أغرب من الشيطان – منصور هائل

أغرب من الشيطان – منصور هائل

«ما غريب إلا الشيطان»، ومعظم الضالعين في استغراب ما يصدر عن أجهزة «النظام» من قرارات وإجراءات على شاكلة ما طالعتنا به الصحافة مؤخراً حين أفادت بأن القضاء الينمي أصدر حكماً «غريباً» بتبرئة الصحيفة التي اقترفت الاغتيال الرمزي والاجتماعي بحق الزميلين حافظ البكاري، ورحمة حجيرة، من خلال ممارسة القذف والتشهير في صحيفة تمولها الدولة.
ولا غريب إلا من استغرب ما صدر عن وزير الداخلية حينما استدعى قاعدة «رأس برأس» يساوي بين الدكتور درهم القدسي والعجوز الثمانيني الذي وافاه أجله على إثر عملية جراحية، أو حينما وصف من اعتصموا للمطالبة بتسليم قتلة الدكتور درهم إلى العدالة بقوله: «إنها غوغائية، مناطقية و…الخ».
ولا أغرب من الشيطان إلا أولئك الذين مازالوا يستحضرون السوابق ويعيدون استعراض قائمة القتلى من أبناء «اليمن السافل» على يد قتلة من «اليمن الاعلى»، ويستعيدون أسماء الدكتور الحمزة، والرعوي، والحبيشي، والقائمة مفتوحة، وجهنم لا تشبع، فهي شرهة للمزيد، وتقطع الشواهد بأن المسلسل الدموي صار أكثر عنفواناً وكثافة وجهنمية.
والغريب أننا لم نكف عن الغربة وعن رثاء «الدولة» وكأنها كانت قد سجلت الحضور ثم غابت من غير عذر. وسوف نظل غرباء كتب علينا الانفجار في المكان لأننا لم نستطع الاقلاع في الزمان، وذلك هو شأن المحروم من العين الناقدة لما يحدث في بلاد لم تقف على عتبة الدولة الحديثة إلا بموجب حالة ذهنية، وتعريفة أيديولوجية.
وهكذا تؤكد الوقائع العنيدة على هيمنة قوى المجتمع التقليدي التي لا ترفض الجديد فحسب، بل تمسخ ما تستعيره منه، وهي تكتفي بالاستعارات المجهرية لشكليات الحداثة لتعزز أكثر البنى تقليدية وتخلفاً بأطر وأدوات جديدة، منها البرلمان والشرطة والجيش والقضاء، وتلك هي عين الكارثة بالنسبة للمعارضين الذين صدقوا بجدية المؤسسات الشكلية واعتقدوا أنها تقصد ما تقول، ولم يلتفتوا إلى خلطهم بين سلطة الشوكة العصبية المهيمنة، و«الدولة»، وصدقوا أيضاً أن مسميات: الجمهورية والحكومة والبرلمان، تعني هي الاخرى ما تقول، رغم أنها لم تفارق السياق البلاغي العربي الذي درج على وصف الاعمى ب البصير، وما إلى ذلك.
وفي الأثناء تكرست سلطة الشوكة العصبية. ولم يكن بمستغرب أن يصدر القضاء أحكاماً قراقوشية، وأن يتكلم وزير الداخلية بلغة تقطر نرجسية، لأن البدوي لا يخون ما درج عليه من استخفاف وتسفيه وتحقير لـ«الآخر».
واستطرادا فإن هذ السلطة المتأتية من طريق الإغارة والسلب والاغتصاب، كانت، ومازالت، كفيلة بأن تحول الشرطي إلى لص وقاطع طريق، وأن تجعل من القوة حقاً، ومن الجمهورية سلطنة، ومن البلاد ضيعة ومزرعة، ومن البرلمان مسرحاً لعناصر الفلكلور السياسي التهريجي، ومن الوحدة منصة انطلاق للغزو والنهب وطرد «الآخر».
وبمناسبة «الوحدة» يمكن الجزم أن قوة الإيمان بالوحدة لم تكن هي الدافع لاقتحام عدن، وإنما الغنائم والعطايا، وقد مثلت عملية دخول عدن امتداداً طبيعياً لغزوات البدو واجتياحاتهم المدن وإطلاق يد النهب والسلب في الأغراب.
وبما أن رزق القبيلي، البدوي، يقع تحت ظلال رمحه، فإنه لا يؤكد ذاته بغير نفي «الآخر».
وعوداً على بدء، سيظل فعل الاعتراض على ما يحدث «غريباً»، إذا ما ارتهن على تغيير المؤسسات الشكلية الخربة. وليس ثمة أفق يمكن أن ينفتح إذا لم ينعقد الرهان على بناء المجال السياسي على أنقاض كل هذا الخراب وابتداءً من درجة الصفر، فلا خلاص بغير دولة لجميع مواطنيها ومن خلال كسر هذه الحلقة الجهنمية التي تحرق الجميع دونما استثناء، وإن بدت عناوينها الأظهر في الوقت الراهن تفيد باحتدام سجالية ثنائية «اليمن السافل» و«اليمن العالي»، أو الشوافع والزيود!
ذلك أن الحلقة الجهنمية لن تشبع ولن تفرق بين اليمنيين على المستوى المنظور أو البعيد.
[email protected]