البرلمان العظيم – محمد شمس الدين

البرلمان العظيم – محمد شمس الدين

فجأة كشف لنا أعضاء البرلمان الموقر قدراتهم الخارقة والسلطات التي يتمتعون بها، والتي لو تم تفعيلها لما وصل الحال إلى هذا السوء في شتى المجالات، وبمحض الصدفة كذلك توصل ممثلو الشعب إلى أن البريء قد يصبح متهما، وأن المتهم قد يكون بريئا، وأن القانون الذي منحهم الحصانة لم يعد له وجود في الواقع. لقد أبدى أعضاء البرلمان العظيم سخطهم من عدم استقبالهم من قبل ممثل نيابة تعز وتعامله معهم كخصم. كما أبدوا انزعاجهم الشديد لاعتقال زميلهم البرطي لدى أجهزة الأمن بمحافظة تعز، وكذلك جهل مدير أمن تعز بالقانون وطلبه من البرلمان رفع الحصانة عن زميلهم البرطي دون الرجوع إلى الحكومة المخولة تقديم ذلك الطلب.
 إن المعركة التي يخوضها أعضاء البرلمان، في مواجهة الإجراءات التي اتخذت بحق زميلهم دون اعتبار للحصانة التي يتمتع بها توجب علينا أن نسائل ممثلي الشعب: أليس من المفروض عليهم حماية القانون والدستور الذي منحهم تلك الحصانة قبل كل شيء؟! ومتى وقف هؤلاء بهذه الحدية والحماس في كل قضية ينتهك فيها القانون والدستور؟ ومتى تعاملوا مع قضايا المعتصمين والمشردين والمنهوبة حقوقهم بنفس الاصطفاف والتوحد في الموقف كما توحدوا في قضية تجاهل حصانة زميلهم من قبل السلطات الأمنية والقضائية؟ نسائل أعضاء البرلمان العظيم: كم من الوزراء يستحقون أن تسحب منهم الثقة؟! وماذا عن القتل اليومي، واختطاف المواطنين والسياح، وقضايا الفساد المالي والإداري والمحسوبية التي تمارس في الجهاز الإداري للدولة والتي قد توصل البلد إلى وضع لا تحمد عقباه؟ لقد أثبت أعضاء البرلمان في تعاملهم مع قضايا الناس أنهم ليسوا إلا عبئا على هذا الشعب وأن انتقاءهم للقضايا يدل على أنهم لا يمثلون إلا مصالحهم، فالتقارير التي رفعتها اللجان البرلمانية في حالات مشابهة لحالة البرطي معظمها ما زال حبيس الأدراج، كما هو حال قضية مقتل الشهيد صلاح الرعوي التي أوقفتها رئاسة مجلس النواب رغم بشاعة الجريمة ووقعها في المجتمع وأثرها على سمعة الدولة وهيبتها. كما أن الحادث الإجرامي الذي نال من حياة الشهيد درهم القدسي التي لم يعطها البرلمان العظيم نفس الحماس الذي أبداه حيال تجاهل الجهات المعنية الحصانة الممنوحة لأعضاء البرلمان.
من حق أعضاء البرلمان المطالبة بسحب الثقة من وزير العدل وإيقاف المخالفين للقانون وتصحيح الإجراءات التي اتخذت في حق زميلهم، ولست هنا معنيا بالدفاع عن وزير العدل، فلديه من يدافع عنه وقد يتم إيقاف هذا الجدل بطرقه التي يعرفها الجميع ويعرفها أعضاء البرلمان أكثر من غيرهم، ولست معنيا بتوضيح الموقف القانوني لمطالب البرلمان، ولكن ما أريد قوله أن حماية القانون والوقوف ضد الانتهاكات المتكررة التي تطال حقوق العامة من الناس والتعسف الذي يتعرضون له من قبل أعضاء السلطة التنفيذية وبعض رجال الأمن والمشايخ لن تظل مقصورة على الضعفاء من الناس، لكنها ستطال الجميع. كما أن مدير أمن تعز ليس وحده من يجهل القانون، بل إن كثيرين يجهلون القانون، ناهيك عمن يعرفون القانون، لكنهم يدوسونه تحت أقدامهم لصالح الأطراف النافذة. كما أذكر أعضاء البرلمان أن الحصانة لن تدوم، كما أنها لن تشمل الأبناء والأقارب، ولن يكون لها القيمة القانونية ما لم يتم حماية القانون والدستور الذي منح تلك الحصانة، وكذلك حماية المواطنين الذين صعدوا إلى البرلمان على أكتافهم. ومع أني لا أخفي إعجابي بأعضاء البرلمان وعلي رأسهم رئيس المجلس حين أربكوا وزير العدل خلال استجوابه في قضية البرطي والحصانة البرلمانية، غير أني أسائلهم: أين بقية الوزراء؟ وأين دم الرعوي؟ حتى لا تفقدوا ما تبقى لكم من الثقة لدى الشعب كخسارة وزير العدل ثقتكم. أتمنى أن يدرك الجميع في السلطة والمعارضة وأن يدرك الحاكم والمحكوم أن غياب القانون أو تغييبه لن يدفع ثمنه البسطاء وحدهم.
[email protected]