ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا

ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا

هشيم جثث.. حطام إسمنت
عبدالباسط عبدالله مقبل
حين اهتزت البيوت وارتجت الأرض، كان الليل وسط مدينة تعز يتأهب للمغادرة، ومنارات المساجد تنتظر بهجة أذان صلاة الفجر.. شيء للظلام بقي في الطرقات متأهباً للرحيل، مفسحاً الوقت للمسجد ليعلن حضوره ويرفع أصواته للسماء.
دخان صوت مدوٍّ يملأ الفضاء، فيه نهضت يقظة النائمين، وانتهى حلم ظل ينتظر بدء الحياة ومغادرة أوهام (الكتابة) وأوجاعها، أفقتُ إلى صوت الانفجار وغصت في الدخان والغبار وأبواب تفتح على فجائع القوم والندم على ماذا كنتُ سأحلم.
تهت، كدت ألا أرجع من البحث عن الحلم، تداركت الأمر، قلت: لا شأن لي في ما يجري في هذا العالم، ليس من حقي هنا أن أحلم، أخذوا كل شيء وتركوا لي الشتيمة للتسلية والقهر، لم ينسوا لي أي إحساس يهز المشاعر التي تعودت على اللامبالاة والهوان، صار التآلف مع أصوات القنابل والألعاب النارية وأصوات الرصاص، مسألة عادية وتحدث كل يوم، لا شيء يهم، لا شيء جديداً، انفجار يصب إلى انفجار، استغربت -فحسب- خروج الناس وتوجههم نحو مصدر الانفجار زرافاتٍ ووحداناً.
من باب (الشجن) سألت موسى الصلوي عما حدث، قال: يمكن سلك كهربائي (ضرب)، قلت، هذا صوت الانفجار العظيم الذي كان سبب وجود الأرض وليس سلكاً كهربائياً، أشار موسى إلى (زقاق) يفضي إلى المباني المنهارة: ذاك العمقي سيأتي بالخبر اليقين، قلت في نفسي: (يسدو).. خبر يأتيك اليوم بفلوس بكرة يأتيك من “العمقي” وكثرة المؤلفين ببلاش.
رجعت للنوم والتفكير في محاورات (البلطجة) على القارئ الوحيد والجميل والأوحد الذي اكتشفت فجأة أن له رسالة في إيميلي.. فيها كلام أطراني به، رددت الإشادة بأحسن منها، أحسست ساعتها أن لي غروراً بنفس اتساع سحب الدخان في فضاء تعز.
في مرة سابقة، لقيت لي قصة كتبتها في إحدى الصحف، ونقلت إلى موقع الصحيفة في الإنترنت، قرأت عدد الزوار في المرة الأولى وجدتهم (واحد)، فتحت الموقع بعد يومين، صاروا اثنين، استمر الوضع هكذا كلما فتحت الموقع أضيف إلى قرائي حيوان آخر، أعجبتني اللعبة متصوراً أن لي قراء ومعجبين، رحت أفتح الموقع وأغلق والقراء يتكاثرون، وفي كل فتحة يضاف رقم جديد، ظللت أغلق وأفتح إلى أن اكتشفت بعد عمر طويل أن كل (الحيوانات) الذين كانوا يقرؤون موضوعي هم أنا (ما غيري).
صممت وأنا أتذكر الكلام الجميل للقارئ وقصتي مع الموقع، أن أزيح القارئ الكريم عن الطريق، وألا أدعه ينافسني في تكاثر عدد قرائي، وألا أدعه يسمع كلمة (حيوان) التي تنطبق على واقع الحياة الذي أكتشفه كلما قرأت فيها مرة ثانية.
قلبتُ تصورات القارئ عني رأساً على عقب، وصل معي في نهاية المطاف إلى تغيير رأيه وتقدم بطلب يسحب فيه الإطراء الذي وهبه لي، مشمولاً بقاموس شتائم، أعجبني منها: أيها (القرد الخليع) التي دائماً ما أنشدها مع شاعر العراق الراحل عبدالوهاب البياتي، وأحتفي بها مع شيء من الرثاء للتعاسة.
***
“الحياة ليست صعبة القياد طالما ليس لديك ما تخسره” عبارة حفظتها من رواية للروائي الأمريكي إرنست همنجواي، ومن يومها ليس لدي ما أخسره، حتى لقيت هذا القارئ الذي أغاظني وجعلني أحس أن لديّ ما أخسره.
وصل إيميلي وهو يتصور أن “المهدي المنتظر” هو أنا، وأنا (ما غيري) المعول عليه إنقاذ الوطن من الكارثة وتحرير فلسطين، طلب ألا أماشي (أشباه الرجال) التي تقبلتها بصدر رحب وهو يودعني بها وأخواتها وبنات عمها، بعد أن أكد لي أننا (بشر) نصلح للفرجة والتنزه في رؤية الجثث وحطام المدن.
غير أنه لم يقدر أن يسلب مني شتائمي، عجز عن ذلك وذهب غاضباً، وجعلني على يقين أنني في هذه أنا على حق، فالشتائم سواء لنا أو علينا في هذا البلد، تصبح خسارة لو سلبوها منا، حتى وهي تتراكم في أضعف الإيمان و(تنفه) عن مسحوق حين يداهمه لص ومهنجم حقير.
***
لساعتين، لا أعرف هل نمت فيهما أم لا، أزعجت في دوشة (الخلق) الذين لم أكن أعلم لماذا جاؤوا إلى شارع “حديث المدينة”، صببت عليهم ما شئت من كلام، ونهضتُ إلى كهرباء منطفئة، خرجت، صدمتُ بالناس مجتمعين أمام باب العمارة، سألت أحدهم (إيش مع الأوادم متجمعين؟)، قال:
– ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا..
لم أحس بالعبارة في غمرة انشغالي بوجع عبارة “رجاءً إنسى إيميلي” التي كانت النتيجة النهائية لقطع علاقتي بالقارئ العزيز، رددت عليه: “معك خبر” غير “ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا”؟، لم أنتظر الإجابة التي كانت ستعطل مهمتي المنحصرة في وضع عبارة القارئ أمام عينيه وفي أول فتحة للإيميل، زاد من غيظي وقيمة وضعها للقارئ كرادع له من التفكير في الكتابة لي مرة أخرى، ليس تجريدي فحسب من حقي في شتم من لا يعجبني، بل لأنه حاز على ثقافة وعلم لم أحز عليهما.
***
(يتداوش) أهل تعز رجالا وغرباناً شباباً وأطفالاً وشيوخاً، ويتناثرون من كل زقاق، وكلما سألت عابر طريق عن السبب أترك إجابته وأجيب لنفسي:
– ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا… إنس إيميلي.
وكلما صادفت أحداً من معارفي، يبتهج في وجهي ويهتف: “الحمد لله على السلامة”.
– أنا أنتظر أقرأ عليك الفاتحة وأكتب مراثيك.. تقلي “الحمد لله على السلامة”.
أقولها بعجل وأسابق القارئ للوصول إلى أقرب إنترنت فيه كهرباء داخل تعز، لتلقين القارئ صفعة لا ينساها:
– “رجاءً إنس إيميلي”.
لا أدري من أي (زغط) ظهر لي العزعزي، صاحب مطعم العصيد، يجري، ما إن رأيته حتى شمرتُ فوطتي وأطلقت سيقاني للريح.
– ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا.. ناس تجري.. ناس تطير.
***
“الحمد لله على السلامة” فاضت في رسائل التلفونات التي أكرهها، لم أسأل عن سبب الاتصالات، ولا عن تمني السلامة لي في هذا الوقت، ولا من أين جاءت المحبة هكذا دفعة واحدة، أصررت ألا أدع أيضاً أي صوت يخذلني، لن أرد على أي اتصال قبل ما (أفكد) صاحبي وأضحك في وجهه وهو يقرأ:
– رجاءً إنس إيميلي.
وصلتُ مقهي “المليكي”، لقيت أصحابي على غير العادة يضحكون ويصرون على دفع الحساب، ويرددون:
– “الحمد لله على السلامة”.
اليوم من أوله صار مدبراً، وعليّ قراءة الفاتحة وتجهيز مرثاة لكل من يلقاني، شككت في صحة عقلي، قلت معقول كنتُ أنا في كارثة، أحد (شافني) فريسة في فك الموت، استأنفت مازحاً:
– والله (شقرى) عليكم الفاتحة ورثائكم يا أولاد … جاهز.
لم يطل بقائي في دوران الحديث بين الأصحاب، ولم يخطر على بالي التساؤل، أهم عمل كان عندي ويجب أن أقضيه، الثأر لنفسي من القارئ الذي صفعني بعبارته: “رجاءً إنس إيميلي”.
تعبتُ حتى ألزمته بمحاورتي مرة أخرى، وبقيت أتحين الفرصة المناسبة لرد الصفعة، (شليت) بعض أحاديث من الجماعة واختلطت بين ناس يتفرجوا ناس ماتوا، ناس يخزنوا متفجرات، ناس يرتشوا وناس يرشوا، ناس يسرقوا ناس يصفقوا، ناس ينهبوا، ناس يتقودوا، ناس… إلخ.
ظلت مدينة تعز في تلك اللحظة معي كما أعرفها مخازن للمهربات والسلع المغشوشة والأدوية القاتلة، ومخازن للمتفجرات تتعبأ في غابة إسمنت لا تبعد فيها العمارة عن الأخرى إلا بمقدار (زقواق)، مدينة لها شارع واحد ومليون (زغطوط)، بيوت تتراصص في بعضها وتتضارب في أهلها وتدفعهم للتصارع في ما بينهم وفي المطامع والأوبئة والأمراض، وفي التلصص من النوافذ.
مرتشون وقردة وتجار موت، وخراب، قضاء وقدر، مش قضاء قدر هذا قتل متعمد، أين الحكومة، أين القانون.. خرابيط كلام، وانفعالات وبشر تجري من كل مكان.
– تجننت تعز؟
عزيت بها مع خروجي من مقهى الإنترنت مقهوراً في خط عريض وأحمر:
– رجاءً إنس إيميلي.
– والله أننا ناسي إيميلك.. مش إيميلك بس، أنا ناسي أننا هلني، بس إيش نسوي للذباب لما يحوم في وجوهنا.
***
“الحمد لله على السلامة”
وقف صاحب سيارة من الأصدقاء أمامي، ورنت في تلك الساعة رسالة التنبيه المعتادة:
– “استخدامك السيئ لخدمة الطوارئ (199) يعرضك للمساءلة القانونية”.
– ما لها المدينة انقلبت عاليها سافلها، وصاحب المساءلة القانونية يطلع كل يوم بناس “يعينوا وين شلقوا يأكلوا”… وهذا التلفون لا هم له غير نقل بشارات الموت والدمار والضحك على الصبايا وصور العري لهذا الزمن التي تأتي كالانفجار من حيث تعلم ولا تعلم، مكروهة مثل رسالة (199) التي صادف استخدامي لها قبح متخصص للشتائم بلا سبب.
ناس من كل حدب وصوب يتوجهون ويتزاحمون بين ممرات عمائر ليس فيها نفس لهواء نظيف ولا طريق يتسع لأكثر من شخصين من أهل البلاد ونصف (نفر) من أهل بقية الملل والنحل الأخرى (الشباعي) والتلفون يرن.
– نسيني الموت ممكن، نسيتني الكارثة ممكن، أما هؤلاء الأصحاب لن ينسوا الثأر لقراءتي الفاتحة على أرواحهم في كل لقاء بهم.. اليوم دفعة واحدة جاؤوا مع الدبور ليأخذوا حقوقهم، كان أجدر بهم ينتظروا لما أكون (فاضي)، ألا يعرفوا أنني في هذا اليوم بالذات مشغول بأمر هام، مثلي مثل انشغال البلاد بربط الأحزمة والكلام عن الثورة والجمهورية والوحدة والثوابت والنظام والقانون والحوثيين والانفصاليين والانهزاميين وأعداء الوطن والحاقدين على العصيد.
***
والله ما أنسى إيميلك إلا لما تأتي العبارة من عندي، أقولها وأمشي أفكر وأخترع قصصاً وأزيف حكايات وأهوالاً، إلى أن وصلت جوار رجل مرور كل همه من صبح الله لآخر الليل إسماع سائقي الفيران (الأجرة) صوته الداعي إلى إصلاح الأحزمة.
– صلحوا البلاد وبعدين صلحوا الأحزمة. صرخت في وجهه، وواصلت التفكير في إصلاح البلاد والتخطيط لهدم مدينة تعز وبنائها من جديد وعمل شوارع واسعة تنهي الأزقة والزغاطيط والملاصقة ومشاكل النوافذ، على أن يبدأ العمل في ذلك بعد أن يرجع صاحبي بالرضا أو الصميل للحوار في إيميلي، وأكتب له بالخط الأحمر: رجاءً إنس إيميلي.
***
ناس يتفرجوا.. ناس ماتوا..، أيش يعني، أيش الجديد.. هذه طبيعة الحياة وطينة البلاد، رددت على عبدالرحمن الذي كان يحمد الله على سلامتي ويهلل ويكبر ويضحك ويهرج:
– مكانك.. تعمل على تنمية الصعلكة.
– عندك شيء آخر ننميه، شفت بشائر عقول أو وطن، شفت عاقل يسمح بتخزين المتفجرات في أكبر زحام سكاني.
وبعدين أنت أيش دخلك بتنمية الصعلكة، خلينا ننمي إن شاء الله أم الجن، الناس كل يوم تموت، والناس كل يوم تتفرج، سواء نسفت مساكنهم المتفجرات أو وقعوا ضحية تاجر خسيس لأدوية مغشوشة أو مهرب حقير لسلع منتهية الصلاحية، الحياة تاجر ومهرب ومرتش وراش وضحية، وأوثان وعصابات، عاجبك أو اضرب رأسك في أقرب جدار.
***
انتبهت أخيراً أن وراء الصوت الذي أيقظني منازل مهدمة وجثثاً تنتشل من تحت الأنقاض، جعلت مدينة تعز عن بكرة أبيها تزور حينا للفرجة والتسلي بالأحاديث والأسئلة والشفقة على الأحياء والأموات.. فيما ظلت معي هذه الأمة مهشمة لم يرها الصديق العزيز عز الدين الصلوي أو (المتقاطعة + تمرية) -كما أسميه- سأل: أين كنت وقت الانفجار؟ في البلكونة، ماذا عملت: أخذت فرشي إلى الغرفة.. بكل بساطة.. في حاجة حصلت.. نويت أنا أرجع أعينكم من طريق صنعاء وأنت ببساطة تدخل الغرفة.. أيش دخلي يا عزي يا متقاطعة (خلي لي حالي).. ترجع إن شاء الله من عند أم الصبيان، أيش لي من دخل.. وببساطة ودعته يعد الدعاوى لمحاكمتي، ودأبت في طريقي إلى مكتب الجريدة بخيبة العودة إلى صاحبي.
***
قرب المكتب سألت نفسي في حيرة: من أين أجلب قوة للمداحشة بين هذه الغربان؟ لم يعد لي في هذه المتنزهات ما أفعله.. هزمني الهشيم المبعثر في المدى، مزق آخر وريد لي، ثم قذف بي إلى سلة المهملات والتفاهة..
رفعت سلاماً في عظمة الزميل “العمقي” الذي كان ضمن قلة من الغارقين في الجثث والحطام، وكفاني شر رؤية المباني والموتى والمتفرجين، وضربت تعظيم سلام في جمال القارئ العزيز وفي صوته الذي مضى شامخاً: ليس هناك قيمة للواقف بين المتفرجين على الدمار والحطام، وعض أصابع الندم والغوص في الدموع.
[email protected]