القانون اليمني يرسل مئات الأطفال سنوياً إلى السجون..طفولة تدق ناقوس الخطر-عدن – كفى هاشلي

القانون اليمني يرسل مئات الأطفال سنوياً إلى السجون..طفولة تدق ناقوس الخطر-عدن – كفى هاشلي

دخل كالمفزوع وعلى وجهه علامات استغراب، ينظر إلى الأطفال من حوله على مقاعد حصة الرسم، وإلى وفد من الصحفيين كانت زيارتهم متزامنة ودخوله دار التوجيه الاجتماعي بعدن.
لم تكن تهمته -حسب التحقيقات الأولية- سوى سرقة دراجة، وعند محاولة إعادتها قبض عليه وأصبح مكانه الشرطة، ومن ثم دار التوجيه الاجتماعي للبنين بعدن.
كان “ع” شاحب الوجه، ملتزما الصمت، يحاول أن يبقي رأسه منخفضاً وعموده منحنيا قرب أطفال قصيري القامة. رحبوا به في عالمهم بالابتسامة عندما ولج إلى الحصة فور وصوله للدار.
قصص صغيرة في عالم كبير نطاقه الجغرافي مفتوح، فالشوارع وأزقتها وزحامها ملاذ جيد للتسول والسرقة والتشرد، وحتى لشرب الخمور واللواط. أما حدوده الزمانية فهي ساعات الذروة في الأسواق أو القيلولة أو ما بعد منتصف الليل.
تبدأ كتابة كل قصة بعد لحظات القبض على الطفل الحدث عبر الشرطة أو النشطاء الحقوقيين المخولين (مركز التسول) أو بعد البلاغات بسبب فعل منهم أو عليهم.
ولن يكلفنا الأمر شيئا حال فكرنا في رؤية بعض صور التشرد والتسول من مختلف محافظات اليمن، لأن بعض شوارع عدن كفيلة بذلك: أطفال من المحافظات المختلفة فارون من عائلاتهم أو نازحون معها أو لاجئون إليها، ثقافتهم بدأت تتأثر بسلوك الكبار والمنحرفين في المناطق ذات الاكتظاظ السكاني حيث يتفشى الفقر والجهل والجوع (البساتين، الشيخ إسحاق)، وتؤثر في توجهاتهم.
لكننا سنحتاج للكثير من الوقت والجهد للبحث عن طفل اعتدنا وجوده في موقعٍ ما يشحذ، ويصبح البحث عنه بعد الشارع هو مراكز الشرطة والنيابات، أو سنجده على موعد مع إحدى الجلسات في أروقه المحاكم!
وقد يصبح مكانه إحدى دارين اتخذتا من مدينة الشعب (مدخل مديرية البريقة) مكانا لهما بعيدا عن الأنظار والضجيج في دهاليز تكاد تكون أشبه بزجاجة مفرغة تماما من دعم سخي لعاملين يقطنون تلك المنطقة ويتحملون تلك المسؤولية.
وكما يقولون فإنهم يتحملون فوق طاقاتهم، ولا يصبّرهم على العناء إلا طلب الأجر من الله، ورحمة بالصغار الذين لا أحد لهم بعد الله إلا الدار.
وليس الطفل “ع” الوحيد في الحظ العاثر، فالطفلة “ه” كانت ضحية إهمال أسرتها بصنعاء، التي تركتها تحزم أمتعتها إلى عدن لتعمل في أحد الملاهي الليلية “راقصة” تتقاضى نحو 180 ألفا، إلا أن القدر أوقعها في يد الشرطة التي أودعتها الدار. وبعد انقضاء مدة الإيداع في الدار رفضت عائلتها استلامها، فتبنتها الدار، وأصبحت أما بعد زواجها من شاب تقدم عبر مديرة الدار.
تقول مديرة الدار، انتصار الدالي: “اتّهمتُ من أمها، عندما اتصلت بهم لاستلامها، بأني أحرضها على الرذيلة، وتعجبت من هكذا عائلة لم يفتقدوا ابنتهم حين فرت، والآن يتهموننا بأننا المحرضون، وما كان بوسعي إلا أن أعتبرها ابنتي وأربيها. وحين تقدم لها شاب جيد زوجتها وهي الآن أم صالحة”.
الطريق إلى ملفات الشرط ومصادر المعلومة عن عدد الأطفال الذين يقبعون في السجون أو يستعدون للمثول أمام المحققين، ومن أي محافظات وفدوا، أشبه بمن يبحث عن إبرة في كومة قش!
أسبوعا نفتش بين الأرقام ونقارن أعداد الذكور والإناث وعدد القضايا. واتضح أن توافد الأطفال مستمر، وجلسات التحقيقات تحتاج إلى وقت أطول، قد ننتظر نهايته ويتضح أننا أمام حالات وبداية جديدة.
فما يزيد على مائة طفل وطفلة على الأقل يقفون أمام النيابات سنوياً للتحقيق معهم. فخلال 2008 بلغ عدد القضايا الجسمية 22 قضية و62 غير جسيمة و119 حالة انحراف، معظمهم من النازحين مع عائلاتهم أو من الفارين منها، والقلة هم من سكان عدن الأصليين.
وإذا خرجنا من أروقة المحاكم والشرطة لندخل في عالم الأطفال المودعين في دور الرعاية، لوجدنا برامج تعليمة وترفيهية واجتماعية ونفسية تنتظر كل مودَع جديد.
فعلى الحيطان علّق الصغار رسومهم التي تشرح الحالات التي وفدت إلى الدار، وكلها ترمز للعنف ضد الأطفال: طفل يضربه والده لأنه لم يأت بنقود أكثر بعد يوم شحذ عصيب، وطفلة تحرم من التعليم لتبقى في المطبخ تساعد والدتها…
وإذا شغلك الفضول وفتشت غرفهم فستجد أرقام هواتف من يتواصلون معهم مكتوبة داخل دواليبهم. وقد لا يعجبك منظر الأثاث التي حطموها حين أضرب عاملو الدار، ولن تقرأ من الأمر إلا أنهم بحاجة لرعاية وحنان الأبوين، بحاجة للانطلاق إلى العالم، وأن قسوة المجتمع عليهم قد تولد ردود أفعال إن لم تكن مشابهة ومساوية بالمقدار، فقد تزيد عنها.
أما الصغيرات فيحفظن القرآن ويشاهدن التلفاز. تقول مديرتهن، انتصار: “نسعى حالياً لإيجاد برامج حماية سابقة وحالية ولاحقة حتى نحد من المشكلة، فالجهد المبذول سابقا مع الكبار لم يحد من الظاهرة، وتزيد أعدادها يوميا”.
ووصفت العمل الفردي بـ”الخطأ الفادح” الذي ترتكبه عشرات الجمعيات في عدن والمحافظات قائلة: “إذا لم تتكاتف الجمعيات معاً وتركز نشاطها في إطار جغرافي معين وتضع برامج مشتركة ومكثفة خلال مدة زمنية محددة، فلن ننجح مطلقاً، والعمل الفردي، الذي يسعى منه البعض لتحقيق نجاح شخصي، غير مقبول، وهو خطأ فادح بحق المجتمع والأطفالـ”.
وبلغ عدد القضايا خلال الثمانية الأعوام الماضية أكثر من 800 قضية عرضت أمام نيابة الأحداث التي أنشئت بقرار النائب العام رقم 298 في السابع عشر من أكتوبر 2000 للتحقيق معه في الاتهام الموجه له.
وعلى الرغم من أن النيابة شكلت قبل ثلاثة أشهر من نهاية 2000، إلا أن هذه الأشهر الثلاثة حصدت فيها النيابة أكثر من عشر قضايا لتسعة عشر طفلا بينهم أنثى واحدة.
وتقول وكيل نيابة الأحداث: “يأتي الطفل إلينا وقد عرض على الشرطة ووجه إليه الاتهام لأول مرة. ولأن طبيعة الطفل بريئة طرية لا يستوعب معنى الاتهام، لذا نتعامل معه بمنظار تربوي اجتماعي نفسي، لأن نفسيته تكون صعبة”.
وشكلت نسبة الإناث تصاعداً ملحوظا خلال الأعوام السبعة الأولى من إنشاء النيابة، ليصل في نهاية 2007 إلى 53 طفلة، إلا أن دار التوجيه (الرعاية) للفتيات استقبلت 64 فتاة في العام نفسه.
ولهذا التناقض كان رد مديرة الدار: “النيابة تتعامل مع الأحداث بصورة عاجلة، والمشكلة أن بعض أولياء الأمر يرفضون استلام بناتهم، مما يضطرنا لإبقائهن. وكذلك بالنسبة للأطفال الذين لا نعرف عائلاتهم، لا يمكن أن نرميهم للشارع مجددا، ولذا تكون النيابة قد أحضرت عددا ومازال لدينا عدد، وفي كل نشير لعدد من النزيلات صرف النظر عن متى دخلن”.
ثلاثمائة وتسع وأربعون قضية تم إصدار الأحكام فيها من قبل المحكمة خلال السبعة الأعوام الأولى من إنشاء نيابة الأحداث بعدن، من بين ما يزيد على ستمائة وثلاث قضايا سلمت لها.
كانت الأحكام حينها ما بين إيداع في الدار ولمدة معينة تقع تحت رحمة الفقرة “بـ” من المادة 37 من قانون رعاية الأحداث، واتخاذ التدابير المنصوص عليها بالمادة 36 من قانون رعاية الأحداث النافذ، وبموجب الحق المخول للنيابة بالمادة رقم 464 من التعليمات العامة للنيابة تطبيق نص المادة بإنهاء الإجراءات في بعض القضايا التي لها شكل فعل جسيم أو أهمية فتصرف.
هل السجن أفضل لاستكمال الطفل/ الحدث مدة عقوبته؟ سؤال طرحناه على مديرة الدار، فقالت: “لا يعقل ذلك مطلقاً، فنحن نعلم ونربي ونعيد تأهيل الطفل خلال مدة تواجده لدينا، ونجد النيابة تأخذه بعد شهر أو عدة أشهر حسب الحكم، لينهي ما تبقى من العقوبة لمجرد أن عمره تجاوز 15عاما. هذا –يا عزيتي– هدر لجهودنا، وعلى القائمين على القانون تعديل هذه السن بأسرع وقت، لأن الطفل ليس بصاحب سوابق حتى نضعه بين سجناء كبار، ويصبح خريج سجون، لن يتقبل ذلك، وقد ينحرف، وعلى العكس عندما يكون خرج من دار رعاية، حتى المسمى يفرق بالنسبة له كصغير أو صغيرة”.
وعادت للوراء ثلاث سنوات، عندما تم أخذ إحدى الصغيرات -بعد شهر- إلى سجن المنصورة لتنهي ما تبقى من الحكم، وكانت المديرة قد طرقت أبواب الجهات المختصة لتعيد الطفلة، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل.
وكيل نيابة الأحداث بعدن، فوزية سلام محمد، قالت: “نحن الآن أيدينا مغلولة، لا نستطيع أن نتجاوز القانون اليمني الذي حدد سن الحدث 10-15 عاما، وهناك جهود كبيرة لإقرار مشروع في مجلس النواب اليمني من شأنه أن يحدد سن الحدث إلى 18 عاما، ونستبشر خيرا، خاصة بعد تعديل سن الزواج إلى 17 سنة”.
وأضافت: “لا نستطع أن نبقي الطفل الحدث ولو عدة أيام في الدار، لو زادت عن خمسة عشر يوماً نحن محاسبون أمام القانون. وفي عدن نتعامل بالنص القانوني كما هو، ونعرف أن اليمن يتناقض فيها القانون بعضه مع بعض، سوى المدني وقانون رعاية الأطفال. والبلد للأسف وقع على اتفاقيات دولية حددت السن القانونية للطفل بأقل من 18 عاما، وغير معمول بهذه السن في القانون اليمني”.
* ماذا عن محافظات مثل تعز وصنعاء؟ يقال إن هناك إيداع لأطفال تجاوزوا سن 18 عاما؟
– نحن نرسل الأطفال الذين نعرف أن محافظاتهم بها دور رعاية إلى تلك الدور، وإذا سمعت أن هناك إيداعا حتى تلك السن فهو حتما للإناث، أما الذكور فعلى الأرجح يودَعون السجون.
وأضافت: “أرى أن الوضع في السنوات المقبلة سيزداد تعقيدا وستستفحل المشكلة. وأعتقد أن معالجة الظروف الاقتصادية هي الأهم والهمّ الأول، وعلى منظمات المجتمع المدني أن تجتهد لتعمل معاً للحد من المشكلة. وهناك جهود نتمنى أن تكلل بالنجاح لتعديل سن الحدث من عشر إلى ثمانية عشر عاما. وأتمنى ألا أرى طفلا أو طفلة يقف أمام شرطة أو نيابة أو ينتظر حكما من محكمة، فهؤلاء أطفالنا، ولم أحب قط عملا طوال فترة تولي العمل في عدن بقدر حبي للعمل في نيابة الأحداث، فهنا العمل الذي وجدت فيه نفسي”.
واليمن تعج بمنظمات المجتمع المدني، إذ تجاوزت الخمسة آلاف منظمة، بينها عشرات الجمعيات التي تعمل لصالح الطفل والأسرة، وفي عدن وحدها برزت 13 جمعية ناشطة في مجال الطفولة، إلا أن قضايا الأطفال مازالت عالقة.
ومن بين تلك المنظمات النشطة برزت جمعية مكافحة عمالة الأطفال، التي ترأسها الناشطة فاطمة يسلم، والتي اخترقت بعض المناطق التي مازالت بكرا. إلا أن الطريق الآن إلى تحقيق أهدافها قد يحتاج مزيدا من الدعم والجهد المضاعف، بسبب سوء الأوضاع وقلة الوعي المجتمعي من الكبار قبل الصغار.
واليمن من بين عشرين دولة عربية صادقت على اتفاقية حقوق الطفل في 20 نوفمبر 1989 التي تكتسب أهمية خاصة، لأنها المرة الأولى في تاريخ القانون الدولي التي تحدد فيها حقوق الأطفال ضمن اتفاقية ملزمة للدول المصادقة.
وتتكون الاتفاقية من 54 مادة معنية بالحقوق، وتختص بالتعهد واللجان والضوابط، وبها أربعة مبادئ، من بينها مبدأ الحق في الحماية والرعاية والنماء…
وأنجزت الدول العربية في إطار عمل الأمانة العامة لجامعة العربية عدة وثائق ذات علاقة بالطفل، بينها القانون النموذجي الموحد لرعاية الأحداث المنحرفين والمهددين بخطر الانحراف.