ست سعيداً

ست سعيداً

*محمد الشلفي
لست سعيدا بالكتابة منفردا في صفحتي شاشة الثقافية لتصبحا أحيانا بوجهة نظر واحدة، وتظل الصفحتان -اللتان تفردهما “النداء” كصحيفة وحيدة من بين كل الصحف التي تصدر- تنتظران مني جهدا لا يؤثِّر، أو لا يصلُ كتابيا إن حدث تأثير ما.
ما كل هذا الموت؟
منذ أسبوع كنت أحضر في ختام فعالية للشعراء الشباب نظمتها الجمعية اليمنية للثقافة والفنون.. قراءة نقدية لديوان “حطام الوردة” لشاعر مهم برأيي أتعرف عليه لأول مرة، هو سيف رسام، وشارك في الأمسية النقدية، الناقد الشاب صدام الشيباني، وهو يحضر الآن رسالة الماجستير في النقد، ليوصى “رسام” بألا يتوقف عن الابتكار والنمو، كما فعل جيل التسعينيات الذي “مات واختفى”. لقد تأكدت منه في ما بعد هل أنت واثق من أن جيل التسعينيات مات وتلاشى؟ قال لي نعم، وأنا أقول بذلك لأنني واحد من شعراء ذلك الجيل. ولن تحتاج الكثير لتبحث في الواقع عن دليل لما قاله، لقد توقف هذا الجيل، لحراسة ماضيه، وابتعد عن الفاعلية الثقافية.
ومع أن بعضهم تصدر المشهد الثقافي بمشاريع ثقافية تبدو نخبوية، وبطبيعة الحال تتحول إلى شخصية، إلا أنها تفتقر للتأثير، وللدور الذي يجب أن تلعبه. لدينا مواقع إلكترونية ومجلات فيها من الجهد المتميز الكثير، لكن كأنها لا تهتم إلا بالنخبة الخارجية أولا التي ساعد الانترنت بكل أدواته على الانفتاح عليها ثم الاهتمام بالنخبة في الداخل المقربة عادة.
ما جدوى هذه المشاريع الثقافية إذا لم تخلق قارئا جديدا، كاتبا ناشئا، إذا لم تصل إلى القارئ المهتم العادي. ما جدواها وهي كأنها “تحرس المقابر” وتتجاوز الحاضر. وتتهافت على أقلام خارجية حد تعبير الكاتب مصطفى الجبزي. فيما تساهم من منبر أتيح لها على فعل ما كانت تستنكره وهي في البدايات.
من واجب هذه المشاريع الثقافية أن تلقي بحجر في حالة الركود الثقافي، لنعرف من خلال هذه المشاريع، أين نبيلة الزبير، وعلي المقري، وما يعني الشعر لفتحي أبو النصر، وما جديد محمد الشيبياني، وما موقف هدى أبلان مما يحدث في اتحاد الأدباء؟ لماذا يبدو المبدعون بلا موقف؟ ولماذا ما زال جواز وجدي الأهدل محتجزا لدى وزارة الداخلية؟
لا حضور، فالغياب يعترينا…
لقد حاول الكاتب محمود ياسين رئيس تحرير مجلة “صيف”، في كتابات كثيرة له، أن يوقظ جيله الذي يبدو بلا ملامح، لقد فقد الاتجاه فأصبح بلا فاعلية. لقد بدأ جيله متحمسا ثم سرعان ما خبا حماسه، لا أحد مسؤول عن هذا أكثر من الجيل نفسه. لقد أصبح بلا قضية، حتى على المستوى الشخصي. لم يعد يتذكر أهدافه الحقيقية، لصالح أهداف تصنعها الظروف: هؤلاء هم لا أكثر يسقطون من الضربة الأولى.
ثمة هروب تمجده الشللية التي يصبح معها الموضوعي والشخصي نسخة واحدة. ثمة هروب من المسؤولية.. هروب من الموقف.
لدى المثقف قطيعة مع البيئة الثقافية من حوله، مع أمسية شعرية، مع ندوة، مع مسرحية تعرض هنا أو هناك، مع إصدارات جديدة، مع رواية تصدر. كيف يمكنه تقييم واقع ثقافي لا يعرفه. وكيف يمكن أن يكون واحدا ممن يحاولون إحداث ثقب في جدار، ومن يحاولون أن يصنعوا من الليمون شرابا حلوا.
بالتأكيد، لن أكون سعيدا حين أكتب كل هذا ولا يعلق أحد عليه سلبا أو إيجابا، حتى وإن علق أحدهم قائلاً: “صحيح أنت لست سعيدا، أنت محمد”، ولو على سبيل الدعابة.