أحمد شوقي أحمد – بين محمد فوكو، وعلي ديجول!

أحمد شوقي أحمد – بين محمد فوكو، وعلي ديجول!

الأستاذ محمد ناجي أحمد، أستاذي في مادة اللغة العربية لأسبوعٍ كامل عندما كنتُ في الثالث الثانوي، ولم نلتقِ إلا لماماً، لكن قبل ذلك وبعده كان يصرّ الأستاذ محمد ناجي، في العلاقة المعرفية التي جمعتنا بعيداً عن الفصل و”اللغة العربية”، على أننا أصدقاء، بينما كنتُ أصرّ على أنهُ أستاذ، ولكن بمفهومٍ لا يشيعُ السكينةَ أبداً -وهذا حدث لاحقاً- هذه المرة سأستعير “صداقة” الأستاذ محمد ناجي لأعقب على مقاله الذي نشرته “النداء” في عددها رقم 183 الموافق 11 فبراير 2009، متخلياً عن الألقاب الكلاسيكية.
تعرض المقال إلى أربعة عناوين رئيسية، يهمني منها عنوانان: الأول فيما يخصّ “نافخ الكير” صلاح الدكاك، والثاني فيما يخصّ رسالة الصديق محمد ناجي إلى رئيس الجمهورية.
وتحت العنوان الأول تحدث ناجي بلغةٍ قاسية و”مارشالية” فيما يخص المادة التي كتبها أخي وصديقي صلاح الدين الدكاك عن الشهيد الحيّ بإذن الله الدكتور درهم الراشدي، المقتول على يد الهمجية مرة، وعلى يد المزاج الرسمي لهذا البلد ألف مرة. وقد تعرض ناجي لما كتبهُ الدكاك بوصفهِ إقصاءً للآخر، ناقداً التفكير الذي يقومُ على “المقدس” و”المدنَّس”، وهي لغة القطعية التي نشأنا عليها جميعاً (وأعتقد أن هذه اللغة القاطعة متوفرة لدى صديقي ناجي أيضاً). ولكن بالعموم فإن حنق صديقي محمد ناجي قائمٌ برفضه للغة الرافضة للآخر والتي تعتبر الآخر شراً محضاً والذات خيراً محضاً. هكذا فهمتُ، معتذراً عن أي لبس.
وعلى سبيل إسقاط المعنى أعلاه على حالتنا هذه (مقال صلاح الدكاك) فهناك عنصران: الأول: الناقد، صلاح الدكاك، والذي مثل في نظر ناجي اللغة القطعية والرافضة للآخر. والثاني: المنقود، وهنا تقع المشكلة؛ فمن المنقود يا ترى؟! هل هيَ الهمجية العُصابية التي جمعت تلك الكائنات للتنادي بقتل الدكتور درهم رحمة الله عليه ومن ثم التخفي لدى أحد المتنفذين (والبعض يقول الهرب خارج البلاد)، أم هي المساحة “الرمادية” التي شملت مجموعة من الناظرين بكثيرٍ من الحياد الغريب للمسألة؟! من يا ترى؟!
لا أريد الاستفاضة في التحدث عن المنقود، لكن إذا ما فهمنا أن المنقود هي تلك الهمجية التي تسببت بقتل الدكتور درهم، أو أولئك الأشخاص الذين قاموا بالجريمة، فمن الغريب ألا يسمى هذا شراً محضاً. لقد قرأتُ فيما مضى: “لا خطّ أحمر إلا الدم”، وها هو الدمُ يسفَك، والخطُّ الأحمر الذي أجمعنا عليه يتم تجاوزه، فمن هذا المبتدأ يكونُ كارثياً أن يعتبر الأستاذ ناجي أن هناكَ تفاوضاً في إدانة قتل الرجل المدني والمسالم.
القسط القادم من الكارثية التي أشرتُ إليها أعلاه أن يكون حديثُ الأستاذ ناجي، في مقاله السابق، حديث رجلٍ فرانكفونيّ في مجتمعٍ بدائيٍّ للغاية، وفي قضيةٍ “حربية” بامتياز، فلا اعتبار للمثاليات المخملية أمام واقعٍ دامٍ، والجماهيرُ التي ينتمي إليها الرجلان ليست تلك الجماهير التي تتظاهر من أجل اضطهاد قطَّة، إنها جماهيرٌ لا تسمعُ إلا بمكبِّر الصوت الذي ينشجُ ليل نهار، إنها جماهيرٌ لا تؤمن بحجم الكارثة إلا بعد التنادي بالعار والدمار. ومع ذلك لا تبرير لحالة التهويل والمبالغة قدر ما كان الأمرُ يقتضي القول بحرقةِ الألم الصادقة، لا لـ”تعويم” وتمييع القضية ضمن لغة دبلوماسيةٍ محضة تؤكدُ تماماً حالة من الرخاء في إيماننا بالمسؤولية تجاه هذا المجتمع وتجاه قضايا الحقوق التي لا يجب للمرء أن يتعصب لقيمة تنتهك أكثر من قِيم حقوق الإنسان وكرامته، خصوصاً إذا كانت هذه الحقوق متعلقة بانتهاء حياةِ إنسان أعتقد أن الأستاذ ناجي أقرب إليه.
لم تجذر مقصلة روبسبير الثورة، نعم، لكنها شاركت في ذلك التجذير، ولا نستطيعُ الإنكار. مقصلةُ روبسبير الحادة كانت أداةَ حسمٍ باتجاه الخيار الضرورة، المدنية والحرية والديمقراطية. مقصلة روبسبير لم تنظر إلى نعومة عنق مدام ماري أنطوانيت، وتبدأ بقراءة تعاليم المسيح والقديس بولس الرسول، وإصدارِ عفوٍ عنها، بل حسمت تلك المقصلة مهمتها على جثة الملكة المليئةٌ بالقاذورات و”الزبالة”، بعد أن أهينت وسُحلت في شوارع باريس.
الدكاك لم يطالب بمقصلة روبسبير، ولا غيره، لكن الضروري الواجب أن نحاكم تلك الضمائر المفرغة من عوامل الرحمة والمسؤولية، تلك الضمائر التي استطاعت أن تذبح الدكتور درهم الراشدي “وريداً وريداً”، حسب صادق ناشر بأحد مقالاته (صحيفة “السياسية”)، وأن نحاكمها بإدانةٍ “قلمية” عسكرية، لأنّ التهاون في هذه الإدانة يعني رِضاً مبطناً ببعضٍ من الجريمة، وهذا ما نرفضهُ جملةً وتفصيلاً.
هذا ما يقعُ في بال القارئ من قراءته لمقال الأستاذ ناجي، من حيث لومه للغة الجماهيرية القاسية والرافضة والإقصائية… لمن؟! لا أدري، سوى أنه ذكر المستضعفين والضحايا المدنيين بوصفهم مستهدفين من هذه اللغة، وهذا يجعلُ الأمر أكثر غموضاً بالنسبةِ للمتلقي من حيث عدم وصول الفكرة بصراحة لديه، مما يعني أن هناكَ كواليسَ أخرى يحتفظُ بها الرجلان أو أحدهما، وهذا ما لا يدخل في اشتغال القارئ.

ناجي والرئيس
ما لفتني ثانياً هو رسالة محمد ناجي أحمد إلى رئيس الجمهورية، والتي أبدى فيها حيرته من دولة تستهين بدماء وأعراض وأراضي وأموال أهل إب وتعز والحديدة، ثم مخاطبته الرئيس بـ”إن من مصلحتي ومصلحتك أن تكون لنا دولة”. لقد شعرتُ أنني فعلاً أمام مثقفٍ فرانكفوني يتحدثُ بلغةٍ هادئة ومدنية. وتخيلتُ ملمحاً لطيفاً يليقُ بكاتب لمثل هذه الكلمات المتحضرة، وهو ميشيل فوكو. كما تمكنتُ من اختيار الرئيس المناسب الذي يمكنُ محادثتهُ بمثل هذه الكلمات اللطيفة، وهو شارل ديجول، لأحاول الوصول في نهاية المطاف إلى العاصمة الفرنسية باريس في الخمسينيات، ولأحاول ابتكار تسميةٍ لطيفةٍ للمشهد الذي في رأسي: حديثٌ من الفيلسوف “محمد فوكو” إلى الرئيس “علي ديغولـ”! لكنني صُدمت حين تلقفتُ من أرشيف الذاكرة ما كان يقولهُ جان بول سارتر بلغةٍ تهكميةٍ متهمة ورافضة عن ديجول قائد الثورة الفرنسية، حينَ يقول ما معناه: “أنا ملحد، ولذلك فمن حقي أن أكفر بالرب. لكن ليس من حقي أن أكفر بشارل ديجول!”.
إذاً، فحتى الفرانكفونية الفرنسية لم تحتوِ على هذا النموذج اللطيف في مناقشةِ قضيةٍ موجعةٍ للجميع. وهذا ليسَ خطاب إدانة مني، بقدر ما كان المقصود عقد مقارنة خفيفة بين خطابين في مقال الأستاذ ناجي، خطاب عسكريّ في وجه مثقف، وخطابٌ مثقف في وجه عسكريّ. فالأول خطاب الأستاذ ناجي، القاسي والشديد، والذي لم أفهم أبعاده بشكلٍ أكثر توفيقاً ونجاحاً، والذي يحملُ قسوَة العسكر، وهو موجه للدكاك، وخطابٌ لطيف وثقافي ودبلوماسي موجهٌ لرئيس الجمهورية، صاحب التاريخ العسكري، والذي أفترضُ أن يواجه بأسلوبٍ أكثر إفهاماً بالنسبة لرجلٍ كالرئيس، في إشعاره بمدى المأساة التي وصلَ إليها البلد، والتي لم يتفهم مأساتها إلى الآن، لا هوَ ولا غيره ممن يحملون أمانتها.
لنعُد إلى المحطة الأولى والضرورة الملزمة: لكي يسمعك الآخر، عليك أن ترفع صوتك!
www.shawqee.com