كتابات في رحيل الصحفي عادل الأعسم

كتابات في رحيل الصحفي عادل الأعسم

 

 

 
   

كن صديقي حيآ او ميتآ
ذلك هو عنوان مرثية كتبها المغفور له بإذن الله تعالى، عادل الأعسم، في صديق طفولته وحياته صالح الصائلي، الذي وافته المنية صباح الأربعاء 28 أغسطس 2002.
وأنا أرثي “عادلـ” لم أجد أصدق من رثائه لصديقه لأرثيه به: “كانت قدراته هائلة، وطموحاته كبيرة، لكن الموت (حق) أكبر من الجميع”. هكذا كتب في مرثيته. وأضاف: “وعسى أن تجد زوجته وبناته الصغار الرعاية والاهتمام المستحق من الوطن ومن جامعة عدن!”.
“أنا ابن محمد ما انطرفشي لحد  إلا المقادير جابتني لبوكم هدية!
لا داعي للاعتذار للشاعر، لأنه قد مات من القهر”. تلك كلمات تزينت بها الصفحة الثانية التي ارتدت اللون الأسود من صحيفة “الفرسان” ذات يوم. وها هو فارسها وفارس القلم الشجاع، عادل الأعسم، يترجل عن جواده، ويغادرنا وفي قلبه شيء من القهر نتاج للزمن الرديء الذي تغير فيه كثير من القيم وضاعت الحقوق وانتهكت الحريات وطغت المادة على أخلاق ومواقف الرجال؛ إلا من رحم ربي.
خطأ طبي حرمنا ابتسامة وصوت ونصائح ومواقف “عادلـ”، الذي كان بالنسبة لكثيرين -والعبد لله واحد منهم- بمثابة الأستاذ والصديق والموجه، ليس في بلاط صاحبة الجلالة فقط، وإنما في مدرسة الحياة بمختلف فصولها ومراحلها.
نصحه بعض محبيه بعدم إجراء العملية في مستشفياتنا، خوفاً من “الخطأ الطبي” الذي ينتشر في أروقتها وأقسامها وبات يهدد أرواح الناس وقد ذهب ضحيته أعداد كبيرة ووريت أجسادهم الثرى دون أن يفتح ملف التحقيق، وإن فتح فإنه يقيد ضد “خطأ طبي”! استجاب “أبو محمد” -بنفس مؤمنة بقضاء الله وقدره- لنصائح محبيه وحمل حقائبه وأخذ معه شريكة عمره، بعد أن أنهى إجراءات سفره التي أخذت وقتاً أطول من اللازم بسبب المماطلة والتسويف ومحاولة العرقلة، كون هناك جهات لم يرُق لها أن يتم تعيينه مديراً للمركز الإعلامي بسفارتنا في القاهرة، وما لا يعلمه الكثير أنه كان مرشحا لمنصب الملحق الإعلامي هناك، إلا أن بعض النافذين وقفوا أمام القرار وسارعوا للتجديد عاما واحدا فقط للملحق الحالي الذي انتهت فترته!
سافر “عادلـ” ولم يكن يعلم أن “الخطأ الطبي” قد اندس بين حقائبه ورافقه في رحلته ليمارس هوايته، وإن كانت هذه المرة في مشافي الآخرين. في لحظة اللاوعي أدخلوه في مرحلة غيبوبة طويلة لم يفق منها. لقد مات الأعسم! يااااااااه!! كم هي الدنيا رخيصة! وكم هي الجراح التي خلفها رحيل “عادلـ” في قلوب محبيه ومن عرفوه عن قرب! لعمري إن رحيله ترك ثغرة في جدار الصحافة اليمنية لن تنسد ما تعاقب الكتاب والصحفيون في بلاط صاحبة الجلالة!
لم يكن  يوماً من أولئك المتلونين أو المتاجرين بأقلامهم ومواقفهم. وقد تعرض في حياته لمتاعب شتى كثمن لمواقفه؛ وما إيقاف صحيفته “الفرسان” إلا قطرة في بحر متاعبه وتهميشه وتجاهله. هدفوا إلى إيصاله إلى مرحلة “الانحناء”، لكنه ظل واقفاً ومات واقفاً!
»وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت». لم يكن يخطر على بال أحد أن “عادلـ” سيغادرنا بهذه السرعة، وأنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة في بلاد “الغُربة”؛ لكنها في النهاية مشيئة الله، ولا راد لأمره. كما أنه يصعب على المرء أن يتخيل أنه لن يشاهده بعد اليوم، لكنه الموت، الذي يشترك فيه الناس ولا يفرق بين أحد منهم.
أتذكر آخر عهدي به قبل سفره بثلاثة أيام. التقيته، وكعادته سلم عليَّ بابتسامته المعهودة والمنعكسة من قلبه النقي، ومازالت كلماته حاضرة في وجداني!
رحمك الله، أخي وصديقي وأستاذي أبا محمد! وغفر لك وتجاوز عنك سيئاتك وأبدلها حسنات وجعل قبرك روضة من رياض الجنة وأسكنك فسيح جناته! إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
هل ستجد أسرته الاهتمام والرعاية؟ أم أن الإهمال سيكون عنواناً لسلطة ضلت طريق الوفاء لأبناء الوطن؟!!
ثم هل سيفتح تحقيق جدي في ملابسات الحادث ويكشف للرأي العام السبب المؤدي إلى “الخطأ الطبي” الذي أودى بحياة الاعسم، مع إيماننا المطلق بالقضاء والقدر؟
 
علاقات يسودها الود
كان يحرص على أن يبقى الود سيد علاقاته، والدينامو المحرك لها. حتى خلافاته مع الآخرين لا يسمح لها أن تفسد للود قضية. وما أكثر الذين اختلفوا معه في الرأي ووجدوه يبتسم لهم! وما أكثر الذين وجهوا ضرباتهم صوبه بهدف إسقاطه وإخراجه من الساحة، لكنه بقي ثابتاً يوزع لهم الابتسامة مجاناً، ووجدوه عند المصائب يقف إلى جانبهم متناسياً أفعالهم وسامياً فوقها!!
كان يتمثل قول الشاعر:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتبُ
ولا ينال العُلا من طبعه الغضبُ
> شفيع العبد
 
***
 
إلى جنة الخلد أيها العادل!
ببالغ الحزن والأسى تلقينا نبأ وفاة الأخ العزيز والصديق الصدوق والأستاذ الفاضل عادل الأعسم، رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وأحبابه الصبر والسلوان.
كم كان الخبر مؤلماً! وكم كانت الصدمة موجعة! ولكنه قضاء الله وقدره، وعلينا الامتثال لأوامره، والحمد لله على كل حال!
بدأت علاقتي بالأعسم مع البدايات الأولى لفجر الوحدة، وكنت حينها ما أزال في مقاعد الدرس الإعدادي. وبدأت في خوض تجربة الكتابة الصحفية، واحتضنني وشجعني كثيراً. وعند انضمامه لأسرة تحرير “الأيام” فتح المجال رحباً واسعاً، ولقيت تشجيعاً حاراً منه ومن أساتذتي هشام وتمام، ومن بعدهم العزيز مشتاق عبد الرزاق، حتى أنه ذات مرة كان مفتخراً بي ومزهواً في حضرة الفاضل د. عبد العزيز بن حبتور نائب رئيس جامعة عدن آنذاك، وقال: “ظهر من سيكون أفضل من عادل الأعسم”! رحماك ربي أيها العادل!
للأعسم تقاسيم مهمة في حياتي، فقد دخلت قسم الصحافة والإعلام بجامعة عدن عن طريقه، لأنني التحقت متأخراً بعد بدء الدراسة بفترة، وناضل معي كثيراً حتى يتم قبولي، ورهانه أمام أساتذتي أنني سأكون من الأوائل. وعندما فكر في إصدار صحيفة “الفرسان” كنت أول من جال في خاطره للعمل معه، ولظروف الدراسة لم أستطع الالتحاق بهيئة التحرير. وعند إجراء أول انتخابات لفرع الإعلام الرياضي بالمحافظة، والتي فزت بها، كان أول المهنئين، وتم اختياره كمستشار للفرع. أما النقطة الأهم التي تندرج ضمن الأوائل ومن العلامات التاريخية بالنسبة لي كان اختياره لشخصي المتواضع للسفر والتحليق عالياً وركوب الطائرة لأول مرة خارج الحدود وتحديداً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للمشاركة ضمن الوفد الإعلامي اليمني المشارك في بطولة خليجي 18، وهي المرة الأولى لصحفي رياضي من المحافظة يسافر للتغطية الإعلامية مع المنتخب، رغم إنني كنت بعيداً عن دهاليز البرزات والوساطات، وكنت أعتقد أنني خارج التغطية من نصيب السفريات، إلا أنه فاجأني باتصال طالباً جواز السفر، وتمت السفرية وحملت له ذلك الجميل الموزع عطاياه على الجميع دون منّ أو تفاضل أو تفاخر.
كنت وزميلي العزيز شفيع العبد كلما نزلنا إلى العاصمة صنعاء فلا بد من زيارة “أبو محمد” في محرابه. وكم نكون سعداء عندما نسمع صوته يزلزل المكان وهدير “عنتر”! تحس فعلاً أنك أمام رجل بمعنى الكلمة، شكلاً وصوتاً وموقفاً… وكم تكون سعادتنا أكثر عندما نصطحب المشاكس التلالي الشبواني عبد العزيز مسعد ويدخل معه في عراك حقيقي بين الصد والرد هجوماً ودفاعاً.
واختلف مع كثيرين، ولكن كان في خلافه عادلاً، لا يحمل الحقد لأحد، ويحب الخير للجميع. إلى جنة الخلد أيها العادل النبيل!
> علي سالم بن يحيى