اليمن.. من وحدة الجنوب إلى حرب الشمال-ياسين الزكري

اليمن.. من وحدة الجنوب إلى حرب الشمال-ياسين الزكري

 

نهارال20 من فبراير 94 وفي العاصمة الأردنية عمَّان كانت اليمن توقع وثيقة تأسيس الدولة. الجميع كانوا هناك. لم يعد ثمة صوت في الخارج يخشى منه تقويض مشروع الدولة.
كانت ساعة ولادة اليمن التي نريد. وعلى إيقاع تصفيق التوقيع وقف العالم مدهوشاً، المحيط الإقليمي مذهولاً. كانت لحظة لو قدَّمت فيها اليمن مبادرة أو مشروعاً يتعلق بالوحدة العربية لنظر إليه بالكثير من الإكبار والضرورة والجدية.
مشكلات اليمن مع الأشقاء في الخليج حُلّت بكلمات فقط: “كنا مشغولين في بناء دولة اليمن الموحد ولم نكن في خضم حرب الخليج. كنا في صدد إنجاز ما تشهدون الآن”. الجوار كان يعلم أنه بات عليه دعم مشروع الدولة الجديدة دون مطالب متتالية من اليمن. الغرب والشرق سيدفعون أيضا، لأن اليمن لم تعد الباحثة عن المساعدات، بل هي هذا البلد الذي نهض فجأة من جنوب الجزيرة ليقدم نموذجاً في التعدد والديمقراطية واحترام الحقوق والحريات وبناء دولة مؤسسات حديثة. لقد صار اليمن البلد المؤهل لحمل مشعل التحديث والحوار والديمقراطية في المنطقة. هذا ما فهمته الدنيا حينها. لكن الخلل كان قد عشش في الداخل، إذ سرعان ما تحولت أقلام التوقيع إلى صواريخ وقذائف موجهة صوب جسد هذا المنجز العملاق الذي طاول سموقه أفق الرؤية، فلم تعد تدرك سقفه العيون، لكن الذي حدث حينها أن ثمة من رأى هدم المبنى أسهل بكثير من رفع الرأس، ليبدأ دك المشروع تباعاً وبوتيرة متسارعة ما شهد اليمن سرعتها في البناء يوماً.
كان ذلك ببساطة مشروع الحزب الاشتراكي اليمني، بقيادة علي سالم البيض، الرجل الذي عرف بكونه صانع مشاريع عملاقة. وكان ما جاء بعد ذلك إنجاز الشعب اليمني بامتياز.

***
الأزمة

كانت الوحدة اليمنية تحققت سلمياً في ال22 مايو 90 على أساس إذابة الدولتين في دولة يمنية كبرى تأخذ بالأفضل من هنا وهناك. لكن مسألة الأفضل هذه لم تكن منسجمة في وعي الشعبين وقواهما الحية بما يكفي؛ ذلك أنه ومع أول حادثة اغتيال تكشَّف، ومن خلال تصريحات “المصدر المسؤولـ” بوزارة الداخلية، أن الجنوبيين وقعوا في مشكلة، فالدولة في الجنوب توحدت مع سلطة في الشمال وليس مع دولة كما كان يفترض.
كعادته لم يقل البيض: لنعد أدراجنا إذاً! بل رفع شعار “معا من أجل إيجاد دولة النظام والقانون”، أو بصيغة أخرى: “ليست هناك دولة؛ لنوجد الدولة إذاً!”.كانت الوحدة اليمنية تحققت سلمياً في ال22 مايو 90 على أساس إذابة الدولتين في دولة يمنية كبرى تأخذ بالأفضل من هنا وهناك. لكن مسألة الأفضل هذه لم تكن منسجمة في وعي الشعبين وقواهما الحية بما يكفي؛ ذلك أنه ومع أول حادثة اغتيال تكشَّف، ومن خلال تصريحات “المصدر المسؤولـ” بوزارة الداخلية، أن الجنوبيين وقعوا في مشكلة، فالدولة في الجنوب توحدت مع سلطة في الشمال وليس مع دولة كما كان يفترض.كعادته لم يقل البيض: لنعد أدراجنا إذاً! بل رفع شعار “معا من أجل إيجاد دولة النظام والقانون”، أو بصيغة أخرى: “ليست هناك دولة؛ لنوجد الدولة إذاً!”.

***
مشروع الدولة

بدأ البيض رحلة الحشد من أجل دولة النظام والقانون، فاستخدم كل ما هو متاح من إمكانات، إلى جانب حنكته المشهودة وخطابيته المؤثرة في الجموع، حتى أوصل الأمر إلى طاولة حوار تحتشد حولها تمثيلات جميع القوى السياسية والفاعلة بأي صورة كانت تنظيمات: قبائل، واجهات اجتماعية، معارضة خارجية… وكانت الرسالة واحدة: على هذه الطاولة يضع الجميع مشكلاتهم ومطالبهم، ثم يبدأ الحوار بهدف استيعاب كل ذلك والخروج بمشروع دولة تتسع للجميع وتحقق مطالب الجميع وتمثل وفاق جميع الرؤى المتباينة. وفي الفترة من 22/11/93 وحتى 18/1/94 توصلت لجنة حوار القوى السياسية في اليمن إلى عقد اجتماعي لبناء الدولة المؤسسية الحديثة سميت “وثيقة العهد والاتفاق” التي هبَّ اليمانيون من كل فج عميق لتوقيعها في العاصمة الأردنية عمان.

***
ما بعد الوثيقة

البيض خالجته رغبة الاكتفاء بما تحقق وإفساح الطريق لجيل الشباب في القيادة وبناء الدولة اليمنية التي أوضحت الوثيقة تفاصيلها المجمع عليها من جميع القوى والأطياف والأصوات اليمنية أينما وجد اليمنيون عبر العالم. وكانت السلطة فرع الشمال تريد أن “يطلع البيض من حضرموت إلى صنعاء”!
الرجل الذي يقبل ترك مقعده في المكتب السياسي ويعود إلى اللجنة المركزية ليحافظ على زيجته الثانية يمكنك أن تثق به أكثر عند الحديث عن احترام الحقوق.
لم يكن الكرسي يشغل بال البيض كثيراً عبر محطات نضالاته الزاخرة، لكن حين يحتاج الأمر إلى مناضل من الطراز الأول يكون في المقدمة. ذلك ببساطة هو المناضل الوطني علي سالم البيض، الذي قفز باليمن، بمعية آخرين ممن استوعبوا المشروع أو استهوتهم الفكرة، إلى القمة في زمن قياسي، وهو (البيض) يشغل موقع نائب رئيس محاصر محدود الصلاحيات مهدد بالموت في أية لحظة.

***

الخلاف

البدء في البحث عن المتورطين في اغتيالات قادة الاشتراكي واعتبار من تستر على أي منهم شريكاً في الجريمة، كان بند الوثيقة الأول. “إطعام اليمانيين من جوع وتأمينهم من خوف” كما كان البيض يردد دوماً استلهاماً من الكتاب العزيز، كان مطلب البيض الأساس لأجل ضمان قيام دولة. رحلة البيض إلى السعودية كان أمراً مقلقاً لجهة شريك الشمال.

***
الحرب

حشد البيض كل القوى المتفقة والمغايرة حول طاولة الحوار. حقق الرجل بهكذا خطوة منجزا داهشاً. راهن الرجل على الشعب الذي لم تجف أحبار توقيعات ممثليه على الوثيقة بعد. راهن الشعب على حكم الفرد. انفض المولد في عمان والتأم في صنعاء، لكن من أجل غرض آخر كما يبدو. ومن عمران بدأ يوم ال27 من أبريل “يوم الديمقراطية في اليمن”، دك الدولة الحلم، ليهوي الوطن صوب ما قبل العام 90 برغبة أكيدة.
كان الشريك الجنوبي وصل إلى صنعاء وشعاره “لنتعلم القسمة على اثنين وثلاثة وأكثر”. ومن خلال مجلس الرئاسة تمت القسمة على ثلاثة، وجاء الاشتراكي بالإسلاميين إلى الرئاسة. ثم من خلال إقرار وثيقة العهد والاتفاق بدأت رحلة القسمة على أكثر. لكن اليمن حشدت ممكناتها وبدأت الزحف جنوبا من أجل إعادة الأمور إلى ما ألفت قوى الشمال: مبدأ القسمة على واحد.
عمل الشريك الجنوبي على استنهاض إرادة الشعب للحفاظ على وحدته وبناء دولة النظام والقانون: مطلب الحياة الملح في اليمن. عمل الشريك الشمالي على استثارة الغرائز: رغبة الفيد لدى القبيلة، رغبة الجهاد لدى الإسلاميين، بسط اليد على مساحات أرض شاسعة لدى أصحاب المال، وتوسعة النفوذ والسيطرة على أوسع متاح من قبل قادة المحاور… سار الركب ومن ورائه قوافل المدد: الكيك والخبز والخواتم المغروزة في الأطعمة… كان موقفاً يمانيا مشرفاً، لكن الحرب كانت في المكان الخطأ.حشد البيض كل القوى المتفقة والمغايرة حول طاولة الحوار. حقق الرجل بهكذا خطوة منجزا داهشاً. راهن الرجل على الشعب الذي لم تجف أحبار توقيعات ممثليه على الوثيقة بعد. راهن الشعب على حكم الفرد. انفض المولد في عمان والتأم في صنعاء، لكن من أجل غرض آخر كما يبدو. ومن عمران بدأ يوم ال27 من أبريل “يوم الديمقراطية في اليمن”، دك الدولة الحلم، ليهوي الوطن صوب ما قبل العام 90 برغبة أكيدة.كان الشريك الجنوبي وصل إلى صنعاء وشعاره “لنتعلم القسمة على اثنين وثلاثة وأكثر”. ومن خلال مجلس الرئاسة تمت القسمة على ثلاثة، وجاء الاشتراكي بالإسلاميين إلى الرئاسة. ثم من خلال إقرار وثيقة العهد والاتفاق بدأت رحلة القسمة على أكثر. لكن اليمن حشدت ممكناتها وبدأت الزحف جنوبا من أجل إعادة الأمور إلى ما ألفت قوى الشمال: مبدأ القسمة على واحد.عمل الشريك الجنوبي على استنهاض إرادة الشعب للحفاظ على وحدته وبناء دولة النظام والقانون: مطلب الحياة الملح في اليمن. عمل الشريك الشمالي على استثارة الغرائز: رغبة الفيد لدى القبيلة، رغبة الجهاد لدى الإسلاميين، بسط اليد على مساحات أرض شاسعة لدى أصحاب المال، وتوسعة النفوذ والسيطرة على أوسع متاح من قبل قادة المحاور… سار الركب ومن ورائه قوافل المدد: الكيك والخبز والخواتم المغروزة في الأطعمة… كان موقفاً يمانيا مشرفاً، لكن الحرب كانت في المكان الخطأ.

***
الإسلاميون والورطة

الإسلاميون، الذين لم يتقبلوا فكرة التصويت في البرلمان على حل لمشكلة العمالة في مصنع البيرة في عدن تمهيداً لإغلاقه، لم يكونوا يعلمون أنهم ربما وبشكل ما (غير مباشر طبعاً) سيعملون لحساب شركات مشاريب روحية أجنبية، وربما أنهم في غمرة الحماس للمعركة نسو قوله تعالى «ولا تقولوا لمن ألقى لكم السلم لست مؤمنا، تبتغون عرض الحياة الدنيا، وما عند الله خير». نصف فقهاء الشمال، إن لم يكن أكثر، تعلموا علوم الدين في الجنوب أو على يد أساتذة من خريجي مدارس الدين هناك.
كان الجنوبيون أكملوا التحول بحرب يناير وجاءوا إلى الوحدة بإرادتهم هم، ولم يأت بهم أحد، فكيف تكون “الوحدة من الدين” ويكون دعاتها كفرة!؟ لا شك إنه أمر محير! لولا أن لغة المنطق هنا معطلة عن العمل، منطق الأمور يوضح للمتابع أن ليس للإسلاميين حق ادعاء بطولات الفتح ونشر الإسلام من خلال تلك الحرب التي اشتعلت صيف العام 94، لأنهم أول من يعلم أن الأمر لم يكن كذلك، ما يعني أن الاعتذار من قبلهم، عما حاق بإخوتهم في الجنوب وإعادة ما نهب بواسطتهم أو اختصوا به لأنفسهم من هناك، أمر لازم، وهو ما بدت علاماته تتضح من خلال مواقف حزب الإصلاح وخطابه اليوم، إلا أن الاعتذار الرسمي يظل أمرا في صالح حزب الإصلاح بدرجة أساس.
كان الجنوبيون نهاية أحداث يناير تخلصوا من الفردية في الحكم وأعادوا ترتيب الأمور بما يتناسب وخصوصيات مجتمع عربي مسلم، وجاءوا إلى الوحدة جاهزين لتحقيق حلم وبناء يمن يمكنه القفز عالياً على مستوى المحيط.الإسلاميون، الذين لم يتقبلوا فكرة التصويت في البرلمان على حل لمشكلة العمالة في مصنع البيرة في عدن تمهيداً لإغلاقه، لم يكونوا يعلمون أنهم ربما وبشكل ما (غير مباشر طبعاً) سيعملون لحساب شركات مشاريب روحية أجنبية، وربما أنهم في غمرة الحماس للمعركة نسو قوله تعالى «ولا تقولوا لمن ألقى لكم السلم لست مؤمنا، تبتغون عرض الحياة الدنيا، وما عند الله خير». نصف فقهاء الشمال، إن لم يكن أكثر، تعلموا علوم الدين في الجنوب أو على يد أساتذة من خريجي مدارس الدين هناك.كان الجنوبيون أكملوا التحول بحرب يناير وجاءوا إلى الوحدة بإرادتهم هم، ولم يأت بهم أحد، فكيف تكون “الوحدة من الدين” ويكون دعاتها كفرة!؟ لا شك إنه أمر محير! لولا أن لغة المنطق هنا معطلة عن العمل، منطق الأمور يوضح للمتابع أن ليس للإسلاميين حق ادعاء بطولات الفتح ونشر الإسلام من خلال تلك الحرب التي اشتعلت صيف العام 94، لأنهم أول من يعلم أن الأمر لم يكن كذلك، ما يعني أن الاعتذار من قبلهم، عما حاق بإخوتهم في الجنوب وإعادة ما نهب بواسطتهم أو اختصوا به لأنفسهم من هناك، أمر لازم، وهو ما بدت علاماته تتضح من خلال مواقف حزب الإصلاح وخطابه اليوم، إلا أن الاعتذار الرسمي يظل أمرا في صالح حزب الإصلاح بدرجة أساس.كان الجنوبيون نهاية أحداث يناير تخلصوا من الفردية في الحكم وأعادوا ترتيب الأمور بما يتناسب وخصوصيات مجتمع عربي مسلم، وجاءوا إلى الوحدة جاهزين لتحقيق حلم وبناء يمن يمكنه القفز عالياً على مستوى المحيط.

***
بُعيد الحرب

بعد أربع سنوات من دستور الوحدة كان أول ما قام به الرئيس صالح بعيد الحرب الالتقاء بالقيادات العسكرية التي رمت بطائقها الحزبية على الطاولة بعد إعلان الرئيس ألا حزبية في القوات المسلحة. أذعنت القوات المسلحة لأمر القائد. القائد انتقل إلى البرلمان، لإسقاط مجلس الرئاسة (المشاركة) والعودة بالبلاد إلى الحكم الفردي. المؤتمر (حزب الرئيس) والإصلاح (الحلف الحليف يومها) صوتا على خروجهما من مجلس الرئاسة ومن الشراكة، لينتقلا إلى درجة موظف مع الرئيس بدلاً من صفة مشارك.

***
أحداث يناير
 
انتهت أحداث ال13 من يناير 86، وبنهايتها بدت هناك تحولات واضحة.
كانت تلك المحطة نهاية صراع الرؤى بين الحكم عن طريق مبدأ المشاركة الشعبية، وبين الحكم بطريقة نظام حكم الفرد الذي لعبت عوامل عديدة في توفير بيئة مناسبة لتناميه بعد تغير معادلة التوازن الضامن، ذلك أن انضمام علي عنتر، أو لنقل كتلة الضالع، إلى كتلة أبين ممثلة بعلي ناصر أخل بتوازن المعادلة حتى حين، الأمر الذي وفر تلك البيئة التي مكنت من التحول صوب نظام حكم الفرد.
تركز السلطات في يد واحدة وما نشأ عنه من الانسحاب جهة استحكام عوامل الفردية، نبه الرفاق إلى ضرورة إعادة الحساب، كون نظام الحكم صار أكثر بعداً عن النهج المفترض الأقرب إلى الحكم بنظام العقد الاجتماعي والمشاركة الشعبية؛ فجاء انعقاد المؤتمر العام للحزب ليعيد التركيبة إلى الوضع المتوازن، لكن النتائج لم ترُق للمألوف السابق كما يبدو، فعلي ناصر أمينا عاما ورئيساً للدولة ما يزال، لكن السلطات ما بعد المؤتمر العام للحزب الاشتراكي اليمني حينها كانت قد صارت محدودة.
يمكن القول –إذاً– إن رغبة توجه طرف للاستئثار بالحكم على حساب أطراف أخرى ترغب في نظام المشاركة مثّل فتيل التفجير، لتندلع الحرب بين الإخوة الرفاق، وهي الحرب التي خرج فيها الأقوى “حرجا من الشعبـ” بعدما غدت الغلطة أكبر حجما من المفترض. ولأن الجنوبيين يصطفون عادة في صف الضعيف وفي مواجهة الرأس، خرج طرف من الصراع، بينما التف الشارع حول الطرف الآخر.

***

تناقض

أعلنت أحداث يناير 86 نهاية الدكتاتورية في الجنوب اليمني، في حين كان حكم الفرد قد أكمل حلقات بنيته في الشمال.
خرج الجنوب من فكرة “حزب الحاكم” إلى فكرة الحزب الحاكم، فيما ظلت فكرة حزب الحاكم تتعزز شمالاً في جو يسمح بهذا التنامي كمسألة فكرية اعتادها الشمال اليمني منذ فجر الثورة، وهو أمر لا يصعب إدراكه ولا يحتاج إلى فائض جهد، ففي حين مرت فكرة الحكم جنوبا بمحطات حوار وتحالفات من التنظيم الموحد إلى الحزب الطليعي إلى الحزب الاشتراكي اليمني، كانت الأحزاب في الشمال تلعب في اتجاه إضعاف أو أكل بعضها استقواء بالحاكم ولم تدخل لعبة التحالفات مع ما سوى الحاكم أجندة أحزاب الشمال عبر عقود ما بعد الثورة.
كانت أحداث يناير جنوبا أوصلت الحكم إلى أيدي الناس بعدما ضربت مراكز القوى. وبيسر شديد جاء الناس وفتشوا عمن بقي من الرموز الأعلى رصيدا، فحملوا الجريح علي سالم البيض إلى موقع الأمانة العامة للحزب وكرسي رئاسة الدولة.
اختيار البيض، إضافة إلى رصيده كقائد تاريخي لا يمتلك أحد حق المزايدة عليه، يكشف توجه الناس الذين استعادوا حقهم في المشاركة إلى البعد بموقع الرئيس عن ظروف تنمية مراكز القوى التي كانت قد انهارت وسط أحداث يناير 86.
جاء علي سالم البيض -المولود في عام 1939 في قرية معبر مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت- إلى الحكم عن طريق الشعب. وهو الشعب ذاته الذي يرى في الدستور وأدبيات الحزب وشعاراته عقداً اجتماعيا بينه وكرسي الحكم أيا كان شاغره، فما كان أمام البيض كموظف مع الشعب بدرجة رئيس جمهورية إلا أن يبدأ في تنفيذ مطالب الشعب الذي جاء به طوعا إلى الرئاسة.
كان البيض –كغيره– تربى على شعارات أساس تبدأ من “لنناضل من أجل تحقيق الوحدة اليمنية و…”، فبدأ في تأدية واجبه من خلال تلبية مطالب شعبه.أعلنت أحداث يناير 86 نهاية الدكتاتورية في الجنوب اليمني، في حين كان حكم الفرد قد أكمل حلقات بنيته في الشمال.خرج الجنوب من فكرة “حزب الحاكم” إلى فكرة الحزب الحاكم، فيما ظلت فكرة حزب الحاكم تتعزز شمالاً في جو يسمح بهذا التنامي كمسألة فكرية اعتادها الشمال اليمني منذ فجر الثورة، وهو أمر لا يصعب إدراكه ولا يحتاج إلى فائض جهد، ففي حين مرت فكرة الحكم جنوبا بمحطات حوار وتحالفات من التنظيم الموحد إلى الحزب الطليعي إلى الحزب الاشتراكي اليمني، كانت الأحزاب في الشمال تلعب في اتجاه إضعاف أو أكل بعضها استقواء بالحاكم ولم تدخل لعبة التحالفات مع ما سوى الحاكم أجندة أحزاب الشمال عبر عقود ما بعد الثورة.كانت أحداث يناير جنوبا أوصلت الحكم إلى أيدي الناس بعدما ضربت مراكز القوى. وبيسر شديد جاء الناس وفتشوا عمن بقي من الرموز الأعلى رصيدا، فحملوا الجريح علي سالم البيض إلى موقع الأمانة العامة للحزب وكرسي رئاسة الدولة.اختيار البيض، إضافة إلى رصيده كقائد تاريخي لا يمتلك أحد حق المزايدة عليه، يكشف توجه الناس الذين استعادوا حقهم في المشاركة إلى البعد بموقع الرئيس عن ظروف تنمية مراكز القوى التي كانت قد انهارت وسط أحداث يناير 86.جاء علي سالم البيض -المولود في عام 1939 في قرية معبر مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت- إلى الحكم عن طريق الشعب. وهو الشعب ذاته الذي يرى في الدستور وأدبيات الحزب وشعاراته عقداً اجتماعيا بينه وكرسي الحكم أيا كان شاغره، فما كان أمام البيض كموظف مع الشعب بدرجة رئيس جمهورية إلا أن يبدأ في تنفيذ مطالب الشعب الذي جاء به طوعا إلى الرئاسة.كان البيض –كغيره– تربى على شعارات أساس تبدأ من “لنناضل من أجل تحقيق الوحدة اليمنية و…”، فبدأ في تأدية واجبه من خلال تلبية مطالب شعبه.

***
متغيرات

ثمة ظروف موضوعية كانت أفسحت مجالاً لتحقيق هدف كبير بحجم الوحدة اليمنية.
البروسترويكا (إعادة البناء) في الشرق، إفلاس اليمن الشمالي حينها وربما يتذكر كثيرون ما نشرته صحيفة “الثورة” الرسمية قبيل مايو 90 من أن الظروف الاقتصادية في الشمال بلغت حد التهديد بوقف الريال اليمني عن التداول، محدودية الثروة النفطية في الشمال وتواجدها جنوبا بشكل أكبر… كل ذلك ساعد في هروب الجانبين نحو الوحدة اليمنية.
كان مقترح الشمال فيدرالياً (وهو الخيار الذي عاد فرآه خياراً انفصاليا بعدها) بينما كانت الوحدة اليمنية جنوبا ثقافة وتربية وحلما تاريخيا مدونا على رأس وثائق الحزب وأدبياته الموضوعة على طاولة العمل.
كان البيض، الرجل الذي تزخر سيرته برصيد فاعل من الأدوار الوطنية، يجد الوحدة اليمنية أولوية في شعارات حزبه، ما يعني أن الشعار لا يصل إلى ذلك الموقع دون إجماع سابق؛ فرأى أن يكون تحقيق الحلم بما يليق بهذا الحلم وانتظاره وحجم التضحيات في سبيله. فكان مع الوحدة الاندماجية التي شهد الرئيس علي عبدالله صالح بدوره فيها قائلاً حينذاك ما معناه: لولا أخي علي سالم البيض ما كانت الوحدة لتتحقق بهذه الطريقة.
[email protected]
ثمة ظروف موضوعية كانت أفسحت مجالاً لتحقيق هدف كبير بحجم الوحدة اليمنية.البروسترويكا (إعادة البناء) في الشرق، إفلاس اليمن الشمالي حينها وربما يتذكر كثيرون ما نشرته صحيفة “الثورة” الرسمية قبيل مايو 90 من أن الظروف الاقتصادية في الشمال بلغت حد التهديد بوقف الريال اليمني عن التداول، محدودية الثروة النفطية في الشمال وتواجدها جنوبا بشكل أكبر… كل ذلك ساعد في هروب الجانبين نحو الوحدة اليمنية.كان مقترح الشمال فيدرالياً (وهو الخيار الذي عاد فرآه خياراً انفصاليا بعدها) بينما كانت الوحدة اليمنية جنوبا ثقافة وتربية وحلما تاريخيا مدونا على رأس وثائق الحزب وأدبياته الموضوعة على طاولة العمل.كان البيض، الرجل الذي تزخر سيرته برصيد فاعل من الأدوار الوطنية، يجد الوحدة اليمنية أولوية في شعارات حزبه، ما يعني أن الشعار لا يصل إلى ذلك الموقع دون إجماع سابق؛ فرأى أن يكون تحقيق الحلم بما يليق بهذا الحلم وانتظاره وحجم التضحيات في سبيله. فكان مع الوحدة الاندماجية التي شهد الرئيس علي عبدالله صالح بدوره فيها قائلاً حينذاك ما معناه: لولا أخي علي سالم البيض ما كانت الوحدة لتتحقق بهذه الطريقة.