البيئة بين الفقر والغنى..!

البيئة بين الفقر والغنى..!

أفراح علي أبو غانم
هل يرتبط الفقر في الوقت الحالي ارتباطا وثيقا بتدهور البيئة في المناطق الفقيرة..؟ لماذا..؟
لنعد أولاً إلى المناطق الفقيرة والحياة فيها… حياة صعبة تتطلب العمل الكثير والجهد الكبير للحصول على القليل. هذا القليل الذي يتم الحصول عليه بالكاد يكفي للمعيشة فترة وجيزة، فمتوسط العمر لا يتعدى الأربعين أو الخامسة والأربعين ليموت بعدها الإنسان بعد حياة قاسية عاشها.. ترى خلال هذه الحياة التي عاشها هل ينصب اهتمامه على الحياة أم على الحفاظ على البيئة حوله..؟
بالتأكيد على الحياة بكل الطرق الممكنة وكل المتوفر، فمتى توفر الماء حتى وإن كان ملوثا لا يهم المهم هو الحصول عليه، ومتى ما توفر الوقود للتدفئة أو من أجل الطعام لا يهم إن كان أخشابا أو غازا، المهم هو الحصول على الوقود.. حتى الغذاء لا يهم إن كان ملوثا أو مسموما أو حتى محورا، المهم هو الحصول عليه.. وحتى النظافة العامة ما عادت مهمة، المهم هو اللحاق بلقمة العيش المرة التي يعيش الإنسان الفقير ويموت وهو يجري وراءها، وعندما نأتي لنقول له: عليك بالمياه النظيفة الصالحة للشرب وترك الملوثة.. عليك بعدم تقطيع الأشجار من أجل الحصول على الأخشاب، وحافظ على الأرض خضراء وإن افترشت العراء.. عليك بتفادي المواد الغذائية الملوثة أو المنتهية الصلاحية أو المسمومة بالمبيدات وغيرها.. عليك أن تحافظ على النظافة العامة والمناطق الخضراء التي لم تشارك في تلويثها بما تملك بل بما يملكه غيرك.. عليك.. وعليك.. وعليك..
واجبات نعم هي عليه كما هي على غيره.. لكن مع النصح والإرشادات والتذكير بالواجبات، ننسى أن نوفر له البدائل والسبل ليأخذ حقه فيعطي واجباته.. فالمياه الملوثة يحصل عليها بشق الأنفس، ولو وجد مياها نظيفة لما قال (لا) بالتأكيد.. وإن وجد الغاز يصله بسهولة بدلا من الأخشاب بأسعار تناسبه لما اعترض، وإن وجد الغذاء السليم والتعليم الجيد له ولأبنائه لما رفض الحياة الكريمة…
إذن، علينا أن نوفر حياة أفضل للإنسان ليعي كيف يحافظ على بيئته، ثم نحاسبه إن قصر.. ومن عليه توفير الحياة الأفضل؟ إنها الحكومات بالطبع. الحكومات وجدت لتعمل من أجل رفاهية الشعوب، وليس من أجل أن تكد الشعوب لرفاهية أعضاء الحكومات.. عندما يعمل الجميع من أجل مصلحة واحدة تعم الفائدة على الجميع ويعود الخير على الكل..
وثانياً: لنأتِ لارتباط الغنى الاقتصادي بتدهور البيئة أيضاً..
قد يقول البعض إن كان الفقر يدمر البيئة والغنى يدمرها.. فأين الحل؟
الحل هو في التوسط.. هو في التعقل.. فالغنى الاقتصادي الذي سعت له الدول الأولى ولا زالت تسعى له قد دمر البيئة بشكل كبير جدا فيها.. قد توجد لديهم المياه النظيفة والغذاء السليم والبيئة الجميلة النظيفة في المدن.. لكن مناطقهم الطبيعية تدهورت إلى حد بعيد.. إلى حد أن الكثير من الجيل الجديد من أبنائهم لا يعرفون أغلب النباتات الطبيعية والحيوانات إلا عن طريق الصور.. لا يعرفون معنى الحياة الطبيعية إلا في بعض الغابات المتبقية التي يحاولون الحفاظ عليها.. حتى هذه التي يحاولون الحفاظ عليها بجعلها محميات طبيعية ومتنزهات، دخلها الإنسان للاستمتاع فيها، وتسبب بأضرار كبيرة منها الحرائق، ومنها القتل العشوائي للحيوانات التي تهاجمهم أو تهاجم مصالحهم..
كذلك المصانع التي تنفث غازات مسمومة في الهواء، فتتسبب بموت النبات وجفاف الأرض نتيجة للتغير المناخي، وهذا يؤدي إلى موت أنواع كثيرة من الحيوانات التي تتغذى على النبات، وموت أنواع أخرى تتغذى على هذه الأنواع، أو تقوم بمهاجمة الناس فتُقتل لأنها خطيرة ومجرمة، والإجرام في الأصل لغيرها.
تعاني الدول الصناعية من تدهور بيئي كبير لعدم التعقل في التصنيع، وعدم التعقل في التوسع الحضري.. ولهذا فهي تحاول من خلال المنظمات البيئية دعم المتبقي من جمال البيئة والطبيعة الحقيقية في بعض البلدان النامية، ولكن هذا الدعم مادي بلا روح، فهو عبارة عن مادة وإرشادات مع استمرار نفث السم في الهواء وصبه في مياه البحار والمحيطات، ودسه في جزر نائية، لكنها ليست ميتة، يكون فيها حياة تُقتل بالتدريج بدفن السموم في باطنها.
ماذا إذن أيها الإنسان..؟! لا القليل أقنعك ولا الكثير أشبعك..!
التوسط والتعقل هو الحل الأمثل لكل مشاكلنا الحياتية والبيئية.. لكن هل ندرك ذلك..؟ هل ندرك أن محاربة الفقر ومحاربة الجشع هي الحل الأمثل لحياة أفضل على كوكب الأرض..؟ لا أدري متى ندرك ذلك.. لكني أجزم أنه لا يزال في هذا العالم عقلاء وعلماء يحاولون عمل الكثير، وإن كنا لا نزال نقيدهم إما لتخلفنا وإما لجشعنا، فسيأتي يوم ندرك أهمية ما فقدناه وضرورة الحفاظ على ما تبقى.

                                              الهيئة العامة لحماية البيئة

[email protected]