هل حقاً.. فاقد الشيء لا يعطيه؟! – محمد عمر بحاح

هل حقاً.. فاقد الشيء لا يعطيه؟! – محمد عمر بحاح

عند بداية تعيينه وزيراً للثقافة، قدم الدكتور محمد المفلحي نفسه إلى الوسط الثقافي كرجل مهتم بالمسرح، وأدار حوارات ونقاشات مع عدد من المثقفين اليمنيين ومن المهتمين بالمسرح في اليمن. وشخصياً حضرت حوارين من تلك الحوارات في منتدى الدكتور الصديق نزار غانم الثقافي في منزله، وفي منتدى الجاوي الثقافي، ولاحظت اهتمام الوزير الجديد بالمسرح وإدراكه لأهميته، وحرصه على الإنصات إلى آراء الآخرين عن أسباب اختفاء المسرح اليمني الذي يعود ظهوره إلى قرابة القرن، وعدم ازدهاره بالرغم من هذا التاريخ الطويل، وكيف يمكن إحياؤه من جديد لكي يقوم بدوره الثقافي كأداة للوعي والترفيه…؟
في المنتديين اللذين حضرتهما انبرى عدد من الحاضرين لتشخيص حالة أو أزمة المسرح في اليمن، تطرقوا بإيجاز، إلى نشأته مراحل نموه، وتحوله فيما بعد إلى مسرح موسمي لاغراض آنية، العراقيل والصعوبات المادية والواقعية التي وقفت في طريق تطوره وازدهاره إلى أن صار مطارداً من قوى التعصب والتشدد والجمود، شأنه شأن الثقافة الابداعية وكل ما يحث على التفكير والتحليل والتغيير. وباختصار. كانت خلاصة تلك المناقشات أن وضع المسرح في الماضي كان أفضل بما لا يقاس من وضعه الراهن. وتطوع البعض بأفكار ومقترحات رأوا أن من شأنها اعادة إحياء المسرح ودوره في المجتمع.
وتحدد بعض تلك الافكار في ايجاد قاعدة تضمن للمسرح النمو والاستمرارية، بحيث يصبح الاهتمام به جزءاً من بنية ثقافية ومعرفة تراكمية، ولن يتحقق ذلك إلا باعادة إحياء المسرح المدرسي، لتربية النشء على الثقافة المسرحية، واستخدامه كمنهج في التدريس، وتشجيع الفرق المسرحية في المدارس وجعله جزءاً من المنظومة التعليمية، وتشجيع الفرق المسرحية «المحترفة» القائمة رغم قلة عددها، وانشاء الجديد منها في المحافظات، وبناء المسارح والاهتمام بمسرح «الهناجر» وانشاء معهد للتمثيل وربط معارفه النظرية بالتطبيق.
يومها، بالاضافة إلى حماس الوزير الجديد، كانت الملاحظة التي كررها خلال المناقشات ضالة اهتمام الجمهور اليمني بالمسرح، وأن أي عرض مسرحي لا يستمر اكثر من عدة أيام فقط، في حين أن عرض مسرحية واحدة في الخارج يستغرق سنوات، وأن ذلك لا يساوي مقدار ما تصرفه أو ستصرفه وزارة الثقافة على انتاج المسرحية من أجور الممثلين والمؤلف والمخرج والفنيين بالاضافة إلى أشهر من التدريب على البروفات… وهي ملاحظة صحيحة، لكن لها أسبابها الموضوعية والذاتية.
فبالرغم من أن تاريخ نشوء المسرح، الذي ظهر لأول مرة في عدن، يعود إلى نحو مائة عام تقريباً، إلا أنه لم يخلق واقعاً تراكمياً سواء في الجنوب أم في الشمال، وظل في نطاق مسرح الهواة ولم يتحول إلى عمل احترافي؛ لأسباب مجتمعية، ولم تتكون بنية ثقافية تستوعب أهمية المسرح في حياة الشعوب، فلم يضعه الجمهور في نطاق أولوياته. كما أنه ظل موسمياً ولم يتطور بحيث يصبح جزءاً من ثقافة المجتمع وحقائق حياته وواقعه بحيث ينعكس على مستوى وعيه وتفكيره.
ولم يجد المسرح في اليمن بيئة مناسبة يتخلق في أجوائها، فظل محاصراً في اطار الرغبات الفردية، أو في إطار بعض الفرق المسرحية، فلم يخلق جيلاً مسرحياً يشغف بالمسرح مثلما شغف به الرواد الاوائل وعدد قليل من المغرمين بحب المسرح، وتتبعوا مدارسه ومناهجه الاخراجية وتقنياته إما عبر التثقيف الذاتي، وإما عبر الدراسة الاكاديمية.
كما لم يكتب للاهتمام الذي أبدته الدولة في جنوب الوطن بعد الاستقلال بالمسرح الاستمرار والنمو بحيث يحقق نهضة مسرحية، وإن كان أحدث بداية نسبية بتجديد اهتمام الجمهور بالمسرح، لم يفده سوى طابعه الايديولوجي الموجه، في حين كان الامر يحتاج إلى الحرية التي لا يمكن بدونها خلق عملية ابداعية في أي مجال من مجالات الحياة وخاصة الادب والفن.
بعد حواراته الاستقصائية التي قام بها الوزير الجديد للثقافة واستماعه إلى الكثير من الآراء عن أزمة المسرح والصعوبات والتعقيدات، وأيضاً مقترحات وأفكار المهتمين، استبشرنا خيراً وتهيأ لنا أن الثقافة قد كسبت أخيراً وزيراً يدرك أهمية المسرح، وانه من خلال موقعه سيسهم بعمق في نفض الإهمال عنه، ويخرجه من حصار الجمود وانسداد الأفق إلى حيوية تعيده إلى الحياة من جديد.
لكن منذ تلك المقاربة في بداية عهده بوزارة الثقافة لم نلمس أو نرى شيئاً يشير إلى أن الوزير لم يعد جديداً بعد مرور اكثر من سنتين على تعيينه في هذا المنصب، قد ترجم ولو جزءاً يسيراً من حماسه ذاك في اتجاه المسرح.. لم نسمع شيئاً منذ ذلك الحين، ويبدو أننا لن نسمع شيئاً أبداً.