أصدقاء الأمس.. أعداء اليوم

أصدقاء الأمس.. أعداء اليوم

الواقع اليمني يعيد استنساخ التاريخ الصومالي بشكل دائري ممل
عبدالفتاح حيدرة
لو كانت الأمور تحسب بالأماني لأملنا نجاح فعاليات ملتقى التشاور الوطني ومشروع رؤية الإنقاذ الوطني الداعية له اللجنة التحضيرية للحوار الوطني بزعامة الشيخ ورجل الأعمال والبرلماني حميد الأحمر.
ولأملنا أيضاً صدق الدعوة الرئاسية للحوار تحت قبة مجلس الشورى من قبل الحزب الحاكم، وذلك قبل استفحال الأمور في الجمهورية اليمنية (شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً).
لكن المقدمات المجهزة لإفشال (الحوار) من قبل السلطة والمعارضة والأجندة الدولية، تشير إلى النتائج غير المبشرة بالخير.
لقد أرجئ الحوار في اليمن لمراتٍ عديدة بسبب ضعف المشاركة وعدم الإيمان به لدى المعارضة والسلطة معاً، ناهيكم عن رحى الحرب في صعدة والقتل العمد لأبناء المحافظات الجنوبية أثناء نضالهم السلمي، وخطف وحبس للصحفيين وكتاب الرأي، وإعلان تواجد القاعدة في “أبين”!
إن هذه الرؤى ودعوات الحوار ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها مؤتمرات وندوات ومناقشات، بيد أن كل هذا لم يسفر عن تحقيق الأهداف المرجوة من التوصيات والنتائج، فأي هدف أسمى في الواقع اليمني من إعادة بناء الدولة ولم شمل المواطنين (شمالاً وجنوباً) الذين باتوا في الداخل تحت رحمة (شبح المجاعة) والفقر والمرض والاقتتال والانفصال والتشرذم، وفي الخارج تحت وطأة برودة وحرارة العمالة الاقتصادية غير المؤهلة، وبالتالي (العاطلة) أو اللجوء للعمالات الأخرى من إرهاب وخيانات تديرها أجندة دول أخرى أو جماعات أخرى.
ليس من قبيل التشاؤم القول إن احتمال الدعوات للحوار الوطني مشكوك فيها لأنها مجرد استنساخ فاشل لتجارب دعوات سابقة، فليس المحك بالقدرة على تجميع أكبر عدد من المشاركين السياسيين والقبليين لمجرد تحقيق نصر إعلامي وخلق بريق كاذب، بل العبرة هي بالقدرة على العمل بروح المصالحة الوطنية الحقيقية من أجل استرداد وطن، واستعادة هوية الوحدة، ورتق فتق أرض وشعب ينادي الكثير لتشرذمها وتقطيعها وتقسيمها
إن ما يحدث في صعدة شمال شمال اليمن، وما يجري وجرى في بعض المحافظات الجنوبية وسط تجاهل عالمي ونفاق وتدخلات إقليمية سافرة وأيادٍ خفية من وراء البحار ومن أمامها تعبث لتحقيق أجندة مدعاة على الأراضي اليمنية.. كل هذا يشير إلى أن الواقع اليمني، ومنذ 16 عاماً، أي منذ حرب صيف 94، يدور في الحلقة المفرغة نفسها (مؤتمرات محلية ودولية، رؤى، ندوات نقاشات، انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية). وكل هذا يحدث في ظل عدم قبول آخرين لشركاء العمل السياسي (اتهامات، انشقاقات، تقوية طرف على طرف آخر، اندلاع حروب، استعانة محلية قبلية وعسكرية وسياسية من طرف على طرف)، ولكن الجريمة الأكبر هي الاستعانة بالأجنبي سواء كان الأمر مباشراً أو غير مباشر، لتبدأ الفوضى برعاية عالمية.
وهكذا تتكرر الحلقات المفرغة في السلسلة العبثية من دون نهاية، حتى أصبح التاريخ الصومالي يعيد استنساخ تجاربه على الواقع اليمني بشكل دائري ممل، وكل هذا لم يأتِ من فراغ، بل إن هناك عوامل وأحداثاً خلقت نتائج ساعدت بإيجاد هذا التقارب في الوصول لحالة الفوضى التي يعيشها اليمن حالياً. وبعض هذه الأحداث والنتائج ساعدت مبتكري “الميثاق” في تحقيق عدد من الانتصارات السياسية في حينه، حتى وصلت الأمور إلى حالة التعقيد في الوقت الحاضر، ونحن ببدايات العام 2010.
وبسبب عدم الاكتراث صنعت تبعات ونتائج الأحداث من اليمن اليوم مرتعاً للإرهاب وبيئة للفقر وأرضية للصراعات ومناخاً للتدخلات، ونتائج تبعاتها أكبر إذا لم يتم معالجتها حالاً.
ومن الأحداث المؤتمرية التي صنعت الواقع اليمني الحالي وبصورته المرعبة التي نعيشها هذه الأيام:
1 – في نهاية السبعينيات ظهرت حركة مناهضة للنظام في الشمال آنذاك في الوسط الجغرافي من اليمن، سميت بـ«الجبهة» مدعومة سياسياً وعسكرياً من قبل نظام «لا صوت يعلو فوق صوت الحزب» الحاكم للجنوب آنذاك، ولمواجهة الحركة استعان النظام الحاكم في الشمال بحاملي مفتاح الجنة وحجرة كربلاء القادمين من أجزاء مترابطة ما بين محافظتي عمران وصعدة، يقودها تحالف قبلي بلباس عسكري مذهبي، وتحت راية التعصب للقبلية عُين الشيخ صادق بن عبدالله بن حسين الأحمر، قائداً عسكرياً ميدانياً في حروب المناطق الوسطى لضمان مساندة القبائل في حرب الحكومة ضد «الجبهة» بتوجيه معنوي وتحفيز قبلي على أن (الجبهة) هي حركة غير إسلامية وملحدة ماركسية وشيوعية قادمة لاحتلال اليمن وتغيير دينه وملته ومذهبه.
إلا أن الحكومة لم تستطع أن تحسم أمر المناطق الوسطى حسماً عسكرياً، وحُلت قضية (الجبهة) حلاً سياسياً بعد مفاوضات وحوار، وتم توقيع اتفاقية بإيقاف الحرب عام 1982، وهكذا تم خلق تحالف قبلي آنذاك لمواجهة أي تحرك مضاد من الجنوب (الماركسي) لوقف زحفه على النظام في الشمال، بالإضافة إلى تواجد قبلي قوي يؤمن الحدود مع المملكة العربية السعودية.
2 – جاءت الوحدة اليمنية المباركة عام 1990 باتفاق شريطة نظام التعددية السياسية لنظام الوحدة بين نظامين جمهوريين كانا يحكمان الشطرين بنظام الحزب الواحد. ونتيجة لوجود نظام التعددية خرج من رحم الحزب الحاكم آنذاك (المؤتمر الشعبي العام) حزب وتيار سياسي ديني، ضم حلفاء وأصدقاء الأمس لمواجهة عدو (الدين) الذين أصبحوا شركاء الوحدة (الحزب الاشتراكي اليمني)، وسُمي هذا الحزب والتيار «التجمع اليمني للإصلاح»، تم استغلال وفائه القبلي من قبل الحزب الحاكم في مقارعة الحزب الاشتراكي شريكه في الوحدة من منطلق العقيدة القديمة التي أوجدت التوافق والاتفاق للانتقام من «المخربين والملحدين الماركسيين والشيوعيين».
نتج عن ذلك حرب صيف 1994 التي انتصرت فيها «الشرعية» المتحالفة قبلياً ومذهبياً وسياسياً على (الملحدين).
ونتيجة لهذا النصر المزعوم لحلفاء الأمس للدين والملة والمذهب وللقبيلة أعطى لهم الحق بالإيمان التام بوجوب المناصفة مع الحزب الحاكم في غنيمة الحرب المحددة باتفاق مع الحزب الحاكم بالمنطقة المهزومة وهي المنطقة الجنوبية كلها (أرضاً وشعباً)، وهكذا تخلص الحزب الحاكم من عقدة المشاركة في الحكم والدولة من قبل الاشتراكيين، وتبقى أمامه الإخوة الإسلاميين الذين تبنوا شرف القتال ضد (الملحدين).
3 – للاستفراد في حكم اليمن شمالاً وجنوباً قرر صناع «الميثاق» وجوب التخلص من الإسلاميين (حلفاء الأمس) بعد أن تخلصوا من شركاء الوحدة، ساعدهم في ذلك التفكير بروز وظهور تهمة الإرهاب والتصاقها بالإسلاميين عالمياً، وظهور تنظيم القاعدة.
لجأ النظام لخلق صور براقة له أمام العالم وأمريكا بتبنيه محاربة الإرهاب أو المساعدة في ذلك، فبدأ بفصل تيار شمال الشمال (صعدة) مذهبياً عن حلفائه (قبلياً) في عمران رداً لجميل حربهم ومساندتهم في القضاء على (الملحدين الشيوعيين)، وأيضاً لخلق شق قبلي في المنطقة نتيجة تفعيل الدور المذهبي (الشيعي). تطور رد الجميل، أي تلبية مطالبهم أخطرها ابتعاث ما يقارب 10 آلاف طالب عن طريق توفير منح دراسية غير مباشرة إلى “إيران” عن طريق “سوريا”، تلقى خلالها أصدقاء الأمس التعليم العالي الاثنى عشري وتدريبات الحرس الثوري الإيراني، وافتتاح المدارس والمعاهد الدينية الشيعية في منطقة الصراع قبل ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية.
امتد التحالف الديني إلى التكييف السياسي بعد أن أنشئ تكتل أحزاب اللقاء المشترك الذي ضم أعداء الأمس ليصبحوا أصدقاء اليوم بوجه اللاعب الأكبر (الحزب الحاكم) الذي لجأ للتحالفات العالمية والإقليمية، التي كسبها بجدارة لإضعاف المعارضة أعداء وأصدقاء أمس واليوم.
نتج عن كل هذا خلق ملاذات آمنة للتنظيمات الإرهابية وتنظيم القاعدة (خاصة) وبروز الولاءات المذهبية لإيران وحزب الله، وتغيير شعار «الموت للملحدين» إلى «الموت لأمريكا وإسرائيل»، وظهور عمالة الخارج ضد نظام صنعاء، فأصبحت اليمن، ونتيجة التكييف الديني والقبلي للصالح السياسي، تعيش حالة (فوضى) كبيرة تهدد كيان وهوية الوحدة اليمنية ككل.
إن كل هذه الوقائع والأحداث ونتائجها الوخيمة استنسخت نفسها من التاريخ الصومالي الذي بدأ بحركة ثورية انتهت بحرب أهلية بسبب رفض علي مهدي التنازل عن الرئاسة لمحمد عبدالله المنتخب بعد سقوط نظام الرئيس الصومالي سياد بري عام 1991.
وأثناء هذه الحرب استطاع عيديد الحصول على مساندة 6 قبائل رئيسية في الصومال تناحرت وتقاتلت حتى اضطرت المنظومة الدولية نفسها للدخول تحت ما أسمته “جمع الفوضى في الصومال ونزح السلاح”. بعدها دخل الصوماليون عام 1994 بعقود مصالحة أطاحت بعيديد وظهور (حليفه) القبلي عثمان عطو في بيدوا، تلى ذلك خروج أمراء الحرب بدويلات حروب صغرى في الجنوب والوسط، وبروز النزعات الانفصالية.
ورغم جهود اليمن في وسائط المصالحة، إلا أن الاقتتال ما زال قائماً حتى جاء مؤتمر جيبوتي وانتخاب رئيس حكومة وبرلمان مؤقت. لم يعجب ذلك أمراء الحروب وحلفاء الأمس الذين لجؤوا إلى إثيوبيا. تمخض عن التواجد الإثيوبي مؤتمر كينيا الذي بدوره خلق المحاكم الإسلامية، التي تحاول بدء مشوار بناء الدولة، ولكن للأسف بعد فوات الأوان، وبعد تعزيز الإيمان بنرجسيات “أنا الأفضل في الحكم والحق لي في هذا البلد”.
خلاصة كل ذلك أن ظروف التحالفات القبلية والدينية ومزجها أو تكييفها للاستخدام السياسي هو الأمر الذي أخرج أمراء الحروب ودعاة الانفصال وأصحاب المصالح الشخصية لجر اليمن إلى مشكلة ستتعمق أكثر من أحداث في بعض المحافظات الجنوبية وتتفاقم أكبر من حروب صعدة، وتتسع أعظم لدعاة الانفصال والتشرذم.
إن خلق هذه الظروف لمثل هكذا تحالفات ستحول اليمن سريعاً إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية بعد أفغانستان والعراق والصومال.
إن كل أصحاب المصالح ودعاة الانفصال وأمراء الحروب قصيرو النظر لا تعدو رؤيتهم للأمور أكثر من مهوى أنوفهم، فجميعهم ليس لديهم أجندة سياسية أو مشروع وطني، بل يحكمهم مزاج شخصي متقلب يوضح استعدادهم لفعل أي شيء من أجل استدامة سيطرتهم وبقائهم، وفي الوقت نفسه غير مستعدين للدفاع عن اليمن ووحدته وأهله وشعبه لأنهم ليسوا إضافة لليمن الموحد يعتد بها، بل إنهم عبء عليه، لأنهم وببساطة إما أصحاب مصالح شخصية وضيقة أعلوا النعرة القبلية والمناطقية وتماهوا بها تغزلا لنهب حقوق الناس، أو انفصاليون سبق أن رفضوا الوحدة بعد أن حاربوا باسم شرعيتها، وعندما انقلب بهم الحال يريدون إمضاء وضع رفضوه أصلاً، أو تجار وأمراء حروب لم يبدر منهم أي استعداد للتنازل عن مصالحهم الشخصية ومكاسبهم المادية من أجل المصلحة الوطنية الأكبر والأعظم والأوسع.
جميع هؤلاء سرقوا المال العام ونهبوا ممتلكات الوطن (شمالاً وجنوباً)، ووضعوا اليد على كل شيء، وأباحوا للشركات الأجنبية نهب الموارد الطبيعية للبلاد مقابل المال والسلاح والسلطة، وانتهكوا حقوق الإنسان، وداسوا على حرية الرأي والتعبير بأقدامهم، والآن يطالبون بحوار لم يعد قطاره في محطة البداية رغم استعداد هذا القطار أن يحمل الكل منذ عام 1990، ولكنهم يصرون على عدم تحريك هذا القطار بدونهم، ويريدون الآن، ومرة بعد أخرى، أن يكونوا هم الركاب الوحيدين دون مبالاة ولا احترام أو تقدير للآخرين.. لماذا؟ لماذا يصرون على أن تكون وجهة المرحلة الراهنة لليمن الموحد، وفي ظروفه الصعبة هذه، إلى محطة نهائية ليس لها مسار حديدي يوصل إليها..؟ إلا إذا كانت هذه المرحلة عبثية ولمجرد الترفيه والترويج وإقناع العالم ودول الجوار أن القطار يتحرك من أجل الاستفادة الشخصية لشللية معينة!
لذلك، ولتفادي الواقع والتاريخ المرير لأشقائنا في الصومال والعراق وأفغانستان، لابد على كل اليمنيين التحرك الوطني السريع بعيداً عن حسابات القبيلة وولاءاتها المناطقية والأسرية، والقرب من التمسك بهوية الوحدة ومضمونها ودلالتها من أجل إيجاد مدخل للمصالحة الوطنية الحقيقية، وليس الانتظار والاستماع لمشاريع حوارات ورؤى سياسية حبيسة الأدراج أكثر منها عملية.
إن اليمن يا سادة بحاجة إلى مصالحة وطنية يلزمها حوار تراضٍ بين خصوم متساوين، من دون شروط أو استعلاء وتكبر وأفضلية، من دون تدخل إقليمي أو استقواء بالأجنبي، ومن دون تهميش أو إقصاء لأحد على أساس ديني أو عرقي أو مناطقي أو مذهبي أو سياسي أو ثقافي.
نحن بحاجة إلى مصالحة وطنية لإقامة دولة بدأ الصفر يدق على ناقوس الخطر في ملامح تواجدها بالمنطقة.
نحن بحاجة إلى اعتراف بالذنب لإيجاد حوار يقيم دولة عمادها وأساسها عقد سياسي واجتماعي جديد تتبناه حكومة انتقالية يديرها (تكنوقراط) من أجل النقاهة من أمراض الحروب والنهب والقتل واستباحة كل شيء، ولإعادة بناء وتأهيل مؤسسات الدولة على أساس وطني يلم الشمل عن طريق استعادة الكوادر لتطبيق أجندة وطنية خالصة تهيئ اليمن من خلال ثرواتها البشرية والطبيعية لدولة لا تطلب بذلة استجداء معونات دول الاقتصاد والنفط، لدولة توفر الخدمات العامة للمواطنين على حد سواء من أجل أن يحافظ عليها بدمه وماله وروحه.
أما غير ذلك فإن التاريخ الصومالي الذي نتمنى له كل التوفيق في سعيه للمصالحة الوطنية، سيكون واقعاً يمنياً تقوده الفوضى والتجارب العبثية والفاشلة، وحلقات الاستنساخ الجهنمية بالعرقنة والأفغنة والصوملة من أجل عيون أجندة عالمية حاقدة وحاسدة أو مهتمة ومتيقظة ومتنبهة لموقع هذا البلد اليمني الموحد الغني بتعدد ثقافاته وأصالته ومناخه وطبيعته وثرواته.. وفوق كل هذا صبر وطيبة شعبه، وتاريخه العريق والمشرف في كل ما يؤمن به أو سعى لتحقيقه مقدماً الإنجازات والشواهد المعاصرة للعالم منذ الأزل حتى يومنا هذا.
[email protected]