل وجعلته يتراجع القهقرى وينكص على عقبيه، كما يقول المثل الشعبي “العام أكبر من هذه السنة”، فسنجد أن هناك جملة من الصعوبات والعراقيل التي تكالبت عليه حتى أودت به إلى هذه الحالة المؤسفة.. وسأحاول في هذه السطور إيجازاً استعراض بعض من هذه الصعوبات والإشكاليات:
أولاً: عدم تفاعل المسرح مع المجتمع اليمني، من حيث عكس الهموم العامة المسيطرة على المجتمع والتعبير عنها، إذ إن المسرح في بلادنا –على شحته– لم يقدم للجمهور مادة قادرة على خلق تفاعل بينه وبين الجمهور.. لم يقدم عرضاً لمشاكلهم ويطرح حلولاً لها، فيكون هناك تمثيل لهذا المجتمع وتمثُّل لهمومه وتطلعاته، بحيث يصبح متنفساً للناس، ومنبراً يبرز قضاياهم ومواقفهم ورؤاهم وحاجاتهم.
والمجتمع اليمني لم يعرف المسرح إلا في فترة متأخرة، وذلك نتيجة لحالة العزلة التي كانت تعيشها اليمن في ظل الحكم الإمامي المنكفئ والمنغلق على نفسه. على أن الأشقاء في ما كان يسمى بجنوب اليمن -وخاصة في عدن- كانوا أوفر حظاً من إخوانهم في سائر اليمن من حيث تعرفهم على المسرح، إذ تأسس أول مسرح في عدن وتشكلت أول فرقة مسرحية عام 1910، بينما لم يعرف اليمنيون في الشمال المسرح إلا بعد ثورة 26 سبتمبر الخالدة.
ونظراً لقرب عهد المجتمع اليمني بالمسرح في الشمال، وركود المسرح في الجنوب، وارتهانه للنظام الحاكم آنذاك، إضافة إلى أن ما أنتج على قلته لم يكن ليلبي احتياجات المجتمع ويلامس همومه وقضاياه.. نظراً لذلك، ظل هذا الفن بعيداً عن المجتمع، كما أنه لم يؤسس لنفسه ليكون ابناً لهذا المجتمع، ووجهاً آخر له.
ثانياً: المسرح بحد ذاته عمل إبداعي هادف ومؤثر وقوي ومعقد في نفس الوقت، إذ إنه عبارة عن إعادة تشكيل للعالم، تمر بمرحلتين فنيتين إبداعيتين.. أولاهما المرحلة الكتابية -إن جاز لنا تسميتها بهذا الاسم– وهذه مهمة الكاتب المسرحي الذي لابد أن يكون واعياً بكل ما يدور حوله، سواء في مجتمعه أم في المجتمعات الأخرى، وأن يكون مثقفاً واسع الاطلاع –إن لم نقل موسوعياً في ثقافته، إذ إن العمل المسرحي عمل حساس وخطير له دلالاته وأبعاده التي تقتضي أكثر من ذلك.
أما المرحلة الثانية.. فهي المرحلة الإجرائية، وتتمثل في عملية أداء هذا العمل على خشبة المسرح، ويضطلع بهذه المهمة كل من طاقم التمثيل، المخرج، المصور، مهندس الصوت، مهندس الإضاءة، عازف الموسيقى التصويرية… إلخ من الكوادر التي لابد أن تتمتع بقدر عالٍ من الكفاءة والموهبة اللتين يتطلبهما هذا الفن. ناهيك عن الإمكانيات المادية المطلوبة والضرورية في هذا العمل الشاق والمعقد والممتع في نفس الوقت، ومنها: المباني، الديكور، الأزياء، الصوتيات… وغيرها من التجهيزات اللازمة.
وإذا قسنا ما سبق من حيثيات وخصوصيات ومتطلبات إنتاج العمل المسرحي على واقعنا الفني في اليمن، فإننا سنصطدم بهذا الواقع، إذ إن الكتابات المسرحية قليلة جداً، إضافة إلى عزوف الكتاب عن كتابة النص المسرحي، أو أن الكتابات المسرحية قد تضيع في ظل حالة الركود التي يعانيها المسرح في بلادنا.
وإذا ما أتينا إلى الإمكانيات المادية التي ذكرناها آنفاً، فإننا إذا ما حاولنا التماسها في الواقع، فسندرك أننا نفتقر إلى أبسط مقومات المسرح.
وما بين هذه وتلك يقبع الكادر الفني -الذي لا يدرك ذاته إلا في الأعمال الموسمية المناسباتية التي لا تعدو كونها اسكتشات درامية- عاجزاً عن اقتحام عقبة كؤود تحول دون إنشاء مسرح، ناهيك عن ازدهاره.
ثالثاً: العمل المسرحي، كما قلت سلفاً، عملية إعادة تشكيل للعالم.. أي أنه عملية فنية تتم وفق رؤى معينة.. وهذه الرؤى قد تتقمص الواقع ولكن بطريقة مغايرة، وذلك لكي يتم لها ما ترمي إليه، وبهذا فإن العمل المسرحي يحتاج إلى القدر الأكبر من التحرر، والبعد عن الوصاية والتوجيه والتجييش، فالمسرح عندما يشب لا يقبل التوجيه والوصاية والارتهان، وإذا ما مورست ضده هذه الممارسات فإنه يُمْسَخُ، ويصبح غير قادر على إيصال رسالته والاضطلاع بدوره، ومن هنا تضيع غايته ويضيع على إثرها.
رابعاً: المسرح ظاهرة ثقافية فنية أدبية ثقافية، شأنها شأن جميع الظواهر الثقافية والفنية والأدبية، وذلك من حيث النمو والتطور، وعملية النمو والتطور هذه تستلزم الاستمرارية والتواصل، وذلك لكي يكون هناك تفاعل بين الجديد والقديم، ولكي تتاح الاستفادة من الخبرات السابقة، وتكريس هذه الاستفادة في الأعمال المستقبلية، وبما يمكن أيضاً من التواصل مع تجارب الآخرين، وبالتالي الاستفادة من هذه التجارب في ما يخدم المسرح أو التجربة المسرحية في بلادنا. وهذا هو ما يفتقده المسرح في بلادنا، فالاستمرارية والتواصل -على ما لهما من أهمية في نشاط ونمو وتطور المسرح عموماً– يكادان ينعدمان في واقع تجربتنا المسرحية، التي تبقى جامدة لا تحركها إلا أنواء المناسبات الموسمية، وما إن تهدأ هذه الأنواء المناسباتية الموسمية حتى تعود إلى سابق عهدها من الركود والجمود، منتظرة هبوب النوء في موسم قادم ومناسبة قادمة. بمعنى أن التجربة المسرحية في بلادنا تفتقد الديناميكية التي تتولد عن الاستمرارية والتواصل، بالإضافة إلى غيرهما من العناصر والعوامل المساعدة على النهوض بالمسرح ليؤدي رسالته الهامة التي لا ينبغي أن ينظر إليها البعض على أنها فضلة يمكن الاستغناء عنها.
وفي الأخير.. لنا أن نتصور.. إذا كان هذا هو الحاصل في واقع تجربتنا المسرحية في الوقت الراهن، وإذا كانت هذه هي أبرز المشاكل التي يعاني منها المسرح في بلادنا، فهل لنا أن نتنبأ إلا بموته بين أيدينا مستقبلاً؟
ثم هل هذه المشاكل والعراقيل والعقبات عصيّة على الحل والإزالة إلى الحد الذي يجعلنا نوكل أمر ومصير المسرح في بلادنا إليها؟!
ثم من المسؤول عن حالة التدهور التي لحقت بالحركة المسرحية في بلادنا؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية إنقاذ المسرح وانتشاله من كبوته ليستعيد عافيته ويقوم بدوره؟
الأسئلة كثيرة.. والمشكلة عويصة.. والحل مطلوب وممكن، ولكن ذلك لن يتأتى إلا بتضافر الجهود وتعاون جميع الأطراف المعنية بالأمر.
أتمنى أن أكون قد وضعت يدي على مركز الألم.. وأن يلقى ما كتبته أذناً سميعة.