هواء يضيقُ به الوقت

هواء يضيقُ به الوقت

*عبدالباسط عبدالله مقبل
ما عاد لي متسع للأمسية، ولا مر لها الوقت، وحدي في نهود السواحل أمشي وقد أثقلت كاهلي بأكتاف الطرقات وخطوات العبث.
كانت قد جاءت قبل مطلع الشمس تعبر إلى وهجها، تسابق النهار وتتخطى في المساء والظلام، قلتُ: احفظي شيئاً من هذا ربما يبدأ لنا الوقت، وربما نُلقي تحت أقدامنا ليلاً طويلاً، ونجلس للضحك والمرح. لستُ الآن في الصف الذي تهتجشين فيه، لي أمل لو أن الوقت لا يطول قد ألقاني عائداً إلى وطنه.
قالت: لنمضِ إذن قبل أن تعود، هذه فرصة، ألا ترى أننا وحدنا ولا تحوم حولنا الذئاب، لماذا لا تمشي، أخاف لو لقيت وطنك تتركني هنا وتغيب.
ضحكتُ. قلتُ: شمسي غربت، لم أعد كما تعهدين، ليس لي هنا غير هيكل جائع وحطام قرى باكية وباعة موت وتجار لحوم، وصيادين مهرة يجولون حول شباكي الممزقة في نهدين كانا يجرحانني، قلت: أنصبهما لهما فأخفيهما هناك، ضُممتُ بينهما وأنا أتوقع لهم الموت كما تعرفين، غير أنني بقيت وحدي أنتظر أن أموت.
أوليس لك صوت بين هذا وذاك، لا.. قلتُ لها، نسيتُ أن أكون في غيري، قلتُ أكون أنا ابن رضع من ثديين، غاصت أحلامه في الجسد وعبث الشياطين، رأيتُ الملائكة يغادرون البحار ويتوزعون في بقاع الأرض، وأبناء آوى يأكلون الفرائس، ويكذبون، حملتُ الأرصفة، ونزلت هذا الصباح، ألفيت بصري يتململ في نهدين تورقا بخضرة القلب، قلتُ: أقف بينهما، أملأ الفراغ، ولا أدع طريقاً يشقهما، استعجلت حضوري. قالت: لماذا نقف متقابلين، كلنا كنا نبحث عن فريسة، خذ المعنيين معاً مفترساً وفريسة، وهيا بنا نتوازن في الأفعال ونتوارى في خيمة لنا بأطراف المدينة، ألا ترى أننا وحدنا والطريق لا تحرسها الكلاب، وهي خالية من العابرين، هذا حين يندر أن يباح دون صبر وترقب وانتظار…
قلت: أخاف أن أعود، فلا أجد أحداً ينتظر قدومي، وأخاف أن أجد معارف هنا يدلونني على الطريق الذي سلكته، فألقاني أمشي بقدمي إلى التشرب في الهاوية.
ماذا يثقل رأسك يا رجل.. دعنا نمشي.. ضمت ذراعينا وضحكت: ألست أنت من يترصد للنساء في الطرقات، امشِ الآن، بيننا متسع من الوقت لا ترانا فيه الذئاب ولا تنبح في خطواتنا كلاب الحراسة، أوليس أنت هذا الذي تكاد أبصاره تبتلع العابرات، هذه فرصة لن تتهيأ مرة أخرى، أو أن شيئاً يثقل رأسك ويعبر إلى حرمان السنين بمخزون البصر والكلام.. وهل ترينهم تركوا لنا شيئاً يثقل الرؤوس، قلتُ لها: وحدهم يشربون أنخابنا ويتلذذون في مآسينا، ويوم يصادفوننا نحتفل في آلامنا يسرقوننا باسم الله والأنبياء، ويجلسون أمام أعيننا يشربون خمرتنا ويتمطقون.
عندي – ما يثقل رأسك.. قالت وهي تسحب بقاياي وتمشي، في خيمتنا هناك ما ينسي الوجع ووقت لا يمر بك بين زحام المثقلين بأحمال جوع الأرصفة والأسى العميق للمدينة، قلت: ها هي الرياح تهب من كل حدب وصوب وأمامها ما تأخذه من أهلنا الطيبين، فهل أمشي وأنا لا أدري أي عاصفة مزقتنا، ووزعت في قلوبنا الأحقاد، وملأتها بالكره، ألا ترين السرطانات كيف تتفشى في الهوى الذي كنا نرضع آماده، حتى أولئك الذين كانوا يرضعون معنا صاروا قوة للسرطانات والشياطين، جئتُ هنا أتمشى قليلاً في بقايا الليل، ربما أحصل على ذرة هواء، ذكرى وطن لم تلوثه الأيادي القذرة، ربما –تمنيتُ– لو غاب عن رؤيتهم ندى الليل ففيه ما أتعزى به، وما يجعلني أقول: إن شيئاً بقي لي في الوطن، وصلت أنت ورائحة أنفاسهم الكريهة تتخابط في خطواتك، أَضفتِ نهراً إلى أحزاني، اذهبي لستُ أحدهم.. اتبعي ما جئت له، هناك من له طلب فيك، سوف تحصلين على غيري، أنا ليس لي في هذا وطر، ولم أكن ذات يوم من يمر هنا، ولا أعرف قريباً كان له نصيب بين هذه السرطانات، لك بُغيتك بينهم، أنت نواتج لصوص وقوادين وفسقة.. أما أنا لست ناتجاً لأحد، أعمل لحسابي وأدور في البحث عن هواء نظيف.

                                                                  صيرة 2010
[email protected]