يحيى سعيد السادة – هذا هو سقف طموح مجتمعنا

يحيى سعيد السادة – هذا هو سقف طموح مجتمعنا

أستطيع الجزم ألاَّ شيء في هذا البلد قابل للتطوير أو التحديث أو التغيير ما لم يكن بمبادرة وتوجه شخصي من المسؤول الأول في الدولة، أيًّا كان هذا المسؤول؛ كون ما يطلق عليه بـ”المواطن” هنا عاجز تماما عن إحداث أية نقلة نوعية في حياته كما أنه عاجز عن أن يتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام ما لم يتم “توظيبه” كما “توظبـ” الآلات والمعدات التي تعتمد على الطاقة في تشغيلها، وما لم تعد برمجة تفكيره بحيث يصبح مهيأ لمواكبة متطلبات العصر ومواكبة مسيرة شعوب الأرض ولو بالحد الأدنى مسيرة الشعوب المحيطة بجغرافيتنا.
قناعتي هذه لا علاقة لها بما تمتلكه الدولة من إمكانيات بوليسية واستخباراتية، بل على افتراض أن ليس بحوزة جنودها وعسسها غير العصي و”الصمولـ”، التي تعد من وجهة نظري وفي قناعتي كافية لمواجهة مجتمع هو في غاية الإنهاك، بل وفي الرمق الأخير من حياته، مجتمع مولع بآفة القات حتى آخر قطرة من دمه وبكل أنواع سموم التدخين حتى آخر نفس، وبولعة “الشمة” القذرة والمخدرة والمقززة وبأساطير السحر والشعوذة، فضلا عن الحبوب المنشطة التي زاد اتساع رقعة ومساحة تناولها وبالذات في أوساط الشباب وصغار السن الهاربين في الأساس من تحمل مسؤولياتهم نتيجة الفجوة التي تتسع يوما بعد يوم، بين واقعهم المأساوي ومستقبلهم الأكثر من مجهول في ظل هروب الدولة هي الأخرى عن تحمل مسؤولياتها تجاه هؤلاء والمتمثلة بعدم اتخاذها أي إجراء يحد من هذه الظواهر المخيفة والمدمرة، والتي بات المواطن يلمس آثارها وتبعاتها من خلال أولاده وأقاربه وجيرانه، ومن خلال الأماكن التي يعرج عليها أو يرتادها. هذه الظواهر يضاف إليها ظاهرة الفقر والبطالة والتسول وانتشار الأمراض الغريبة على مجتمعنا، ناهيك عن ظاهرة السطو على ممتلكات الآخرين بقوة السلاح التي غالباًً ما تنتهي بقتل الأبرياء والذين قد لا يكون آخرهم الشهيد عباس محمد الغرباني إمام الجامع الكبير بإب الزاهد والناسك في محرابه منذ مولده وحتى يوم استشهاده؛ كل هذه الظواهر ما كان لها أن تتسع وتنتشر على هذا النحو الذي ينبئ بكوارث مستقبلية ربما ستكون هي الأخطر والأفظع، لولا انشغال كبار المسؤولين بمصالحهم الذاتية واختزال مسؤولياتهم بأولادهم وأقاربهم وكيفية الحفاظ على أنماط معيشتهم ومستويات مراكزهم السياسية، فضلا عن انشغال من هم دون هؤلاء المسؤولين بمضاعفة أرصدتهم المالية والعقارية من منطلق قناعاتهم أن فرص الهبر وتكويم المال على هذا النحو الحاصل الآن ربما لن يتكرر مستقبلا، فيما لو صحح وضع البلد.
مقابل ذلك نجد المواطن هو الآخر قابلا للانجرار نحو هذا الضياع من خلال إنفاقه الجزء الأكبر من دخله في واحدة أو أكثر من هذه المكيفات على حساب معيشته ومعيشة أهله وأولاده، الأمر الذي انسحب على الكثير من الشباب في محاكاة هذا الواقع المؤلم والمرير لدرجة القفز عليه إلى واقع آخر هو الأكثر مرارة وأكثر تغييبا للذاكرة.
لا شك أن جميع هذه الظواهر لم تكن وليدة اللحظة التي نعيشها الآن، كونها في الأساس طافية على سطح حياتنا منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة. إلا أن ظاهرة الأمراض النفسية وتسارع انتشارها في أوساط شبابنا هي ما دفعني لطرق هذا الموضوع، وفي هذا التوقيت بالذات، لاسيما وأنا أرى هؤلاء يبتعدون يوماً بعد يوم عن المعالجات التي يتطلبها واقعهم المحزن. فكما هي الأمراض على اختلاف درجات خطورتها والتي نجد لها أمصالا واقية وجرعات دوائية شافية، كذلك هي الإحباطات النفسية التي هي الأخرى لها طرق ووسائل لمعالجتها والتي لا تكلف المرء غير المثابرة على الاطلاع وتخصيص وقت لمجالسة الكتب والمؤلفات أيًّا كان حجمها وأيًّا كانت الأفكار التي تحملها، إذ لا يخلو كتاب أو مجلة أو صحيفة من فائدة تمثل إضافة ما لم تكن رديفاً لمعلومات تراكمية تشكل جميعها في الأخير مخزوناً ثقافياً يعد بمثابة المصل الواقي لأية أمراض اجتماعية تطفو ما بين الحين والآخر على سطح حياتنا. إذ ما يعاني منه شبابنا في وقتنا الراهن هو الفراغ الفكري والذي يمثل الفجوة بين أحلامهم وطموحاتهم وواقع تنفيذ مثل هذه الأحلام والطموحات. في ظل هذا الفراغ وهذا الإفلاس الثقافي، وصل الأمر بالكثير من هؤلاء إلى حد العزوف حتى عن تناول الصحف أيًّا كانت اتجاهاتها كتعبير عن الرفض في مناقشة وبحث كل ما يتعلق بظاهرة الإحباط مقابل التوجه نحو ما يخل بهذا العقل وما يسهم في تغييب الذاكرة ويكرس هذا الإحباط في النفوس؛ مؤشرات خروج هؤلاء من إحباطاتهم بل وخروج البلد برمته من مأزقه وإحباطاته وأنفاقه المظلمة والموحشة، عندما تتحول طوابير الناس من أسواق وأزقة القات إلى المكتبات وأكشاك الصحف.
لقد صدمت عند أكثر من مشهد، حين رأيت صحفاً على مختلف إصداراتها في طريق عودتها إلى ناشريها بينما القيمة الإجمالية لها لا تتعدى العشرين ألف ريال. هذا المبلغ هو رقم حقير في خانة المصروفات اليومية سواء لأحد التجار الميسورين أم لبعض المسؤولين المتخمين بثراء الوظيفة، لاسيما إذا ما عرفنا أن هذا الرقم يصرف مقابل “تخزينة” يوم فقط من قبل أفراد هذه الشرائح الاجتماعية. إن لم يكن بمبالغ تفوق هذا الرقم.
كذلك حين قال لي أحد أنصاف المثقفين إنه لم يتناول صحيفة “النداء” كون ثمنها زاد عشرين ريالا! في حين يصل إنفاق هذا المعتوه على ولعة القات يوميا إلى ألفي ريال ما لم يزد عليه، خاصة خلال هذا الموسم الذي تضاعف فيه سعر هذه الآفة.
صدمت أيضا يوم أن عجز أكثر من جامعي وأكثر من فيلسوف عن تسمية ثلاث صحف مستقلة، بحجة أنهم لم يسمعوا بها من قبل، في حين سرد لي أكثرهم مسميات القات في كل محافظة من محافظات الجمهورية بل وفي إثيوبيا أيضا.
صدمت حين وجدت أكثر من مسؤول ينفض يديه عن مسؤولية تناول الصحف التي لا تنتمي للسلطة، وكأنها كتب ديانات أخرى تتعارض مع ديانة حزبه، لا مجرد كونها آراء وتحليلات لوضع قائم يهم في الأساس كل الأطراف على الساحة بما في ذلك الموالين، بالذات الذين يتطلب منهم واقع الحياة التي نعيشها الوقوف عندها ليبنوا عليها مواقفهم من موقع العارف بأدق تفاصيل الأمور السياسية وغيرها التي تدور في البلد.
بعض هؤلاء المسؤولين إذا ما تجرأ أحدهم وأقدم على محاولة الاطلاع على مثل هذه الصحف فإنه لا يلتقطها إلا بعد أن يلتفت يمينا وشمالا ليتأكد بأم عينه ألاَّ أحد يرقب فعلته الشنعاء، ليدسها فجأة في جيبه وعلى وجل وكأنه يدس شيئا محرما.
سلوك هؤلاء، وعند هذا المشهد بالذات، يبين وبوضوح كم هي المسافة الشاسعة التي تفصلنا عن المجتمعات المتطورة، وكم هو قطر وعمق الهوة التي تحول بين التقاء ديمقراطيتنا، وديمقراطية الدول المتقدمة، في هذا المضمار. إذ نجد كثيرا من السياسيين في أوربا يقبلون وبنهم شديد على متابعة واقتفاء ما يكتب في الصحف التي تعكس وجهة النظر الأخرى، من منطلق أن ما يكتب في صحفهم الحزبية هو تحصيل حاصل، بيد أن ما يشغل تفكيرهم هو الرأي الآخر الذي تمثله مواضيع الصحف المناوئة لسياساتهم.
عند هذه المشاهد المحزنة، وعند هذه الصور المعتمة والحالكة السواد التي يتكرر عرضها يوميا في واقعنا، ألست محقاً بأن هذا المجتمع غير قابل للتطور أو التزحزح قيد أنملة طالما ومسؤولوه ومثقفوه على هذا النحو من التفكير، فيما معظم مكوناته الأخرى لم تنفض عن نفسها غبار التخلف حتى هذه اللحظة؟!
ثم ألست محقاً إذا ما جزمت بأن سقف طموح مجتمعنا لا يتعدى المكيفات، وأن ما يكتب في سبيل تنويره هو كمن يحرث في الماء؟!
[email protected]