الإعلام اليمني وحجب المعلومة – عبد الباري طاهر

الإعلام اليمني وحجب المعلومة – عبد الباري طاهر

حجب المعلومة في اليمن
يعتبر حجب المعلومة سياسة ونهجا عاما في الحياة الإعلامية اليمنية. فالدولة اليمنية “العالمثالثية” تعتبر القرارات الإدارية العادية سرا من الأسرار، وتعتبر نشرها أو وصولها إلى الآخر المعارض أو حتى الصحيفة الأهلية المستقلة محظورا وجريمة تستحق العقاب.
حوكم العديد من الصحف الأهلية المستقلة: “الشعر”، “الوحدوي”، “الأيام”، “الشارع”، “الوسط”، “الثوري”، و”النداء”؛ بتهم نشر أسرار تضر بأمن الدولة والوطن. وهناك أحكام عديدة صدرت بحق صحف وصحفيين.
ولعل آخر وأخطر هذه التهم تلك الموجهة ضد صحيفة “الشارع”، والتي يحاكم فيها الصحفيون: نايف حسان رئيس التحرير، نبيل سبيع مدير التحرير، ومحمود طه؛ لتغطية الحرب في صعدة. والتهمة التي يحاكمون عليها: نشر أسرار عسكرية، عقوبتها تصل حد الإعدام. وتجري المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة.
يحتكر الإعلام اليمني الرسمي محطتين فضائيتين، وثلاث محطات أرضية (تلفزيونية)، وعدد من الصحف اليومية، وما يقرب من ثماني عشرة إذاعة محلية تغطي غالبية محافظات الجمهورية، وهناك وكالة أنباء وحيدة (وكالة سبأ للأنباء) تتلقى وتوزع الخبر “الرسمي” على الإعلام، ولا تنشر أو ينشر فيها أو عنها الخبر إن لم يكن رسميا، أي صادرا من جهة حكومية ويشارك فيه شخصية مهمة، وزير مثلا.
لا يذاع الخبر ولا ينشر إن لم يكن رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو رئيس مجلس النواب أو الشورى أو أيٌّ من كبار المسؤولين مشاركا فيه.
بث الخبر يقتصر على المؤسسات الإعلامية الرسمية: تلفزيون، إذاعة، صحف حكومية. وهي أجهزة محتكرة للحكم، ومغلقة على الحزب الحاكم. ثانيا: يتخذ الخبر فيها طابعا تراتبيا؛ فخبر الرئيس هو الأول، وقد يمتد لأكثر من نصف ساعة، كما قد يغطي على الأخبار الأخرى. يليه خبر المسؤول الثاني، وهكذا دواليك. فأهمية الخبر لا تنبع من قيمة الخبر ذاته، وإنما من مكانة المسؤول. فهناك حجب عامد للخبر، واحتكار للوكالة وللأجهزة الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة. وهناك تضييق على حق الحصول على الخبر، وحجب للمواقع. وهناك أكثر من تشريع يعاقب على “نشر الخبر”. فهناك أكثر من تشريع يحد من حق الحصول على المعلومة، أبرزها: قانون الصحافة رقم 125 لسنة 90، وهو قانون مفتوح على القوانين العقابية الأخرى. أخطرها: قوانين: العقوبات والمرافعات والإجراءات الجزائية والوثائق والانتخابات. وكل هذه القوانين تتضمن مواد سالبة للحرية، ومانعة للحق في الحصول على المعلومة.
هناك ثلاثة شروط أو معايير لتوفر الحريات الصحفية:
1 – حرية تدفق المعلومات.
2 – عدم سجن الصحفيين.
3 – عدم وجود التصريح لإصدار الصحف، والاكتفاء بالإبلاغ.
كما أن إلغاء وزارة الإعلام وقانون الصحافة بالغ الأهمية.
تنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على: “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.
والدولة مشاركة في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وموقعة على العهود والمواثيق الدولية. وينص دستورها، في المادة السادسة، على: “تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق جامعة الدول العربية، وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة”.
يقتضي الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكييف القوانين الخاصة (الوطنية) مع القانون العالمي.
وسلفا لا بد أن ندرك أن الحديث عن حرية الصحافة في ظل غياب الحق في الحصول على المعلومة جملة لا معنى لها، أو هي لغو؛ فلا حريات للصحافة بدون الحق في الحصول على المعلومة. بل إنه لا يمكن الحديث عن صحافة حقيقية بدون توفر الحق في الحصول على المعلومة، والحق في نشرها والتعاطي معها.
فالصحافة تقوم أساساً على الخبر، وهو خبر موضوعي صادق وأمين. والأهم أن حرية الحصول على المعلومة أمر لا يخص الصحفيين فحسب، بل هو حق أصيل لكل المواطنين. وينبغي، بل يجب أن تكون الوظيفة الأساس لقانون المعلومات هي تسهيل هذه المهمة.

عوائق الحصول على المعلومة
هناك عوائق عديدة تقف أمام الحق في الحصول على المعلومة:
أولاً: غياب تعددية وسائل الإعلام، واحتكار الدولة لهذه الوسائل: الوكالة، التلفزيون، الإذاعات الكاثرة، وصحف يومية.
ثانيا: الفهم الخاطئ والخلط العامد للمقدس بالثقافة الشعبوية: «ولا تجسسوا…» الآية، والنهي الديني عن تتبع عورات الناس، والوعظ الأخلاقي والأدبي: “من راقب الناس مات هماً”. فتعمد الثقافة السائدة إلى مزج هذه المفاهيم الأخلاقية والنبيلة بالوعي القبلي المتخلف، والذي لا يميز بين الشخصية العامة في ممارستها للوظيفة التي تنوب فيها عن الناس وبين الأسرار الشخصية والخصوصية المصانة؛ فهي لا تدرك أن الموظف العام ينوب عن الناس، ومن حقهم مراقبة أدائه لهذه الوظيفة، ومدى التزامه بالنظم والقوانين. وتعمد الدولة إلى توظيف هذه المفاهيم البالية والمتخلفة لتغرسها كوعي زائف في الضمير الجمعي، عبر التعليم وخطاب المسجد والخطاب الإعلامي؛ مما يشكل كابحا نفسيا أمام الصحفي والمتلقي اللذين ينظران إلى التنقيب عن المعلومة كممارسة غير أخلاقية، ومخالفة دينية، ينظر إليها بزراية واحتقار، ويصبح نشرها فضيحة أخلاقية لا ينبغي السكوت عليها.
في المستوى الثاني والأخطر تقوم الدولة، عبر ترزيتها، بصياغة تشريعات مستلهمة من مزج المقدس الديني بالقبلي المتخلف، في صورة قوانين وتشريعات تجرم الحرية وتمنع الحق في الحصول على المعلومة، وتعتبر البحث عنها ونشرها جريمة يعاقب مرتكبها.
يصبح الوعي الشعبوي الزائف، ذو المسحة الأخلاقية، عائقا داخليا للصحفي يمنعه من البحث عن المعلومة، التي قد تعني الكشف عن الفساد والتنقيب عن منابعه ورموزه، وتتبع سوء استخدام السلطة، والممارسات الخاطئة، والرشوة، والعبث بالمال العام، والإهمال، والتسيب، وعدم الالتزام بالنظم والقوانين، وانتهاك حقوق الإنسان، والتعدي على الحريات و… و… الخ.
العائق الثالث: عدم وجود قضاء مستقل كفؤ ونزيه. فالقضاء اليمني جزء لا يتجزأ من السلطة التنفيذية، يرأس اجتماعاته رئيس الجمهورية، وهو من يملك قرارات التعيين والترقية والنقل و… و… الخ. ثم إن خبرة هذا القضاء التقليدي مع الحريات الصحفية ضعيفة، ومعادية أحيانا. فالبيئة التقليدية والقبلية، والتشريعات القامعة، وتدخل الأجهزة القمعية، تجعل من القضاء أداة قمع بامتياز للحريات الصحفية، ومنها حرية الحصول على المعلومة.
لا يقف الأمر هنا عند حدود الجرجرة إلى المحاكم، والاتهامات الكيدية، واتهام الصحفي بالإرهاب (قضية عبدالكريم الخيواني، مثالا)، ولا الأحكام الجائرة بالسجن، ومصادرة الصحيفة، ومنع الصحفي من الكتابة والتقزيم… وقد توقع أكثر من عقوبة في مخالفة رأي واحدة؛ فالقانون رقم 125 لسنة 90 مفتوح على القوانين العقابية الأخرى، ويترك لضمير القاضي حق توقيع عقوبة إضافية.
لا تكتفي الأجهزة بالعقاب عبر القضاء، ولا بالقوانين العقابية الكاثرة، ولا بضمير القاضي غير المستقل؛ فكثيرا ما يتعرض الصحفيون والكتاب للتهديد بالموت والرقابة على مكالماتهم، والتعرض للاختطاف والضرب، وترويع عوائلهم. وفي بلد ينتشر فيها الإرهاب كالسرطان، وتزخر أحداثه بجرائم الثارات والحروب والاختطاف، فإن مساءلات الصحفيين ومحاكماتهم تنافس المساءلين والمحاكمين بتهم الإرهاب، وقد تبزهم أحياناً.
يرصد محام وباحث مهم، هو الأستاذ احمد الوادعي، وقائع مخالفات “المعلومات في قانون الصحافة رقم 125 لسنة 90″، فيجدها تصل إلى ما يزيد على مائة مخالفة متضمنة في مواد القانون، بينما تصل في قانون العقوبات إلى ما يقرب من اثنتين وتسعين مخالفة، تتراوح عقوباتها ما بين سنة وسنتين، وهي مواد منصوص عليها في مواد القوانين. وهناك عقوبات أخرى نحتاج رصدها، في قوانين الإجراءات الجزائية والمرافعات وقانون الوثائق والانتخابات، وكلها تتضمن مواد سالبة للحرية، ومجرمة لنشر المعلومة، بل وحتى مجرد البحث عنها.
وقد تصل العقوبة على نشر المعلومة في بعض القوانين إلى الإعدام (قانون العقوبات).
 في دراسة مائزة تحيي “منظمة المادة 19” قرار إلغاء عقوبة الحبس من قانون الصحافة والمطبوعات. والحقيقة أنه لا يوجد إلغاء لعقوبة الحبس. وعلى العكس، فمنذ تصريح الأخ الرئيس بإلغاء عقوبة الحبس تضاعف حبس الصحفيين، وتزايد إيقاف الصحف والتنكيل بالصحفيين. وتلحظ الدراسة بعض الأحكام، الإيجابية للغاية، في كل من صيغتي الوزارة واللجنة، بما في ذلك ضمانة الحق في “حرية الفكر والمعرفة وممارسة مهنة الصحافة والتعبير والاتصال والوصول إلى المعلومات: المادة 1- 2، أو المادة 3، وتأمين الحفاظ على سرية المصادر: المادة -2-2-2، المادة 14، وضمانة ألا يواجه الصحفيون أية عواقب وخيمة نتيجة لكتاباتهم غير تلك التي نص عليها القانون: المادة 2-2-9، المادة 18”. وتستدرك الدراسة: “ومع الأسف فإن معظم الأحكام في كل من الصيغتين كان الغرض منها بوضوح ممارسة السلطة الناظمة أو المسيطرة على الصحافة. وينص القانون الدولي على أن حرية التعبير ينبغي لها أن تكون القاعدة وأن تكون القيود عليها هي الاستثناء، وهو ما يعبر عنه في الفكر الإسلامي بأن الإباحة هي الأصل والتحريم بحاجة إلى دليلـ”. وترى أن الصيغتين تقلبان هذا المنطق رأسا على عقب، وتمنحان الحكومة تفويضا بالتدخل عمليا في كافة جوانب عمليات قطاع الصحافة المطبوعة. إن الكثير من هذه الأحكام ببساطة غير ضرورية وتمنح السلطات فرصا لكبت الأصوات الناقدة والمستقلة.
وتدعو الدراسة إلى إلغاء قانون الصحافة، وسن قانون يكفل حرية المعلومات؛ لسببين: أولهما أن هذه قضية معقدة، وثانيهما أن هذا الحق ينبغي أن يكون لكل المواطنين، لا للصحفيين فحسب.
أما موضوعا حماية المصادر وحق الرد فلهما أهمية ليس فقط للصحافة، ولكن لقطاع الإعلام عموما. ويمكن لهذه الأحكام أن تكون مشمولة بقانون عام بشأن الإعلام.
وتتناول الدراسة الامتناع عن نشر المعلومات غير الموثوق بصحتها، أو تشويه المعلومات الصحيحة، أو نسبة أقوال أو أفعال إلى شخص أو جهة دون التحقق من صحة نسبتها، بالإضافة إلى أقوال صادرة عن شخص أو جهة دون الرجوع إليها (المواد: 18، 22، و24).
كما تلتزم الصحف بعدم إبراز أخبار الجريمة، وعدم نشر صور المتهمين أو المحكوم عليهم في جرائم الأحداث والدعارة والفسق (المادة 19-1-5).
والحقيقة أن محظورات النشر، الخاصة بالمعلومات، باب واسع بأكثر مما تتوقع الدراسة المنوه بها.
والباب الخاص بالمحظورات مكرس لجانب مهم من قيود المنع. وهناك القيود المفروضة على الأخبار الكاذبة أو أحادية الجانب. ويتخذ القانون، أو بالأحرى القوانين العقابية الكثير من القيم والأخلاق والموضوعية والصدق والشرف والأمانة والنزاهة مقاصل لوأد الحق في الحصول على المعلومة ونشرها.