أشتات قصص

أشتات قصص

*عبدالباسط عبدالله مقبل
يعضُّ بعضه على الكلمات، ويعير بعضه للكآبة، وبعضه يغيب في أهواء الكتابة، وفي بعضه يكتفي بالبحث عن ذكرياته الضائعة، أما ما يتبقى منه فيجالس به الليل على ظلال الجدران يتحدث معه عن بكاء الأشجان وظهور هدى في ضوء النافذة.
في الانتظار (يتحزي) الرجل أغنيات المطر ويتطلع بشغف إلى مساقط الحياة بين أفخاذ الصبايا أملاً ببث النشوات فيه وفيها.
يقوده تطلعه إلى مماشي معاشر الممتنات بأثدائهن، وفي تطواف توتره ينتهل قواه حتى تثمل روحه بالسأم والزهق والاحتقار لرخص أسعار الجسد في أسواق هذه الأيام، ولكي ينسى ذلك يدور في البحث عن حياء النساء وعن ضحكاتهن الهادئة في الطرقات العامة.
***
يعضُّ الرجل على الكلمات عند المرور على المُلقى منها في الطرقات كسلعة بائرة، أو حين يُنزع عنها طلباً لنزوله إلى الأسواق وقت اكتظاظها بالزبائن ومختلف أصناف البشر ليسأل: ما إذا كان أحد قد قدم من قريته، وما إذا كان قبر أمه باقياً على حاله، وهل سيظل كذلك حتى يتمكن من زيارته في السنة القادمة، وما إذا كان أحد قد أرسل له بعض الوقت للقرية، أو -على الأقل– بعث له بدليل للأمكنة التي توزع المفاتيح للواقفين على الأبواب كباعة وتجار شنطة.
***
في الطريق يتبادل الرجل الحديث مع نفسه عن سارقي معاني الكلمات وعن أمجادهم فيها، يصرخ: حتى الكلمات لم يتركوها لنتعزى بها، أرأيت يا صاحبي.. عزاؤنا الوحيد تغنى به أولاد الحرام، وسلبوه منا، لأن الكثير منا كان لا يؤمن بمعاني الكلمات، وفي وقت متأخر للأسف عرفنا أنهم كانوا يتاجرون بنا.
***
في أسى بالغ يقف الرجل مندهشاً أمام باعة الكلمات والحروف وعروض بضائعهم لمجد الزائفين، يراهم يتدافعون في أهواء قوادٍ على أرصفة المتمجد بالدم.. فيتشاغب مع الضجر والأسئلة والكلمات التي صحبت معه أثناء المرور على عمره المُلقى تعباً في طرقات العثور على قرص خبز.
***
أثناء التجوال في منازل الله، يسأل الرجل من يصادف أمامه: هل معه مفاتيح الجنة، ورصيد أيامه المنتهية لها، أو على الأقل يدله على من يحتفظ بها لوقت الحاجة. ها هو الوقت قد حان لاستخدامها الآن للدخول إلى البلاد المرصوصة بكواكب النجوم وأجساد الحور العين.
***
يتشاغب الرجل مع نفسه، ويشغب في تجمعات محاضن مهبات العواصف، صارخاً لها ألا تتركه وحده على الأرصفة مع الأسئلة والجوع والملل.
***
لا يعرف الرجل نفسه وقت اندماجه في أوقات الاستعداد للقراءة، أو حين يحث خطاه إلى عذوبة الوقت، وأبواب الكلام ومطالع مباني الكلمات.. لكنه يظل يتساءل بمرارة:
ماذا تبقى من أولئك الواقفين على عتبات الأبواب التي كان يخرج منها الكلام خبزاً للفقراء وأرغفة ساخنة لأبناء السبيل والمسافرين. وهل هناك بعض من أحلامهم، أو أحد تبقى منهم، وهل هناك أحد مثله يجوب مساحات العثور على قرص خبز وقليل من نشوات الاحتراق في دخان السجائر والمشروبات المصاغة للألم.
***
وقت اكتظاظ الأسواق بأصناف البشر، يفتش الرجل عن أماكن أبواب الرياح.. يتطوع للكلام ويبني تنهداته خياماً للهالكين في آلامهم.. ويصير بيوتاً للأتقياء، يطبع الله والمطر في ظله ويعير نفسه للمبيت ليلة أو ليلتين تحت سقف ساكني البرد والأرصفة، فيعاشر الريح ويعانق السحاب ويمضي.
***
في افتخار كان الرجل يصفق ويتباهى بجماله:
– ذاك رجل لم يعر نفسه أبداً لمن ليس لها إقامة مسبقة في الكلمات ولا في امتداح ما يُكتَب من الأغاني.
ذاك رجل لا يهب وقته لحس لا يطوف في غير أهوائه، ولا يلقي بالاً على يقظة ضمير لصانع حقير تعوّد على نهب أوقات الناس وسرقة الأموال بالسلع الفاسدة.
ويظل أبداً يلعن الصمت الواقف بمتسوليه على أبواب الإمبراطوريات المشيدة بالسلع الرديئة حتى يكاد أن يقتل في هذه المعمعة، فيلعن التاجر الذي رآه يهز رأسه أسفاً على اختيار القواد للأنثى الضائعة في شهيته على جمال المدينة:
قال له بصوت عالٍ:
– ملعون أبوك -يا ابن الكلب- وأنت تتقلب وسط نار قواد لا يشبع لهفها شيئاً من نهمك.
***
يتبدد الرجل في أحزان الفقراء ويضيع في ملاحقة صوته المتجول في الأسواق لاعناً القواد ورأس التاجر الذي كان يهتز ويتهاوى على أجمل أنثى مما قد وضع له على المائدة، أنثى لم ترها العين من قبل –كما قال- في ابتسامة حقيرة.
– (عَيِّن) يقول التاجر للقواد: من اللواتي حبلت بهن المدينة وتباهت بجمالهن.. هكذا يطلب ابن الحرام ويتلذذ.
***
رجل مضى بعضه للكلام وأعار بعضه لوجع الكلام ونسي نفسه في أحلام الكلام، ونسي أن الكثير منه انتهى في الحديث عن الأسعار التي كان يقبضها باعة الحروف في مقاهي التجارة المغشوشة.
يجلد الرجل الوقت الذي جاؤوا له فيه بالثمن، ويذكر أنه ضحك وبكى في آن واحد، وكثيراً ما يجلس إلى الظلال المنسية في المدن شاكياً لها الأسباب التي جعلت حياته انتظاراً للحصول على قرص خبز.
يشده الندم على العرض الذي ذهب إلى غير رجعة، وتغيظه مقابلة الزائفين، وهم يلقون على سمعه:
– “يستاهل البرد من ضيع دفاه”.
يتسلى بالضحك ويهتف:
– ذاك رجل لا يعير نفسه للبيع بثمن بخس ولا يُعرض في المزاد.
***
ينتظر الرجل حين تقفل المدينة أبوابها وتعلن للصمت أن يحتفل بأنفاس الشوارع والطرقات وما خلف العابرون وما دار من أحاديث للرجال والنساء في أجواء الساحات المخفية، وفي حيز مظلم يجلس يكتب ويمزق أحلام الأسواق والمتسوقين.. وما يملك من ذكريات الألم وأوجاع البلاد… يبكي ويكتب:
مر على أبواب الراقصين على دماء الضحايا تبول على ضحكاتهم، وبكى في هواجس القتلى وطناً يلتهمه الدمار.. ومثلي سيظل زمناً يرقب رجلاً يخب مسرعاً على جواده ليعيد للبلاد مفقوداتها وللوجوه المرهقة رونقها وللمهانة في موانئ السفر والتراحيل شيئاً من كرامتها. أنا وأمثالي –قال الرجل– ننتظر الوقت الذي تدوس فيه الأحذية أولئك الذين سرقوا الاعتزاز بالانتماء للأرض، وطبعوا التسول عنواناً لوجوهنا.